تطل علينا ذكرى النكسة في عامها التاسع والخمسين، لتضعَ الأُمَّــة الإسلامية أمام استحقاق تاريخي يفرض عليها مراجعة مسارها وتجاوز التفسيرات التقليدية والقشور السطحية التي استهلكت العقود الماضية وحصرت الهزائم دائمًا في نقص السلاح أَو ضعف التدريب العسكري.

إن حقيقة التاريخ والواقع أثبتت عكس ذلك تمامًا؛ إذ لم تكن الأُمَّــة يومها تعاني من ضعف في عتادها، ولا قلة في قوتها البشرية والمادية حتى تُهزم هذا الانكسار المروع، فقد كانت الجيوش مدججة والشعوب مستعدة للتضحية بأرواحها، إلا أن الأزمة الحقيقية كانت أزمة منهج بالدرجة الأولى.

لقد خاضت الأنظمة المعركة تحت رايات وشعارات أيديولوجية غريبة عن هُوية الأُمَّــة، ولم تجاهد على منهج رباني خالص يستوجب النصر والتمكين الإلهي، وعندما يغيب المنهج الذي يربط الأرض بالسماء، وتتحَرّك الجيوش بلا عقيدة إيمانية صلبة، تصبح القوة المادية مُجَـرّد هيكل أجوف ينهار أمام أول صدمة حقيقية في الميدان.

ولم تكن هزيمة النكسة في عمقها سوى انعكاس طبيعي لخلل بنيوي عميق كان ينخر، ولا يزال، في جسد الأنظمة السياسية التي تصدرت قيادة الأُمَّــة، وهو خلل لا يعود تاريخه إلى العقود الأخيرة فحسب، وإنما يمتد بجذوره التاريخية إلى اللحظات الأولى التي شهدت التنكر للوصية النبوية ومخالفة التوجّـهات الإلهية السديدة في قيادة الأُمَّــة وحمايتها.

هذا الانحراف المبكر أسس لخلل تراكمي في شرعية القيادة وبنيتها العقائدية، لتصبح الأنظمة المتعاقبة مبنية على الاستبداد، وإقصاء الأُمَّــة، وتغييب وعيها الحقيقي، مما جعلها غير مؤهلة بنيويًّا لحمل مشروع تحرّر حقيقي أَو الصمود في وجه التحديات الوجودية.

ومع مرور العقود، لم تعمد هذه الأنظمة إلى مراجعة أخطائها التاريخية أَو تصحيح مسارها المنحرف، فقد تطور الخلل البنيوي لديها بشكل دراماتيكي خطير؛ فانتقلت من مربع العجز عن المواجهة العسكرية والدبلوماسية، إلى دائرة أشد مرارة وهي دائرة الاحتراف في التآمر والعمالة، والارتماء العلني في أحضان العدوّ، ليتحول من كان يُفترض به حراسة الثغور وحماية مقدسات الأُمَّــة إلى شريك مباشر للمحتلّ في قمع تطلعاتها وتصفية قضاياها العادلة.

ويقودنا هذا التحول إلى إدراك حقيقة أن الأخطر مما جرى في ميدان المعركة ليس تحطم الآلة العسكرية أَو خسارة المساحات الجغرافية، وإنما هو الهزيمة النفسية والسياسية التي أُصيبت بها النخب الحاكمة وانبطاحها الكامل أمام جلادها.

فالجيوش المهزومة عسكريًّا يمكنها دائمًا أن تعيد بناء صفوفها وتستأنف القتال لتنتصر في جولات لاحقة إذَا توفرت الإرادَة السياسية والإيمانية، أما إذَا هزمت النخبة الحاكمة نفسيًّا، وقبلت بالدونية والاستسلام، فإنها تحول الهزيمة الميدانية المؤقتة إلى حالة استسلام دائم وثقافة عامة تحاول فرضها على وعي الأُمَّــة وجيلها الصاعد لتبرير عجزها وخيانتها.

واليوم، بعد مرور هذه السنوات الطويلة على النكسة، يتضح الدرس الأبرز بوضوح لا لبس فيه، وهو أن الرهان لم يكن يومًا، ولن يكون، على هذه الأنظمة الفاسدة والعميلة والمأزومة، وإنما كان الرهان دائمًا وسيظل على وعي شعوب الأُمَّــة الإسلامية والتفافها حول القيادة الربانية الحكيمة الممثلة بقائد الثورة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله.

هذه الشعوب التي لم تنسَ قضيتها ومقدساتها رغم كُـلّ محاولات الكي والتشويه، ولم تلوث فطرتها بمشاريع الاستسلام، هي المخزون الاستراتيجي الحقيقي لحركة التاريخ.

إن وعي الشعوب بحقيقة الصراع، وعودتها الصادقة والواعية إلى تمسكها بهُويتها ومنهجها الأصيل، هو الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها اليوم كُـلّ مؤامرات التصفية، والضمانة الوحيدة لإنتاج فجر جديد يتجاوز النكسة وآثارها الممتدة منذ قرون.

إن الشعوب الإسلامية لم تكن ضعيفة يومًا، وإنما كانت وما زالت بحاجة ماسة إلى قيادة عظيمة ومخلصة من آل البيت عليهم السلام، تجسد المنهج الرباني وتتحَرّك بروحية القرآن، كما هو اليوم حال الشعب اليمني العزيز وتلاحمه الكبير والتفافه حول قائد الثورة السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي حفظه الله.

فمن خلال هذا الالتفاف الواعي، استطاع الشعب اليمني الصمود والوقوف بقوة وعنفوان في مواجهة كُـلّ أشكال العدوان والتحالفات الأمريكية والإسرائيلية والسعوديّة والإماراتية ومرتزِقتهم، فلم تنكسر إرادته ولم تلن عزيمته سائلين المولى أن يسطر ملاحم متجددة من الصمود والكرامة.

هكذا يجب أن تكون الشعوب الإسلامية اليوم؛ متسلحة بالوعي والبصيرة، متمسكة بهُويتها الإيمانية، وملتفة حول قيادتها الحرة والمستقلة، لتصنع بإرادتها الحرة فجر الحرية والانتصار، وتضع حدًا لزمن الانبطاح والهزائم والتبعية.