من العولمة الثقافية إلى الغزو الأخلاقي.. استراتيجيات وأشكال الحرب الناعمة لتفكيك المجتمعات

صنعاء سيتي | تقرير | محسن علي

 

تخيلوا ساحة معركة لا دماء فيها ولا أصوات انفجارات، لكنها تشهد سقوط حصون أشد من القلاع، وانهيار قيم أعمق من الجبال، هذه ليست خيالاً علمياً، بل واقع “الحرب الناعمة” التي تشنها قوى الاستكبار العالمي على رأسها أمريكا واللوبي الصهيوني على مجتمعاتنا الإسلامية والعربية ومنها اليمن، مستهدفةً جوهر وجودنا: ثقافتنا، قيمنا، وحتى طريقة تفكيرنا، هذه المعركة الصامتة، تُدار عبر شاشاتنا وهواتفنا، وتُحاك خيوطها في دهاليز الإعلام والفن والتعليم، كما أنها أصحبت تمثل التحدي الأبرز للدول والمجتمعات في سعيها للحفاظ على هويتها واستقلال قرارها.. فيكف تتسلل هذه الحرب إلى نسيجنا الاجتماعي، وما هي خصائصها وأشكالها و أدواتها الخفية التي تعيد رسم خرائط النفوذ دون طلقة رصاص واحدة وتجعلها أشد خطورة من المواجهات العسكرية؟

صراع خفي بأهداف صلبة

تُعرف الحرب الناعمة بأنها صراع غير خشن، يعتمد على أساليب لينة وخفية، لكنه يهدف إلى بسط النفوذ وتحقيق الغلبة والتأثير، هذا التناقض الظاهري بين اللفظين (حرب وناعمة) يبرز جوهرها: حرب في غايتها، وناعمة في وسيلتها، كما أنها القدرة على تشكيل تصورات الآخرين وخياراتهم وجداول أعمالهم، عبر الإيحاء لهم بأن أجنداتهم السياسية بعيدة عن الواقع ، وقد وصفها الإمام الشهيد الخامنئي بأنها غزو ثقافي، بل إغارة وإبادة ثقافية عامة .

من منظور أوسع، يمكن تعريف الحرب الناعمة بأنها استراتيجية صراع غير مباشرة، تستهدف التأثير في الوعي الجمعي والقيم والسلوك، عبر أدوات إعلامية وثقافية ونفسية، بهدف إحداث تحول داخلي في بنية المجتمع يضمن الهيمنة دون اللجوء إلى القوة الصلبة .

يُشار إلى أن مصطلح “الحرب الناعمة” برز كمقابل للمصطلح الغربي “القوة الناعمة” الذي صاغه جوزيف ناي، وعرفها بأنها “القدرة على الحصول على ما تريد من خلال الجذب بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال” ، وقد عرفها باحثون آخرون مثل مايكل آيز نشتات بأنها “استخدام الأقوال والأفعال والصور الانفعالية كجزء من حملة تواصل استراتيجي طويل المدى لتشكيل الحالة النفسية لبلدٍ معادٍ” .

وفي المفهوم القرآني، تُعرف الحرب الناعمة بأنها “الحرب الشيطانية التي يشتغل عليها شياطين الإنس وشياطين الجن مع بعض”، وتستهدف الإنسان بكل أشكال الاستهداف داخله، وهي حرب الضلال التي تهدف إلى إبعاد الأمة عن هويتها الدينية والقيمية .

النشأة والجذور.. صراع قديم بأساليب حديثة

على الرغم من حداثة مصطلح “القوة الناعمة” أكاديمياً، إلا أن جذورها التاريخية تعود إلى أسلوب الخداع والتضليل الذي استخدمه إبليس مع آدم عليه السلام ، وفي السياق السياسي المعاصر، تبلورت كـ “جيل رابع” من الحروب (GW4) التي ترتكز على السيطرة على مفاهيم ومشاعر البشر، بعد عجز الحروب التقليدية عن إخضاع الشعوب الحرة .

