من غدير خم إلى معركة الاستقلال في مواجهة الهيمنة الصهيوأمريكية
صنعاء سيتي | مقالات | عبدالحكيم عامر
في تاريخ الأمم محطات مفصلية تتحوّلُ إلى مفاهيمَ حية ومشاريعَ مُستمرّة تتجدّد مع كُـلّ مرحلة من مراحل الصراع.
ويأتي يومُ إعلانِ الرسول صلوات الله عليه وآله في السنة العاشرة للهجرة ولايةَ الإمام علي عليه السلام، إحدى تلك المحطات التي تجاوزت حدود الحدث التاريخي لتصبح عنوانًا لرؤية متكاملة في بناء الأُمَّــة وحماية هُويتها وصيانة استقلالها.
فيوم الغدير إعلانٌ لمبدأ يرتبط بمستقبل الأُمَّــة واستمرارية مسيرتها بعد اكتمال الرسالة الإسلامية.
ومن هنا اكتسب هذا الحدث مكانته الاستثنائية في الوعي الإسلامي؛ باعتبَاره محطة تتصل بمفهوم القيادة والهداية والارتباط بمنهج الله في إدارة شؤون الحياة، حَيثُ أكّـد السيد القائد “أن الولايةَ مشروعُ هداية متكامل يمثل الضمانة الحقيقية لاستمرار الأُمَّــة على نهج الإسلام وحمايتها من الانحراف والتبعية”.
إن قراءةَ يوم الولاية بعيدًا عن الجدل التاريخي تفتحُ آفاقًا أوسعَ لفهم دلالاته الحضارية والإنسانية؛ فالولايةُ في جوهرها منظومةٌ قيميةٌ متكاملة تقومُ على الارتباط بالحق والعدل والهداية الإلهية، وتجعل من الإنسان أكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه دينه وأمته ومجتمعه.
وعندما نتأمَّلُ واقعَ الأُمَّــة الإسلامية اليوم، تبدو الحاجةُ إلى استحضار هذه المعاني أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فالتحديات التي تواجهُها الأُمَّــةُ اليومَ أكثرَ من تحَرُّكٍ عسكري ضدها، حَيثُ اتخذت أشكالًا أكثر تعقيدًا تمتد إلى مجالات الثقافة والإعلام والاقتصاد والسياسة.
لقد أدركت الصهيوأمريكية اليوم أن السيطرةَ على الشعوب تتحقّق أكثر فاعلية عبرالتحكم بالعقول، وإعادة تشكيل بالوعي،
وإضعاف الثقةبالهُوية الذاتية، ودفع المجتمعات إلىالارتهان للآخرفي خياراتها ومواقفها ومصالحها.
ومن هنا تتجلى العلاقة العميقة بين مفهوم الولاية والاستقلال، فـ الولاية بمعناها القرآني تمثل تحرّرًا من الخضوع للطغيان، ورفضًا للتبعية، وتمسكًا بمنهج يضمن للأُمَّـة امتلاك قرارها بعيدًا عن الضغوط والإملاءات الخارجية.
وفي عالم اليوم الذي يشهد تصاعد مشاريع الهيمنة والاستباحة الصهيوأمريكية، تتجدد الأسئلة الكبرى حول قدرة الأُمَّــة على حماية سيادتها والدفاع عن مصالحها وصون مقدساتها،
فالأحداث المتلاحقة في المنطقة تؤكّـد أن الضعف لا يجلب الأمن، وأنالتنازل لا يوقف أطماع الأعداء،وأن القوى المعتدية لا تعترف إلا بمن يمتلك عناصر القوة والقدرة على الردع.
لقد أثبتت التجارب المعاصرة أن الشعوب التي تفقد استقلال قرارها السياسي والثقافي تصبح أكثر عرضة للابتزاز والهيمنة، فيما تتمكّن الشعوب المتمسكة بهُويتها وقيمها الإسلامية من الصمود في مواجهة التحديات مهما بلغت التحديات.
ومن هذا المنطلق، فإن إحياء يوم الولاية فرصة مهمة لمراجعة الواقع العملي للأُمَّـة، وتجديد الارتباط بالإمام علي عليه السلام من خلال الاقتدَاء بقيمه ومبادئه ونهجه في الحياة، فالمناسبة تهدفُ إلى تحويل معاني الولاية إلى واقع عملي يعزز من حالة الوعي القرآني والمسؤولية والاستقلال لدى أبناء الأُمَّــة.
إن الأُمَّــة اليوم بحاجة إلى وعي يحصّنها من التضليل، وإلى إرادَة تحرّرها من التبعية، وإلى مشروع نهضوي يعيد إليها ثقتها بنفسها وقدرتها على صناعة مستقبلها وهذه المعاني كلها تلتقي عند جوهر الولاية؛ باعتبَارها ارتباطًا بالحق، والتزامًا بالعدل، وانحيازًا لقضايا الأُمَّــة في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار.
ومن غدير خم إلى معارك التحرّر من الهيمنة الصهيوأمريكية، يبقى الدرس الأهم أن الأمم التي تتمسك بمبادئها وتحافظ على استقلالها وتمتلك أسباب القوة هي وحدها القادرة على مواجهة أعدائها وصناعة مستقبلها، أما الأمم التي تتنازل عن هُويتها وإرادتها فإنها تفتح أبوابها للوصاية والهيمنة مهما امتلكت من إمْكَانات مادية.
ويبرز النموذج اليمني بوصفه أحدَ النماذج التي تؤكّـد أهميّةَ التمسك بمبدأ الولاية في تعزيز الصمود والثبات، حَيثُ يعبر أبناء الشعب اليمني عن ارتباطهم الوثيق بالله ورسوله والإمام علي عليه السلام، ويرون في هذا الارتباط مصدرًا للقوة والعزة والكرامة.
ويؤكّـد هذا النهج أن إصلاحَ واقع الأُمَّــة واستعادة دورها مرهونان بالعودة إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وآله والالتزام بالمسار الذي رسمه لتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة.
لقد أصبحَ يومُ الولاية، في الوعي الإسلامي المعاصر، مناسبةً لتجديدِ العهد مع المشروع الإلهي الذي يهدفُ إلى بناءِ أُمَّـةٍ قوية وواعية ومستقلة، تمتلكُ القدرةَ على مواجهة التحديات والتصدي لمؤامرات أعدائها، وتستمد قوتها من إيمانها وارتباطها بقيم الحق.
ومن هنا فإن إحياء يوم الولاية يمثل تأكيدًا على أن مستقبل الأُمَّــة ونهضتها الحقيقية يبدأن من الارتباط الصادق بمنهج الله، والسير على نهج رسوله وأعلام دينه، بما يحقّق لها العزة والكرامة والتمكين، وحصنًا منيعًا من الوقوع في دائرة التبعية والخضوع لقوى الهيمنة الصهيوأمريكية التي تستهدف الشعوب، وتعمل على تفكيك المجتمعات وإضعاف إرادتها.
التعليقات مغلقة.