من سماسرة “إبستين” إلى تمرير أجندة ترامب ونزع سلاح المقاومة.. هكذا ارتهن النظام السعودي بالكامل للمحور الصهيوأمريكي
صنعاء سيتي | تقرير
لم يعد السقوط السياسي والأخلاقي للنظام السعودي مجرد استنتاج تحليلي يُقرأ ما بين السطور، بل بات حقيقة فجة ومكشوفة لا تحتاج إلى أي دبلوماسية لتجميلها. نحن أمام نظام حسم خياره الاستراتيجي بالارتماء المطلق والتام في أحضان الولايات المتحدة وإسرائيل والدوائر الصهيونية.
هذا الولاء لم يُبنَ على تبادل المصالح السياسية التقليدية، بل على تقديم “قرابين الطاعة”، بدءاً من استرخاص أقدس المقدسات الإسلامية على مذبح العلاقات العامة، وصولاً إلى لعب دور المنفذ الأمني والمخلب الإقليمي لتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء المقاومة.
في أبشع صور الاستجداء السياسي وتودد النفوذ، لم يجد النظام السعودي حرجاً في توظيف مقدسات الأمة كعملة رخيصة لشراء الرضا الصهيوني والأمريكي. اللقاءات والصور التذكارية التي جمعت ولي العهد محمد بن سلمان بـ “جيفري إبستين”—عراب شبكات الابتزاز والمقرب من أعتى دوائر النفوذ الصهيونية—والتي فضحت تفاصيلها السجلات الرسمية ووثائق المحاكم الأمريكية (Epstein Files) وسجلات الطيران (Flight Logs)، لم تكن مجرد زلة بروتوكولية. بل كانت بوابة عبور مدروسة تُرجمت عملياً في تدفقات مالية ضخمة واستثمارات مليارية قادها صندوق الاستثمارات العامة (PIF) لتمويل صفقات وشركات تقنية وأمن سيبراني يديرها مقربون من تلك الشبكات ودائرتها التنفيذية.
الطامة الكبرى تجلت في الهدايا التي قُدمت كقرابين لـ “إبستين”، وعلى رأسها إهداء قطعة من “كسوة الكعبة المشرفة”. هذا الفعل لا يمثل مجرد انحطاط سياسي، بل هو إهانة متعمدة واسترخاص لرمز ديني يمثل قِبلة لأكثر من مليار مسلم. لقد جرى تحويل الكسوة من غطاء لأطهر بقاع الأرض إلى مجرد قطعة ديكور تُعلق في أروقة شبكات النفوذ والابتزاز المالي والجنسي. إنها رسالة صريحة للدوائر الصهيونية مفادها: “نحن مستعدون للتنازل عن كل شيء، بل وعن مقدساتنا ذاتها، في سبيل تثبيت عرشنا ونفوذنا عبر بوابتكم”.
ولا يقف استرخاص المقدسات عند عتبات شبكات الابتزاز الغربية، بل يمتد لعملية “صهينة” ممنهجة للداخل السعودي وللحرمين الشريفين ذاتهما. فقد تجند النظام كحارس أمن للاحتلال داخل المسجد الحرام والمسجد النبوي، عبر شن حملات قمع واعتقال وحشية لكل زائر أو معتمر يجرؤ على رفع يديه بالدعاء لغزة. ويتزامن هذا الترهيب مع حملة تطهير للمناهج الدراسية، طُمسَت خلالها الآيات والأحاديث التي تفضح الكيان الصهيوني، لتقديم “إسلام مشوه” كعربون ولاء مجاني للإدارات الأمريكية.
هذا الانسلاخ الرمزي والديني عن هوية الأمة، ترجمه النظام فوراً وبشكل عملي في الميدان السياسي والأمني، وتحديداً في ملف غزة. إن التحليل النصي الدقيق لبيانات وزارة الخارجية السعودية يكشف عن وجه قبيح من التواطؤ؛ حيث أسقطت الدبلوماسية السعودية عمداً مصطلحات “العدوان” أو “جرائم الحرب”، واستعاضت عنها بعبارات مميعة مثل “التصعيد الإقليمي”. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تماهى النظام مع المبادرات الأمريكية التي تربط تمويل إعادة إعمار غزة باشتراطات تجريد القطاع من سلاحه، وإنهاء بنية المقاومة المسلحة، ونقل إدارته لسلطة أمنية بديلة.
