من السبعين إلى البحر الأحمر.. طوفان الشعب يرسم معادلة الردع ويعلن: الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد
صنعاء سيتي | تقرير
في مشهدٍ استثنائي جسّد عمق الحضور الشعبي اليمني وصلابة الموقف الوطني، احتشدت العاصمة صنعاء عصر الجمعة في واحدة من أكبر المسيرات الجماهيرية التي شهدتها خلال المرحلة الراهنة، حيث تدفقت الحشود المليونية إلى ميدان السبعين تحت شعار “الحصار بالحصار.. والتصعيد بالتصعيد”، مؤكدة التفافها حول خيارات القيادة الثورية والسياسية والعسكرية في مواجهة الحصار والعدوان، ومجددة استعدادها لتحمل تبعات معركة انتزاع الحقوق والسيادة مهما بلغت التحديات.
منذ ساعات الظهيرة الأولى، بدأت أفواج الجماهير تتقاطر من مختلف مديريات العاصمة ومحيطها نحو ميدان السبعين، لتتحول الساحات والشوارع المؤدية إليه إلى أنهار بشرية متدفقة رفعت أعلام الجمهورية اليمنية وأعلام فلسطين والعراق ولبنان وإيران، في لوحة جماهيرية عكست حجم التفاعل الشعبي مع التطورات الراهنة ومعادلة الردع الجديدة التي أعلنتها القيادة اليمنية في مواجهة استمرار الحصار.
ولم تمنع الأمطار الغزيرة التي هطلت على العاصمة من استمرار تدفق الجماهير، بل بدا المشهد أكثر رمزية وتأثيراً؛ حيث امتزج غيث السماء بزخم الحشود، في صورةٍ حملها المشاركون باعتبارها تعبيراً عن الثبات والإصرار، ورسالة تؤكد أن اليمنيين ماضون في خياراتهم التحررية مهما كانت الظروف.
وتحت زخات المطر، ارتفعت أصوات الملايين بالتكبير والهتافات والشعارات التي أكدت الجهوزية العالية للنفير والتحرك وإسناد القوات المسلحة في مختلف الخيارات المقبلة، في مشهد وصفه مراقبون بأنه يعكس حجم التعبئة الشعبية غير المسبوقة التي يعيشها اليمن في ظل المرحلة الجديدة من المواجهة.
جاءت المسيرة المليونية في لحظة سياسية وعسكرية فارقة، عقب إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض الحصار البحري على العدو السعودي، في إطار معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، وهي المعادلة التي حظيت بتأييد شعبي واسع تجلى بوضوح في حجم الحشود والرسائل التي حملتها الجماهير.
فعلى مدى سنوات طويلة من العدوان والحصار، تعامل اليمن مع مختلف أشكال الاستهداف بمنطق الصبر الاستراتيجي والثبات، رغم ما خلفته تلك السياسات من آثار إنسانية واقتصادية ومعيشية واسعة. غير أن استمرار الحصار ونهب الثروات الوطنية والتصعيد العسكري دفع باتجاه الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الردع المباشر وفرض معادلات تكفل حماية الحقوق الوطنية وانتزاعها.
وفي هذا السياق، حملت المسيرة رسالة واضحة مفادها أن الشعب اليمني يقف خلف القيادة والقوات المسلحة في كل الخيارات والإجراءات التي من شأنها إنهاء الحصار واستعادة الحقوق والثروات والسيادة الوطنية، وأن أي تصعيد من قبل الأعداء سيقابله تصعيد أشد وأكثر إيلاماً.
لم تكن الهتافات التي صدحت بها الحشود مجرد شعارات عابرة، بل مثلت خطاباً شعبياً متكاملاً حمل رسائل متعددة الاتجاهات.
ففي الجانب الوطني، أكدت الجماهير تمسكها بالحرية والاستقلال ورفضها المطلق للخضوع للحصار والإملاءات الخارجية، مرددة شعارات تؤكد أن شعب الإيمان والحكمة لا يمكن أن يستسلم للطغيان أو يقبل بالعيش تحت وطأة الحصار.
وفي الجانب المتعلق بالمواجهة، شددت الهتافات على ثبات معادلة الردع الجديدة، وأن استمرار العدوان والحصار لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة المواجهة ورفع كلفتها على المعتدين.
أما على مستوى قضايا الأمة، فقد جددت الجماهير التأكيد على الارتباط الوثيق بالقضية الفلسطينية، وعلى التمسك بخيار وحدة الساحات والتضامن مع شعوب وقوى محور المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية، باعتبار أن المعركة واحدة وأن المشروع المعادي يستهدف الأمة بأكملها.
أحد أبرز الرسائل التي حملتها المسيرة تمثل في تجديد التفويض الشعبي الواسع لقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي لاتخاذ ما يراه مناسباً من خيارات وإجراءات لرفع الحصار واستعادة الحقوق الوطنية.
