غزة في حصار الظمأ: كيف تحوّل العطش إلى “سلاح إبادة” في أيدي الاحتلال؟

صنعاء سيتي | تقرير خاص

بينما تلهب شمس الصيف الحارقة خيام النازحين في قطاع غزة، متجاوزةً درجات حرارة الأربعين مئوية، لا يبحث الغزيون عن ملاذٍ من الحر فحسب، بل يطاردون قطرة ماءٍ قد تكون شريان الحياة الوحيد لأطفالهم. إنها ليست مجرد أزمة مياه، بل هي جريمة “تعطيش ممنهج” يمارسها الاحتلال الصهيوني، محولاً شريان الحياة الأساسي إلى أداةٍ للقتل البطيء تحت مرأى ومسمع العالم.

أرقامٌ تروي قصة الموت البطيء

لا تعكس الأرقام مجرد إحصائيات تقنية، بل تترجم حجم المأساة التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان. وبحسب “مركز غزة لحقوق الإنسان”، انهار متوسط نصيب الفرد اليومي من المياه من 80 لتراً قبل أكتوبر 2023، ليصبح اليوم يتراوح بين 2 إلى 6 لترات فقط في معظم المناطق، وهو ما يقل بنسبة كارثية عن المعيار الدولي للطوارئ الذي حددته منظمة الصحة العالمية بـ 15 لتراً للفرد.

بنية تحتية مستباحة.. سياسة “الأرض المحروقة”

لم يكن تدمير شبكات المياه وليد الصدفة، بل كان استهدافاً مدروساً. تشير البيانات الصادمة إلى أن:

  • 80% من شبكات المياه والصرف الصحي قد دُمّرت أو طالها خراب جسيم.

  • أكثر من 1,675 كيلومتراً من الخطوط الناقلة تحولت إلى ركام.

  • محطات التحلية والضخ توقفت عن العمل نتيجة الحصار المطبق ومنع دخول الوقود وقطع الكهرباء.

هذا التدمير الممنهج لم يقطع المياه عن المنازل فحسب، بل دفع السكان إلى شرب مياه ملوثة أو شديدة الملوحة، مما جعل القطاع بيئة خصبة للأوبئة والأمراض التي تفتك بالأطفال وكبار السن والمرضى في مراكز الإيواء المكتظة.

العطش.. “ركن” في جريمة الإبادة الجماعية

يوضح المركز الحقوقي أن ما يقوم به الاحتلال يتجاوز الانتهاكات العادية، ليصنف كأحد أفعال “الإبادة الجماعية”. إن إجبار السكان على الاختيار بين الحصول على مياه للشرب، أو لغسل الطعام، أو للنظافة الشخصية، هو جزء من استراتيجية “إخضاع المدنيين لظروف معيشية تهدف لتدميرهم”.

وفي هذا السياق، يبرز القانون الدولي الإنساني كحائط صدٍ مهمل؛ إذ يحظر القطع الجائر للمواد الأساسية للبقاء، ويُلزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان تزويد السكان باحتياجاتهم. لكن، في غزة، يبدو أن القوانين الدولية قد توقفت عن العمل تماماً كما توقفت مضخات المياه.

صرخة في وجه الضمير العالمي

أمام هذا الواقع المأساوي، تبرز مطالب “مركز غزة لحقوق الإنسان” كصرخة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:

  1. تحرك دولي فوري: إلزام الاحتلال بفتح المعابر لإدخال الوقود وقطع الغيار الضرورية لإصلاح ما يمكن إصلاحه.

  2. تحقيقات مستقلة: فتح ملف الاستهداف المنهج للمنشآت المدنية ومساءلة المسؤولين الصهاينة عن جريمة “العطش”.

  3. تأمين تدفق مستدام: ضمان وصول فرق الإغاثة إلى كافة مناطق القطاع لتجنب كارثة إنسانية أوسع.

خاتمة: بين خيمةٍ تفتقر لأدنى مقومات البقاء، وظمأٍ ينهش الأجساد، تظل غزة تدفع ضريبة حصارها من دماء أطفالها وعطش مواطنيها. إن جريمة المياه في غزة ليست مجرد نقصٍ في الموارد، بل هي قرارٌ صهيونيٌ بـ”تجفيف الحياة”، فهل يتحرك العالم قبل أن تفرغ آخر قطرة من خزان الصمود؟

التعليقات مغلقة.