هذا التواطؤ الدبلوماسي رافقه انخراط عسكري واستخباري مباشر لحماية الكيان. فقد أثبتت الوقائع انخراط النظام رسمياً في تحالف الدفاع الجوي والصاروخي للشرق الأوسط (MEAD) تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). وتُرجم ذلك ميدانياً عبر التنسيق الاستخباري وتبادل البيانات الرادارية لحظة بلحظة، وتولي الدفاعات الجوية السعودية مهمة الاعتراض الجوي للصواريخ والطائرات المسيرة القادمة من اليمن والبحر الأحمر، لتأمين المسار الجوي الجنوبي لإسرائيل كخدمة مجانية لتل أبيب.
ولتأكيد هذا السقوط الأمني وتتويجه، لا يمكن تجاوز “خيانة نيوم” الموثقة، حين فتح النظام أبواب المدينة لتعقد فيها غرف العمليات السرية مع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ومايك بومبيو. هذا اللقاء كان إعلاناً عملياً بأن “نيوم” ما هي إلا قاعدة ارتكاز للاندماج الأمني والاقتصادي مع الكيان الصهيوني.
ولم يكتفِ النظام بتوفير الغطاء السياسي والحماية الجوية، بل انتقل إلى الدعم اللوجستي والاقتصادي الموثق بالأرقام والاتفاقيات. تكشف التقارير الميدانية وبيانات شركات النقل عن تدشين “جسر بري” ينطلق من موانئ دبي والبحرين، ليخترق الأراضي السعودية وصولاً إلى إسرائيل، بهدف كسر الحصار البحري الذي أدى إلى شلل شبه كامل لميناء إيلات وتراجع نشاطه بنسبة كارثية تجاوزت 80% إلى 85%.
هذا المسار التجاري، الذي تديره شركات لوجستية إسرائيلية كشركة “تراك نت” (Trucknet) بالتعاون مع شركات إماراتية وسعودية وأردنية، يختصر مسافة الشحن براً ليضخ مئات الشاحنات يومياً. هذه الشاحنات المحملة بالبضائع والسلع الأساسية والمواد الأولية تعوض النقص اللوجستي للكيان، وتنقذ اقتصاد الاحتلال من الانهيار. إن تسخير البنية التحتية وشبكات الطرق السعودية—في ذروة حرب الإبادة—يمثل انخراطاً عملياتياً مباشراً وخيانة مسعرة بالأرقام، حيث تتحول الجغرافيا السعودية إلى درع يضمن استمرار دوران آلة القتل ضد الشعب الفلسطيني.
إن الربط المباشر بين هذه الشواهد لا يدع مجالاً للشك أو التبرير. فالنظام الذي يستثمر أمواله في شبكات “إبستين” ويقدم له كسوة الكعبة، ويسقط جرائم الاحتلال من قواميسه الدبلوماسية ليقود عمليات اعتراض الصواريخ المتجهة لإسرائيل، ويسخر أراضيه كجسر بري لإنقاذ اقتصادها؛ هو ذاته النظام الذي لن يتردد في التوقيع على إعدام المقاومة الفلسطينية.
السلوك الرمزي المتمثل في تدنيس المقدسات، والسلوك الأمني والاقتصادي المتمثل في حماية إسرائيل جواً وبراً، هما وجهان لعملة واحدة: العمالة الكاملة والمطلقة. لقد صُممت سياسة النظام السعودي الحالية لغرض واحد وحيد؛ وهو الاندماج العضوي في المحور الأمريكي-الإسرائيلي، حتى لو كان الثمن بيع الكعبة، وتصفية غزة، وخيانة الأمة بأكملها.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.