عندما انطلق المؤمنون في أول يوم من مسيرة السبعين، كانوا يخطون أولى خطوات مشروع الجهاد الإلهي، تدشين العام الجديد ليرفعوا راية الحق ويواجهون طغيان العصر بكل ما أوتوا من قوة وإيمان.

كانت المسيرة إعلان ولاءٍ لله، واستجابة لدعوة القرآن، واحتضانًا لمنهج الجهاد الذي رسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار.

واليوم، وبعد مسيرة من التضحية والصبر، نقف على أعتاب مرحلة جديدة وأكثر حسمًا: الخروج القبلي المسلح، الذي يمثل تتويجًا طبيعيًّا لذلك المشروع الإيماني، واستحقاقا عمليًّا لسنن الله في تمكين عباده الموحدين.

كانت مسيرة السبعين بمثابة الانطلاقة الأولى، التي حملت في جوهرها رسالة الأُمَّــة المسلمة: في بداية عام جهادي جديد أن لا خضوع ولا استسلام لطغاة العصر، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

لقد كانت تلك المسيرة، وما تلاها من وقفات وصمود، مدرسة إيمانية ربّت الأجيال على معاني التضحية، وأعدّتهم للمراحل القادمة.

وفي هذه الوقفات، تأكّـدت حكمة الله في أن النصر يأتي عبر تراكم من المواقف الثابتة، والخطوات المباركة، التي تضع اللبنة تلو الأُخرى لبناء صرح العزة والتمكين.

 

الخروج القبلي المسلح.. استحقاق المرحلة وتتويج المشروع

اليوم، ومع استمرار المعركة، وتكشّف وجه الطغيان، وتمادي قوى الاستكبار في عدوانها، أصبح الخروج القبلي المسلح هو الترجمة العملية لمنهج الجهاد الذي بدأناه.

فالجهاد في سبيل الله هو فعلٌ عملي، يستلزم حمل السلاح، والتدريب، والمرابطة، والاستعداد الدائم لمواجهة العدوّ.

وهذا الخروج ليس بدعةً في الإسلام، بل هو سنة مُستمرّة، سار عليها الأنصار حين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسار عليها الإمام الحسين عليه السلام حين خرج بأهل بيته وأنصاره ليواجه طغيان بني أمية، قائلًا: “هيهات منا الذلة”.

وهذا الخروج القبلي المسلح، الذي نراه اليوم في جبهات اليمن وفي محور المقاومة، هو امتداد طبيعي لمسيرة السبعين؛ فهو يُثبت أن الأُمَّــة لم تقف عند حَــدّ الكلام، بل تجاوزته إلى الفعل، وأنها قادرة على تحويل وعيها إلى قوة ملموسة تُرهب العدوّ وتُعلي كلمة الحق.

 

عظمة هذه الوقفات عند الله تعالى

إن هذه الوقفات – من المسيرة الأولى إلى الخروج القبلي المسلح – هي طاعات عظيمة، يثيب الله عليها أضعافًا مضاعفة.

يقول الله تعالى في محكم كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}.

وهذا الحب الإلهي هو أعظم جزاء، فهو يمنح المؤمنين القوة والنصر والتأييد.

كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}.

فالجهاد في سبيل الله هو إثبات أن حياتنا مسؤولية عظيمة، ووقفاتنا في ميادين العزة هي أسمى ما نقدّمه لأنفسنا وأمتنا وأجيالنا القادمة

 

“ولا يطؤون موطئًا يغيظ الكفار”.. أجر الخطوة والنفقة

وهنا نستحضر وعد الله العظيم في قوله: {وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}،.

فكل خطوة يخطوها المجاهد في سبيل الله، وكل موطئ يطؤه في أرض المعركة، وكل طلقة يطلقها في وجه الطغاة، هي عبادةٌ يُكتب بها الأجر، وتُرفع بها الدرجات.

إن إيغار صدر العدوّ، وإيقاع الرعب في قلبه، وجعله يشعر بأن الأُمَّــة ليست هينةً ولا ضعيفة، هو من أعظم الجهاد، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): “لا تمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف”.

والموطئ الذي يغيظ الكفار هو موقفٌ إيماني يكسر هيبة الباطل، ويُثبت عزة المؤمنين، ويُظهر أن هذه الأُمَّــة لم ولن ترضخ للذل أَو الاستسلام، مهما بلغت قوة الطغاة.

 

الخروج القبلي المسلح.. واجب العصر ومطلب السماء

في زمن تتشابه فيه المواقف وتتكشف فيه وجوه الطغيان، وتحتدم فيه المعركة بين الحق والباطل، يصبح الخروج القبلي المسلح ضرورة شرعية وتاريخية.

إنه الواجب الذي يفرضه علينا ديننا، ويؤكّـده واقعنا، وتستحثنا عليه تضحيات شهدائنا، ودماء أطفالنا، وصبر نسائنا.

الخروج القبلي المسلح يعني أن نكون على أهبة الاستعداد، وأن نرتقي بوعينا وإيماننا، وأن نحول أقوالنا إلى أفعال، وأن نكون يدًا واحدة في مواجهة عدو واحد.

إنه يعني أن نُدرك أن المرحلة التي نعيشها هي مرحلة حسينية بامتيَاز، تتطلب منا أن نكون عند حسن ظن الله بنا، وأن نثبت أننا أبناء مدرسة الحسين (عليه السلام)، الذين لا يقبلون الذل، ولا يرضخون للطغيان.

 

الوقفة التي تغير التاريخ

إن ما بدأناه في العام الجديد في أول يوم من مسيرة السبعين كان بذرة النهضة، ومفتاح التمكين، وبداية الطريق.

واليوم، ومع الخروج القبلي المسلح، نثبت أننا أوفياء لتلك البذرة، وأننا مُستمرّون في مسيرة الجهاد حتى تحرير كُـلّ شبر من أرضنا، وتطهير أمتنا من أدران التبعية، وإسقاط مشاريع الهيمنة إلى غير رجعة.

فلنحتسب خطواتنا عند الله، ولنستشعر عظمة هذه الوقفات التي نخطوها في سبيله، ولنوقن أننا لا نطأ موطئًا إلا وهو مكتوب لنا، وأن كُـلّ خطوة نحو العدوّ هي خطوة نحو النصر والتمكين.

إنها كربلاء اليمن التي ينهض فيها الدم المظلوم ليكتب نهاية الطغاة، وتحقيق وعد الله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض}.