من “قصر فرساي” إلى “طاولة جنيف”.. طهران تفرض معادلة “المسؤولية الأميركية” لإنهاء صراعات الإقليم
صنعاء سيتي | تقرير خاص
في مشهدٍ ديبلوماسي متسارع، لم تعد طهران تكتفي بموقع المدافع، بل انتقلت إلى مربع “صانع المعادلات” في الترتيبات الإقليمية الجديدة. ومع توقيع مذكرة التفاهم التي أنهت سنوات من المواجهة المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة، يبرز وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقتشي، كمهندسٍ للديبلوماسية الهجومية، حاملاً رسالة واضحة إلى العواصم الكبرى: “لقد حان وقت إنهاء الحرب، والكرة الآن في الملعب الأميركي”.
في اتصال هاتفي وصفته الأوساط السياسية بأنه “تنسيق عالي المستوى”، وضع عراقتشي نظيره الفرنسي، جان نويل بارو، أمام مسؤوليات المجتمع الدولي في مرحلة ما بعد “اتفاق فرساي”.
لم يكن الاتصال مجرد بروتوكول، بل كان إعلاناً صريحاً بأن طهران تضع واشنطن أمام استحقاقٍ كاملٍ لا يتجزأ: وقف الحرب في جميع الجبهات، وفي مقدمتها لبنان.
الموقف الإيراني الذي عبر عنه عراقتشي يتجاوز “الرغبة في التهدئة” إلى “فرض الالتزام”. إذ اعتبر وزير الخارجية الإيراني أن واشنطن هي المسؤول الأول عن وقف الأعمال القتالية، مشدداً على أن “المرحلة الراهنة تتطلب جهوداً دولية جادة” لحماية المسار الدبلوماسي الناشئ ومنع أي ارتدادات قد تُفشل المذكرة الموقعة.
تكتسب رمزية المكان أهمية قصوى؛ فالتوقيع الذي وضعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة إنهاء الحرب داخل قصر فرساي في فرنسا، بوجود مضيفه الرئيس إيمانويل ماكرون، أعطى للاتفاق بعداً دولياً أوروبياً.
هذا المشهد لم يكن مجرد توقيع إجرائي، بل كان إيذاناً بانتهاء حقبة “الضغط الأقصى” وبدء حقبة “الدبلوماسية القسرية” التي نجحت فيها طهران في فرض شروطها بعد جولات طويلة من الصمود الميداني.
تتجه الأنظار الآن إلى مدينة جنيف السويسرية، حيث يُرتقب وصول الوفدين الأميركي والإيراني، بحضور الوسيط الباكستاني، لبدء جولة مفاوضات هي الأولى من نوعها في ظل الاتفاق الجديد.
الهدف ليس مجرد “تثبيت وقف النار”، بل وضع آليات تنفيذية لـ 14 بنداً تشكل عماد المذكرة، مع تركيزٍ إيراني صارم على حصر المفاوضات في الملف النووي ورفع العقوبات، كمدخلٍ أساسي لفتح آفاق التعاون التجاري والاقتصادي، خاصة مع الجانب الفرنسي الذي أبدى عراقتشي تفاؤلاً كبيراً تجاه تطوير العلاقات معه.
يقرأ مراقبون استراتيجية عراقتشي في هذا الملف من خلال ثلاث نقاط جوهرية:
-
الربط الاستراتيجي: ربط وقف الحرب في لبنان بالاتفاق الشامل مع واشنطن، مما يجعل أمن الإقليم مرتبطاً مباشرة بالنجاح في جنيف.
-
المطالبة بالغطاء الأممي: حرص طهران على أن يحظى الاتفاق بدعم قوي وشامل من مجلس الأمن الدولي، لضمان عدم تنصل واشنطن منه لاحقاً، تماماً كما حدث في الملف النووي سابقاً.
-
العقلانية التجارية: توظيف الانفراجة السياسية لفتح أبواب السوق الإيرانية أمام الاستثمارات الأوروبية، مما يمنح الاتفاق حصانة اقتصادية أمام أي محاولات تخريب سياسي.
على الرغم من الأجواء الإيجابية، يبقى الملف أمام اختبارات صعبة. فالاتفاق المبرم في لحظة توتر عالمي يحتاج إلى “إرادة تنفيذ” تتجاوز توقيع الرؤساء.
ويؤكد عراقتشي في كل محادثاته أن المرحلة “تتطلب تهيئة الظروف السياسية”، وهو ما يعني أن طهران لن تقبل بسلامٍ هش، بل تسعى لانتزاع اعترافٍ دولي بدورها الإقليمي وبحقها في رفع العقوبات.
ومع اقتراب موعد اللقاء في جنيف، يدرك الجميع أن ما تحقق في فرساي هو مجرد “السطر الأول” في كتاب جديد للعلاقات الدولية.
وسيكون على واشنطن إثبات قدرتها على ضبط الجبهات، بينما سيكون على طهران إثبات قدرتها على التحول من “دولة مواجهة” إلى “شريك في النظام الإقليمي الجديد”.
التعليقات مغلقة.