يستند هذا المفهوم إلى أطروحة جوزيف ناي، الذي وظف ثنائية (الصلب والناعم) لترويج مشروعه الاستراتيجي، بهدف نقل المعركة من الميدان العسكري الصلب إلى الميدان الناعم المعتمد على أدوات التكنولوجيا، والاتصال، والإعلام، حيث التفوق لأمريكا وحلفائها ،وقد أكد خبراء الدراسات الصهيونية هذا التوجه، مشيرين إلى أن التفوق يحتاج إلى معركة صبورة تستنزف لسنوات، لا ترتكز فقط على كسر القوة العسكرية، بل تسعى أيضاً لتقويض المراكز التي تتبلور فيها الأفكار .

تطور هذا الاصطلاح بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، حيث أصدر جوزيف ناي كتابه الأول “مفارقة القوة” عام 1991، ثم “ملزمون بالقيادة” بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وتوج مشروعه بكتابه الشهير “القوة الناعمة” عام 2004، بعد فشل الاندفاعة العسكرية الصلبة في أفغانستان والعراق، وقد أدت هذه التطورات إلى دمج سياسات القوة الصلبة والناعمة في إطار معادلة واحدة أطلق عليها “القوة الذكية”، والتي عرفتها هيلاري كلينتون بأنها “تسخير كل الأدوات المتاحة للولايات المتحدة الأمريكية سواء الاقتصادية والعسكرية والسياسية والقانونية والثقافية والإعلامية، والبحث عن الأداة الملائمة بما يتناسب مع كل وضع دولي” .

خصائص الحرب الناعمة..استهداف العقول والقلوب

تُوصَف الحرب الناعمة بأنها صراع مركب يستهدف العقول والقلوب بدلاً من الأجساد والممتلكات، مما يجعلها أكثر عمقاً وأبعد أثراً من المواجهة التقليدية. يمكن تصنيف خصائصها إلى ثلاثة مستويات:

الخصائص الوظيفية والمنهجية:

الجذب بدل الإرغام: تعتمد على مبدأ الجاذبية والاستمالة الثقافية والقيمية لتحقيق الامتثال الطوعي، بدلاً من الإكراه .

التدرج والهدوء (الاختراق البرمجي للوعي): تمارس بصورة بطيئة وخفية، تشبه الاختراق البرمجي للوعي، لتجنب إثارة الانتباه أو ردود الفعل الدفاعية المباشرة .

انخفاض الكلفة المادية والبشرية: منخفضة التكلفة مقارنة بالحروب العسكرية، ولا تستلزم خسائر بشرية أو دماراً مادياً واسعاً، مما يمنحها قابلية استدامة عالية .

الخفاء والمراوغة والسرية: تعمل بآليات غير مرئية تعتمد على التضليل وإعادة توجيه الإدراك، بحيث يقع الفرد تحت تأثيرها دون وعي مباشر .

الخصائص الاستراتيجية (الأدوات والمجالات):

استبدال الأدوات العسكرية بالمدنية: تُستبدل القوة العسكرية بأدوات مدنية كالإعلام والتعليم والثقافة، لتحويل الصراع إلى هيمنة معرفية ثقافية .

تجاوز الحدود الجغرافية: تعمل في فضاء عابر للحدود مستنداً إلى الثورة المعلوماتية .

التلاعب بالمفاهيم والمشاعر: تعتمد على إعادة صياغة المفاهيم وتوجيه العواطف عبر عمليات معلوماتية دقيقة، مما يؤثر في الإدراك والسلوك .

الهيمنة الثقافية والاستهلاكية: تسعى إلى فرض أنماط ثقافية وسلوكية مرتبطة بثقافة السوق، مما يؤدي إلى تآكل الخصوصيات المحلية وتعزيز التبعية الاستهلاكية .

