الولاية وعلاقتُها بالوظيفة
صنعاء سيتي | مقالات | عبدالملك العتاكي
نشاهد حجم التعثر الإداري، وضياع الحقوق والمقدرات في أغلب البلدان برغم تكدس القوانين واللوائح.
السؤال الجوهري هو: لماذا تعجز الأنظمة الرقابية الحديثة عن ضبط السلوك البشري وحماية مصالح الناس؟
الإجَابَة ببساطة تكمُنُ في غياب الروح الحاكمة والمبدأ الأصيل الذي يربط الإنسان بمسؤوليته الإيمانية.
هذا المبدأ هو ما نعبّر عنه بـالـولاية في مفهومها القرآني الشامل.
إن الحديث عن الولاية حديث عن أصلٍ حاكمٍ يَمُسُّ جوهرَ الحياة اليومية، وبناء الأُمَّــة، وطريقة إدارة شؤونها العامة.
فالولاية هي امتدادٌ لولاية الله سبحانه وتعالى ورسوله وأعلام الهدى، وهي الركيزةُ التي تعيد صياغة نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى موقعه في هذه الحياة، وهي تمثل صمام الأمان الذي يحمي المجتمع من العشوائية والشتات، ويحمي مؤسّسات الدولة من التحلل والفساد والضياع.
من هنا، يتجلى الارتباطُ الوثيقُ بين الولاية كعقيدةٍ وسلوك، وبين الانضباط العملي والنزاهة في الوظيفة العامة.
فالقرآن الكريم يضع لنا قواعدَ صارمةً في التعامل مع الأمانات، ويأمرنا بالتثبت، والتبين، وإقامة القسط والعدل.
كل هذه التوجيهات الربانية هي التي يذكّرنا بها السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله دائمًا في كثير من خطاباته وموجهاته المُستمرّة؛ مؤكّـدًا أن غيابَ الاستشعار الإيماني للولاية والمسؤولية والابتعاد عن هدي الله هو الذي يفتح الباب للعشوائية، والتفريط، والإهمال، واستغلال النفوذ.
إذا غابت روحيةُ التولي عن القائمين على المؤسّسات، تحوَّلت الوظيفةُ العامة إلى ساحةٍ للمطامع، وضاع معها قوامُ العدل والاستقرار وحماية المستضعفين.
ولن يتحقّق إقامة القسط والعدل إلا إذَا تحَرّك الموظف والمسؤول تحت سقف الولاية الحقة والاستشعار الإيماني للمسؤولية.
إن القيمة المضافة التي تقدمها روحيةُ الولاية للعمل الإداري هي تفعيلُ الرقابة الذاتية داخل وجدان الموظف، فالموظف الذي يتحَرّك بروحية الولاية يعلم أن الله رقيب عليه في خلوته واجتماعه، وأن كُـلّ قرش من المال العام مؤتمن عليه، فلا يحتاج إلى رقيب بشري دائم فوق رأسه ليمنعه من الاختلاس أَو المحاباة.
أن نجاح أي نظام إداري، لا ينبع من مُجَـرّد رص القوانين واللوائح الجامدة، وإنما من وجود رجال يحملون ثقافة الولاية والاستشعار الحي للمسؤولية.
والتحَرّك الجاد بروح الفريق الواحد لحل مشكلات الناس.
هذا هو الترجمة العملية الحقيقية للولاية والتولي في واقعنا المعاصر.
حينها فقط، تنهضُ الأُمَّــة إداريًّا، وتتحوّل المؤسّسات إلى حصون منيعة تحمي الوطن والمواطن، وتصنع مستقبلًا مستقلًا وعزيزًا في مواجهة قوى الطغيان والاستكبار.
التعليقات مغلقة.