النصر قادم بقوة الله.. ولا تراجع عن مطالبنا المشروعة والعادلة
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الصراعات، تتغير لغة الخطاب من إدارة الأزمة إلى رسم ملامح ما بعدها، ومن الدفاع عن الموقف إلى تثبيت معادلات جديدة تفرض نفسها على الواقع السياسي والميداني، وفي هذا السياق، يأتي الموقف اليمني الأخير محملاً برسائل تتجاوز حدود الموقف السياسي، ليؤسس لرؤية تعتبر أن ميزان القوة يشهد تحولاً نوعياً، وأن مرحلة استنزاف الإرادة قد انقضت لتحل محلها مرحلة فرض الاستحقاقات الوطنية، فالحديث عن عدم التراجع عن المطالب المشروعة والعادلة” لا يُقرأ بوصفه تعبيراً معنوياً فحسب، بل باعتباره إعلاناً عن موقف سياسي جديد، يقوم على أن أي تسوية قادمة يجب أن تنطلق من الاعتراف بالحقوق اليمنية كاملة، لا من منطق التسويات الجزئية أو الحلول المؤقتة.
معادلة “الحصار بالحصار” لم تعد مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى أداة استراتيجية أعادت صياغة قواعد الاشتباك، ونقلت زمام المبادرة من موقع تلقي الضغوط إلى موقع صناعة الضغط المقابل، فبعد سنوات كان الحصار فيها وسيلة لإخضاع اليمن واستنزاف قدراته الاقتصادية والإنسانية، فإن هذه المعادلة تعتبر نقطة التحول التي جعلت العدو السعودي يواجه كلفة مباشرة لاستمرار سياساته، الأمر الذي دفعه إلى حالة من الارتباك السياسي والإعلامي، انعكست في محاولات التنصل من مسؤولية الحصار ذاته.
من أكثر الرسائل حضوراً اعتبار إنكار وجود الحصار مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة، فتحول العدو السعودي من تبرير الحصار إلى إنكاره يكشف حجم المأزق الذي وصل إليه، فالوقائع التي عاشها اليمنيون طوال سنوات العدوان والحصار، وما رافقها من إغلاق للمطارات والموانئ وتعطيل لحركة التجارة والسفر، أصبحت حقائق يصعب محوها أو إعادة صياغتها، وهو ما يجعل محاولة إنكارها أقرب إلى الاعتراف الضمني بثقل آثارها السياسية والإنسانية، وبأن هذا الملف بات عبئاً يصعب الدفاع عنه أمام المجتمع الدولي.
الرسالة الأكثر وضوحاً في الخطاب تتمثل في أن المطالب اليمنية لم تعد تُطرح باعتبارها بنوداً قابلة للمساومة، وإنما باعتبارها حقوقاً سيادية وإنسانية لا يكتمل السلام إلا بتحقيقها، ويضع الخطاب هذه المطالب ضمن إطار متكامل يشمل رفع الحصار براً وبحراً وجواً، وصرف المرتبات، وجبر الأضرار وإعادة الإعمار، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، باعتبارها عناوين لمرحلة ما بعد الحرب، وليست ملفات قابلة للتجزئة أو التأجيل.
ويبرز أيضا الارتباط الوثيق بين الإنجاز العسكري والمسار السياسي، إذ تُقدَّم سنوات المواجهة بوصفها الأساس الذي أعاد تشكيل ميزان القوى، وجعل العدو أكثر اقتراباً من القبول بشروط لم يكن مستعداً لمناقشتها في بدايات العدوان، ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية تتمثل في أن ما تحقق في الميدان يجب أن يُترجم إلى مكاسب سياسية واضحة، وأن أي تسوية لا تعكس هذا التحول ستكون، تفريطاً بتضحيات سنوات طويلة من الصمود.
إن عدم تثبيت الإنجازات السياسية بعد خفض التصعيد أتاح للعدو السعودي إعادة تموضعه، وتقديم نفسه وسيطاً بدلاً من كونه طرفاً في الصراع، وبالتالي يجب أن يعي العالم أن أي تسوية سابقة أو مستقبلية مع العدو السعودي هي ثمرة مباشرة للصمود وتغير موازين القوة، بما يمنع إعادة إنتاج المشهد السياسي السابق أو الالتفاف على نتائجه من جديد وهو الذي لن يكون بأذن الله تعالى.
تبقى وحدة الصف الوطني الركيزة الأساسية لحماية أي منجز سياسي أو ميداني، ويجب الحذر من الانقسامات أو المبادرات التي قد تؤدي إلى إضعاف الموقف التفاوضي في لحظة مفصلية، وفي هذا السياق، تُطرح الوحدة الوطنية باعتبارها امتداداً لمعركة الصمود، وضمانة لتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.
تعكس هذه المضامين إعلان الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة تثبيت النتائج، ومن الدفاع عن الحقوق إلى السعي لانتزاعها بصورة كاملة، ويقوم جوهر هذا الإعلان على أن معادلات القوة لم تعد كما كانت، وأن أي سلام قابل للاستمرار لا يمكن أن يقوم إلا على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها رفع الحصار، ومعالجة آثاره الإنسانية والاقتصادية، واحترام السيادة اليمنية، ومن ثم، فإن الرسالة النهائية التي يسعى هذا الموقف التاريخي إلى ترسيخها هي أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة البحث عن تنازلات متبادلة، وإنما مرحلة تثبيت الحقوق وإغلاق ملف العدوان والحصار على أساس معادلة جديدة فرضتها سنوات الصمود، وأن النصر لم يعد أمنية مؤجلة، بل استحقاقاً يقترب مع كل تحول في موازين القوة.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.