الخصائص المرتبطة بالأهداف والنتائج:

استهداف جهاز المناعة القيمي: تركز على تفكيك المنظومة القيمية والأخلاقية، لإضعاف الحصانة الذاتية وتمهيد الهيمنة الشاملة .

إضعاف إرادة الصمود: تعمل كأداة حرب نفسية تستهدف المعنويات، لنشر الإحباط وتكريس الشعور بالهزيمة النفسية .

تغيير الهوية ونمط الحياة: تهدف إلى إعادة تشكيل المعتقدات والسلوكيات، وصولاً إلى تبعية ثقافية وفكرية للمنظومة المهيمنة .

إعادة تعريف القيم (تطبيع الانحراف): تسعى إلى إعادة تأطير القيم بما يجعل الممارسات السلبية مقبولة اجتماعياً تحت عناوين جذابة .

أشكال الحرب الناعمة: منظومة متكاملة للتأثير

تتعدد أشكال الحرب الناعمة بتعدد مجالات الاستهداف والأدوات المستخدمة، وتعمل هذه الأشكال في إطار تكاملي لإعادة تشكيل وعي المجتمعات وهويتها نستعرضها على النحو التالي:

العولمة الثقافية: تعد أصل العولمات الأخرى، حيث تهيئ الأذهان والنفوس لقبول الأنظمة والمؤسسات الثقافية الدولية، وتشمل التقاليد والمعتقدات والقيم وأنماط الحياة .

الغزو الفكري والأيديولوجي: يقوم على استبدال الاحتلال المادي بالاختراق الفكري، من خلال التأثير في القناعات والمفاهيم عبر الإعلام والتعليم والنخب الثقافية .

الحرب النفسية والدعائية: تعتمد على هندسة الرأي العام والتأثير في المزاج المجمعي باستخدام تقنيات الإيحاء والتكرار والتضخيم الإعلامي، بهدف كسر الإرادة المعنوية ونشر الإحباط .

الحرب الإعلامية والتقنية: استخدام وسائل الإعلام التقليدية والرقمية لتزييف الوعي ونشر السرديات الموجهة، وتوظيف الإنتاج السينمائي والدرامي للترويج للنموذج الثقافي الغربي .

الغزو باسم الدين: توظيف الدين أو إنتاج تيارات دينية منحرفة وموجهة لخدمة أجندات خارجية، لتشويه المفاهيم الدينية الصحيحة وإرباك الوعي العقائدي .

الغزو الأخلاقي والقيمي (الإفساد المنظم): يركز على تفكيك المنظومة الأخلاقية عبر نشر السلوكيات المنحرفة والترويج للإباحية، مستهدفاً بنية الأسرة .

حرب الديمقراطية والمجتمع المدني: استخدام شعارات مثل حقوق الإنسان والديمقراطية كأطر ظاهرها إنساني، بينما توظف للتدخل في الشؤون الداخلية عبر منظمات المجتمع المدني .

الغزو الاقتصادي وبناء التبعية: ترسيخ ثقافة الاستهلاك وربط الاقتصادات المحلية بالمنظومة العالمية، مما يؤدي إلى فقدان الاستقلال الاقتصادي .

ختاما

تُشكل الحرب الناعمة تحولاً نوعياً في أساليب الصراع المعاصر، حيث انتقلت من المواجهة المادية المباشرة إلى استهداف البنية الإدراكية والقيمية للإنسان، عبر أدوات تبدو غير عنيفة ظاهرياً، كونها تعتمد على الجذب، والتدرج، والاختراق الهادئ، مستفيدة من الطفرة التقنية والإعلامية لتوسيع نطاق تأثيرها وتجاوز الحدود الجغرافية، مما يجعلها أكثر تعقيداً وخطورة من الحروب التقليدية؛ لطول أمد تأثيرها وعمقه، كما إن استيعاب مفهوم الحرب الناعمة وأبعادها يُعد مدخلاً تحليلياً أساسياً لتفسير آليات عملها وتأثيرها في المجتمعات المستهدفة.

 

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.