حصار على حافة الهاوية: كيف حوّلت الرياض ثروات اليمن إلى “سلاح تجويع”؟
صنعاء سيتي | تقرير خاص
في الوقت الذي كان فيه الملايين من الموظفين اليمنيين ينتظرون “بصيص أمل” لصرف رواتبهم المقطوعة، كانت ناقلات النفط العملاقة تمخر عباب البحر، محملة بـ “الذهب الأسود” المنهوب من حقول مأرب وشبوة وحضرموت، متجهة نحو خزائن لا تملؤها إلا أطماع الهيمنة. لأكثر من 11 عاماً، لم تكتفِ الرياض بشن غاراتها الجوية فحسب، بل أطبقت قبضتها على شريان الحياة الاقتصادي لليمن، محولةً ثرواته السيادية إلى ورقة ضغط سياسي لا ترحم.
تشير التقارير الصادرة عن وزارة النفط والمعادن بصنعاء إلى فجوة مرعبة بين ما يملكه اليمن وما يحصل عليه مواطنوه. خلال فترة الهدنة فقط (2022)، كشفت البيانات أن السعودية ومرتزقتها نهبوا ما قيمته 1.1 مليار دولار من النفط الخام، وما يزيد عن 114 مليار ريال يمني من عائدات الغاز المنزلي.
إن هذه الأرقام ليست مجرد حبر على ورق، بل هي “رواتب” كانت كفيلة بإنقاذ آلاف الأسر من براثن الفقر المدقع، حيث تؤكد الأرقام أن ما تم نهبه خلال 6 أشهر فقط كان كافياً لتغطية رواتب موظفي الدولة لـ 11 شهراً كاملة.
لم يكن استنزاف الثروة صدفة، بل كان جزءاً من استراتيجية “تدمير ممنهج” طالت كل ركائز الدولة اليمنية. لقد بلغت خسائر قطاع النفط والمعادن وحدها قرابة 57 مليار دولار، في مشهد يعكس إرادة صريحة لإبقاء اليمن في حالة “عجز دائم”.
-
930 محطة وقود سويت بالأرض.
-
90 مليون برميل نفط فُقدت عائداتها سنوياً.
-
795 منشأة اتصالات معطلة، لتقطع بذلك أوصال التواصل في البلاد.
-
شلل الملاحة الجوية: 15 مطاراً معطلاً، مما أدى لتسريح 5 آلاف عامل وتكبيد الاقتصاد خسائر فادحة في الحركة التجارية التي تراجعت بنسبة 70%.
لطالما نُظر إلى اليمن كدولة غنية بمواردها البكر، وهو ما أكدته شهادات دولية وحتى تصريحات السفير الأمريكي السابق. وفي محاضراته الأخيرة، وضع السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي النقاط على الحروف، كاشفاً أن المنع السعودي لاستخراج النفط في الجوف ومأرب والمهرة لم يكن إلا “فيتو” استراتيجياً.
الهدف واضح: منع اليمن من امتلاك قراره السيادي. فالسعودية، كما يرى المحللون، لا تخشى فقط منافسة اليمن النفطية، بل تخشى أن يتحول الشعب اليمني إلى “شعب كريم” يرفض الاملاءات ويعيش بكرامة على أرضه الغنية.
اليوم، ومع انتقال المواجهة إلى فصول جديدة، يرتفع السقف اليمني: لم يعد الأمر يتعلق فقط برواتب موظفين، بل باستعادة سيادة وطنية كاملة. إن العبث السعودي الذي استمر لأكثر من عقد لم يعد مقبولاً، وتتعالى الأصوات اليمنية المطالبة ليس فقط بوقف النهب، بل بـ “التعويض الكامل” عن سنوات الحرمان والتدمير.
لقد تحول النفط والغاز في الوجدان اليمني من “ثروة وطنية” إلى “عنوان للمقاومة”. وبينما يقف المواطن اليمني منتظراً، تظل الحقيقة ثابتة: لا استقرار ولا أمن في المنطقة ما لم تعُد لليمن حقوقه المشروعة، وما لم يرفع “سيف الحصار” عن قوت الشعب الذي أثبت، رغم كل شيء، أنه عصيٌ على الانكسار.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يدرك العالم أن استقرار المنطقة يبدأ بوقف نهب ثروات اليمن، أم أن “لعبة المصالح” ستظل تغض الطرف عن أوجاع أمةٍ تنهب خيراتها تحت سمع وبصر المجتمع الدولي؟
التعليقات مغلقة.