الهجرة النبوية: “إستراتيجية النصر” ومنهج التحرر في مواجهة هيمنة الاستكبار

صنعاء سيتي | متابعات

تتجاوز ذكرى الهجرة النبوية الشريفة كونها حدثاً تاريخياً أو مجرد انتقالٍ جغرافي؛ فهي تمثل “اللبنة الاستراتيجية الأولى” لتأسيس الدولة الإسلامية، ومنهجاً متكاملاً لإدارة الصراع وتحقيق التغيير.

وفي ظل واقع الأمة الراهن، وما تواجهه من عدوانٍ غاشم ومحاولات استئصالٍ ممنهجة تقودها قوى الاستكبار العالمي، يبرز استحضار دروس الهجرة كضرورةٍ ملحةٍ لا غنى عنها.

ولقد كشفت تفاصيل المسار النبوي عن منهجية إسلامية فريدة في مواجهة التحديات، تميزت بالتخطيط الدقيق والأخذ بالأسباب.

فلم تكن حركة الرسول -صلوات الله عليه وآله- ارتجالية، بل كانت وفق خطة أمنية واستراتيجية متكاملة، تضمنت التمويه، وتوزيع الأدوار، واختيار الرفيق الأمين، وسلك الطرق البديلة، مما أثبت أن الإيمان لا ينفصل عن التخطيط والعمل المحكم.

وسطرت الهجرة أروع صور التضحية في مبيت الإمام علي -عليه السلام- في فراش النبي، لتضع أول دروس “الفداء” في مواجهة مؤامرات الطغاة.

كما أحدثت الهجرة نقلةً حضاريةً من خلال “المؤاخاة” بين المهاجرين والأنصار، التي محت العصبيات الجاهلية وأرست دعائم مجتمعٍ متماسك، بات قادراً على مواجهة أقوى إمبراطوريات ذلك العصر.

وثمة تشابهٌ دقيق بين المشهد التاريخي الذي سبق الهجرة، وبين واقع شعوب محور المقاومة اليوم في (اليمن، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران).

فكما تحالفت قوى الشرك قديماً لإنهاء الرسالة المحمدية، تسعى قوى الاستكبار اليوم -بأدوات الحصار والعدوان والمجازر- لتصفية القضية الفلسطينية وتركيع الشعوب الحرة.

وإن الدروس المستفادة من الهجرة تضعنا أمام مسؤوليات حتمية:

  • رفض الخنوع: مثلما هجر المسلمون الأوائل ديارهم لبناء قوةٍ تسترد الحق، يجسد محور المقاومة اليوم موقفاً ثابتاً برفض الهيمنة الأمريكية الصهيونية.

  • التكافل وبناء القوة: الحروب الاقتصادية والحصار تتطلب اليوم إحياء قيم الإيثار، والتكافل الاجتماعي، والتركيز على بناء القوة الذاتية والاكتفاء.

  • الثقة بالنصر: إن الأمة التي حوّلت حالة “المطاردة والاستضعاف” إلى دولة هزت عروش كسرى وقيصر، قادرة اليوم على كسر شوكة الاستكبار وتطهير المقدسات.

وستظل ذكرى الهجرة النبوية مدرسةً للجهاد والسياسة والتربية. فهي تذكرنا بأن الباطل مهما امتلك من أدوات الدمار والترهيب، فإنه هشٌّ أمام قوة الإيمان والتحرك العملي في سبيل الله.

إنها دعوةٌ متجددة لكل الأحرار بأن النصر ليس وليد المصادفة، بل هو ثمرةٌ للصبر، والتخطيط، والتضحية، واليقين بوعد الله.

التعليقات مغلقة.