الإمام زيد بن علي(ع).. المشروع الذي واجه الطغيان وأحيا وعي الأمة

صنعاء سيتي | تقرير 

 

لم تكن ثورة الإمام زيد بن علي عليهما السلام مجرد انتفاضة سياسية ضد الحكم الأموي، ولا حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ الإسلامي، بل مثلت مشروعًا قرآنيًا متكاملًا لإحياء الأمة، واستعادة مسؤوليتها في مواجهة الظلم والانحراف، وتجسيدًا عمليًا لقيم الإسلام التي جاء بها الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسار عليها أهل بيته الأطهار.

وجاءت ثورة الإمام زيد في مرحلة بلغت فيها الأمة حالةً من الانحدار السياسي والأخلاقي، بعد أن تمكن الحكم الأموي من ترسيخ الاستبداد، وتعطيل قيم العدل، وتحويل الخلافة إلى سلطة قائمة على القهر والتضليل، في ظل انتشار الفساد، واتساع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وصمت كثير من الناس أمام هذا الواقع.

امتداد لثورة الحسين ومنهج النبوة

لم ينطلق الإمام زيد عليه السلام من مشروع جديد أو منفصل عن نهج أهل البيت عليهم السلام، بل كانت ثورته امتدادًا لثورة جده الإمام الحسين عليه السلام، التي أرست مبدأ رفض الظلم، وعدم القبول بالانحراف مهما بلغت التضحيات.

كما كانت امتدادًا للمنهج الذي أرساه الرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، القائم على إقامة العدل، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصيانة كرامة الإنسان، ولذلك لم ير الإمام زيد الإسلام مجرد عبادات وشعائر تؤدى، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا لإقامة الحق وإصلاح واقع الأمة.

ومن هذا المنطلق، حمل الإمام زيد مسؤوليته في مواجهة الطغيان، إدراكًا منه أن السكوت على الظلم يمثل انحرافًا عن رسالة الإسلام، وأن الأمة التي تتخلى عن مسؤوليتها في مقاومة الفساد تفقد دورها وشهادتها على الناس.

مشروع إصلاح قبل أن يكون ثورة

نشأ الإمام زيد بن علي عليهما السلام في مدرسة القرآن وأهل البيت، ونهل من علومهم حتى لُقِّب بـ”حليف القرآن”.. وكان يرى أن كتاب الله ليس نصًا يُتلى فحسب، بل منهج حياة يقيم العدل، ويواجه الباطل، ويصنع أمةً تتحمل مسؤوليتها، لذلك لم يكن هدفه الوصول إلى الحكم، وإنما إعادة الأمة إلى قيم الإسلام الأصيلة، وإحياء روح المسؤولية فيها، وهو ما عبّر عنه بقوله الخالد: “والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت.”
وكانت هذه الكلمة إعلانًا واضحًا بأن مواجهة الظلم ليست خيارًا سياسيًا، بل واجبًا دينيًا وأخلاقيًا تفرضه تعاليم القرآن.

مواجهة الطغيان مسؤولية الأمة

تحرك الإمام زيد في وقت بلغ فيه الاستبداد ذروته، حيث استُبيحت الحقوق، وعُطلت العدالة، وأصبح الحاكم فوق المساءلة، في ظل محاولات لإفراغ الإسلام من مضمونه الإصلاحي، وتحويله إلى طقوس لا أثر لها في واقع الناس.

ورأى الإمام أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ظلم الحاكم وحده، بل في استسلام الأمة لهذا الظلم، ولذلك دعا إلى استنهاض وعيها، وربط الإصلاح بمسؤولية الجميع، مؤكدًا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما الضمانة الحقيقية لبقاء الأمة وحماية رسالتها.

البصيرة أساس الطريق 

من أبرز ما ميز مشروع الإمام زيد أنه لم يجعل المواجهة اندفاعًا عاطفيًا، بل ربطها بالوعي والبصيرة، لأن الأمة الواعية وحدها القادرة على مواجهة مشاريع التضليل والانحراف.

ولهذا كان يؤكد أن البصيرة تسبق الحركة، وأن الإصلاح يبدأ من بناء الوعي، لأن الطغاة يعتمدون قبل كل شيء على تغييب الحقائق، وإشغال الناس عن مسؤولياتهم، وإضعاف قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل.

مدرسة خالدة في المواجهة 

رغم استشهاد الإمام زيد عليه السلام، فإن مشروعه لم يتوقف عند حدود زمانه، بل تحول إلى مدرسة إصلاحية متجددة استلهمت مبادئ ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وحملت قيم الحرية والعدل والكرامة، لتبقي صوت الحق حاضرًا في مواجهة كل أشكال الاستبداد والانحراف.

فالثورات التي تنطلق من المبادئ لا تُقاس بنتائجها العسكرية الآنية، وإنما بما تتركه من أثر في وعي الشعوب، وهو ما تحقق في ثورة الإمام زيد، التي بقيت رمزًا للموقف المسؤول، ورفض الخضوع للطغيان، وإحياء روح المقاومة في وجه الظالمين.

ثورة تصنع الوعي

لقد أثبت الإمام زيد عليه السلام أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإحياء الوعي قبل تغيير الواقع، وأن مواجهة الظلم ليست مسؤولية فرد أو نخبة، بل مسؤولية أمة بأكملها، تستند إلى الإيمان، والبصيرة، والالتزام العملي بتعاليم القرآن.

ولهذا بقي مشروع الإمام زيد حاضرًا في وجدان الأمة، باعتباره مشروعًا قرآنيًا متكاملًا واجه الطغيان، وأعاد الاعتبار لقيم العدل والحرية والكرامة، ورسخ أن الإسلام دين إصلاح وتغيير، لا دين خضوع واستسلام، وأن الأمة التي تمتلك الوعي لا يمكن أن تقبل بالانحراف أو ترضخ للاستبداد، بل تظل قادرة على النهوض وصناعة مستقبلها مهما تعاظمت التحديات.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.