وقد عكست الحشود، من خلال الشعارات واللافتات والهتافات، حالة من الثقة العالية بالقيادة وبالقدرات العسكرية التي راكمتها اليمن خلال سنوات المواجهة، مؤكدة أن الشعب مستعد لتحمل التضحيات اللازمة في سبيل كسر الحصار وانتزاع السيادة الوطنية الكاملة.
كما برزت دعوات واسعة إلى تعزيز التعبئة العامة والتوجه إلى معسكرات التدريب والتأهيل، ورفد القوات المسلحة بمختلف أشكال الدعم والإسناد، بما يعزز الجهوزية الوطنية لمواجهة أي تطورات محتملة.
وجاء البيان الصادر عن المسيرة، الذي ألقاه عضو المكتب السياسي لأنصار الله وعضو اللجنة الوطنية العليا لنصرة الأقصى ضيف الله الشامي، ليعبر عن الموقف الشعبي بصورة واضحة ومباشرة.
وأكد البيان أن الخروج المليوني جاء تجديداً للتفويض المطلق لقائد الثورة في اتخاذ كل الخيارات والقرارات الكفيلة برفع الحصار والظلم عن الشعب اليمني واستعادة ثرواته وسيادته وحريته واستقلاله.
كما أعلن التأييد الكامل لعمليات القوات المسلحة اليمنية ولإجراءات فرض الحصار البحري على العدو السعودي، باعتبارها رداً مشروعاً ومباشراً على الحصار المفروض على اليمن، مؤكداً أن هذه الخطوات تمثل خياراً عادلاً يهدف إلى إجبار العدو على الاستجابة للحقوق المشروعة للشعب اليمني.
وشدد البيان على أن الشعب اليمني يمتلك الاستعداد الكامل لتحمل تبعات هذه المعركة، انطلاقاً من قناعته بعدالة قضيته ورفضه الخضوع لمحاولات التجويع والإخضاع السياسي والاقتصادي.
كما برز في البيان والمواقف الجماهيرية التأكيد المتكرر على معادلة “وحدة الساحات”، باعتبارها خياراً استراتيجياً في مواجهة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وأدانت الجماهير العدوان الأمريكي السعودي على العراق، معبرة عن تضامنها الكامل مع الشعب العراقي ومقاومته، ومؤكدة أن ما تتعرض له شعوب المنطقة من استهداف يندرج ضمن مشروع واحد يستهدف مقدسات الأمة وثرواتها واستقلالها.
وفي السياق ذاته، جددت الحشود موقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدة استمرار الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ومقاومته، وإحياء ذكرى استشهاد القائد الفلسطيني إسماعيل هنية باعتبارها محطة إضافية لتعزيز الالتزام بقضية الأمة المركزية.
ويقرأ كثير من المراقبين هذا المشهد المليوني بوصفه امتداداً للتحولات الكبرى التي أحدثتها ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، والتي أعادت لليمنيين شعورهم بالسيادة والاستقلال، وأخرجت البلاد من دائرة الوصاية الخارجية والتبعية السياسية.
فمنذ قيام الثورة، شهد اليمن تحولات عميقة على مستوى الوعي الشعبي والهوية الوطنية، حيث برزت مفاهيم الاعتماد على الذات والتمسك بالقرار المستقل ورفض الهيمنة الأجنبية، إلى جانب استعادة الهوية الإيمانية الأصيلة التي طالما عُرف بها اليمنيون عبر التاريخ.
وقد انعكس ذلك بوضوح في الحضور الجماهيري الواسع الذي بات سمة متكررة للمواقف الوطنية الكبرى، وفي الالتفاف الشعبي حول قضايا السيادة والاستقلال والدفاع عن الحقوق الوطنية، وفي الاستعداد لتحمل التضحيات في سبيل الحفاظ على القرار الوطني الحر.
في المحصلة، لم تكن مسيرة السبعين مجرد فعالية جماهيرية حاشدة، بل مثلت حدثاً سياسياً وشعبياً حمل رسائل واضحة إلى الداخل والخارج معاً.
فإلى الداخل، أكدت أن حالة التعبئة والالتفاف الشعبي حول خيارات المواجهة ما تزال في مستوياتها العليا، وأن محاولات كسر إرادة اليمنيين أو إضعاف جبهتهم الداخلية لم تحقق أهدافها.
وإلى الخارج، بعثت الحشود برسالة مفادها أن شعب الإيمان والحكمة يقف موحداً خلف معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، وأن أي رهان على إنهاكه أو إخضاعه عبر الحصار والضغوط الاقتصادية والسياسية هو رهان خاسر.
وبين أمطار السماء التي غمرت ميدان السبعين، وأمواج الجماهير التي ملأت ساحاته وشوارعه، بدا المشهد اليمني وهو يؤكد مرة أخرى أن إرادة الشعوب الحرة لا تُحاصر، وأن اليمن الذي صمد سنوات طويلة في وجه العدوان والحصار، ماضٍ في تثبيت معادلاته الجديدة حتى انتزاع حقوقه كاملة غير منقوصة.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر





التعليقات مغلقة.