​إن الوقت ليس مُجَـرّدَ دقائق وثوانٍ تمر في سجل العمر، إنه وعاء العمل، ومِنّة الله الكبرى على عباده، وميدان الاختبار الذي تتحدّد فيه مصائر الأمم.

فمن رعى الوقت حقَّ رعايته، وعمَّرَه بالطاعات والعدل، نجا؛ ومن أضاع زمانَه في الركون للظلم أَو ممارسته، فقد خسر نفسه وأوبق دنياه وآخرته.

​قدسية الزمان وحُرمة الظلم

​لقد عظّم الله شأنَ الزمان فأقسم بـ “العصر”، وجعل لشهور العام حرمةً تتضاعف فيها الأجور وتغلظ فيها الآثام.

وحينما قال سبحانه: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنفسكُمْ}، كان ذلك نداءً علويًّا للكف عن البغي بجميع أشكاله.

فالظلم في الأشهر الحرم ليس كغيره؛ إذ إن انتهاك حرمة الزمان المقدس هو استخفاف بتقدير العزيز الحكيم.

​والظلم اليوم من قبل الصهيونية وزعيمها ترامب لا يقف عند حدود المعصية الفردية، فهو يتجسد في أبشع صوره فيما يشهده العالم من عربدة قوى الاستكبار العالمي، ومن يقف خلفها تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران وفلسطين ولبنان أمر تقشعر منه الأبدان؛ فإن ما يتعرض له محور المقاومة من فلسطين الجريحة إلى لبنان الصامد، ومن اليمن أصل الإيمان والحكمة إلى العراق والجمهورية الإسلامية في إيران، هو محاولة لكسر إرادَة الشعوب التي أبت إلا أن تعيش بكرامة تحت ظل الحق.

​أيُّـهـا الـنـائمُ فـي أوهـامِـه… كـم تـرى مـن جـسـدٍ ميت هنا؟

إنَّ حُـرًّا يـعـبُـدُ اللهَ عـلى… مـنـهجِ الـحقِّ ويـنـفـي الـحـزنـا

لا يـرى للـظـلمِ ظـِلًّا وارفـًا… أَو يـرى للـبـغـيِ وجـهـًا حـسـنـا

حسـبُـنا مـا نـالـنـا مـن ذِلـةٍ… نـحـنُ صُـغـنـا قـيـدَنـا والمـؤذنا

فـاتـركـوا الأشبـاحَ تـذروها الـذَّرى… وابـعـثـوا مـن عـزمِـكم مـا دُفـنـا

حـسبـنا مـن غـفـلـةٍ ما قـد مضى… آنَ أن نـحيـا ونـبـني الـوطـنا

سنن التاريخ ومصير المستكبرين

​إن التاريخ لا يداهن أحدًا، وسنن الله في خلقه لا تتبدل.

فكما أطاح الترف والفجور بعرش الرومان، وأغرق الكبر والظلم فراعنة الأزمان الغابرة، فإن قوى الاستكبار اليوم تسير نحو المصير ذاته.

إنهم يظلمون، ويقتلون، ويفسِدون في الأرض، ظنًا منهم أن قوتهم المادية ستحميهم من سنّة الاستبدال أَو عاقبة البغي.

ألم يصيخوا أسماعهم إلى قول الله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبراهيم وَأصحاب مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أنفسهُمْ يَظْلِمُونَ}، وهو تساؤل يحمل في طياته وعيدًا لكل من سار على نهج قوم نوح وعاد وثمود.

فالله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس بأنفسهم يظلمون، ولَمِن المؤسف أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تستبدل بخشية الله رهبة قوى الاستكبار؛ فيطأطئون رؤوسهم للصهيونية.

فلا يخرجون حتى للمظاهرات، فالساحات في البلدان العربية من مصر إلى الخليج خالية ممن ينهون عن المنكر، وكذلك الحال في باكستان وماليزيا وإندونيسيا وغيرها من البلدان الإسلامية، وكأنهم لم يصيخوا أسماعهم إلى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أَو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم”.

يـا شـبـابَ الضـادِ والـمجـدِ الـذي… كـان بـالأمسِ قـويًّا مـكـنا

لا يـروعـنَّـكمُ لـيـلُ الأسـى… إنَّ بـعدَ اللـيـلِ فـجـرًا مُـؤذنا

أنتمُ الآمـالُ فـي جـدبِ الـمـدى… أنتمُ الغـيـثُ إذَا الـعـزمُ انـثنى

أنتمُ الـطـوفـانُ يـجـتـثُّ الخَـنـا… ويـبـيـدُ الـظُّـلـمَ مـهـمـا أمـكـنا

​بين خشية الله ورهبة الطواغيت

​إنه لَمِن العجب العجاب في واقعنا المعاصر، أن نرى من يرهب “قوى الاستكبار” ويخشى بأسها، وينسى بأس الله الذي هو أشد تنكيلًا.

إن “الخشية” هي عماد الإيمان وذروة سنامه، وحين تغيب هذه الخشية من قلوب المسلمين تجاه خالقهم، تتسلط عليهم أراذل الخلق.

​لقد أمرنا الله بوضوح: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}؛ فكيف يرضى المسلم لنفسه أن يرى الظلم يقع على إخوته في الدين والدم، ثم يلزم الصمت خشيةً من عقوبات اقتصادية أَو تهديدات عسكرية؟ إن الصمت عن الظلم في هذه الأيّام المباركة هو مشاركة فيه، والسكوت عن نصرة المظلوم في فلسطين ولبنان وإيران واليمن هو تفريط في أمانة الاستخلاف.

يا نـبـيَّ اللهِ هـذي أُمَّـةٌ… بـاتَ مـسـراها شَـتاتًا موهنا

جـئتَ بالـتوحـيدِ حُـرًّا ناصعًا… فـارتـضوا بالذلَّ بـعدِكَ سَـكـنا

قـد نـسـوا مـا صُـغـتَ مـن دسـتـورِهم… واسـتـعاضوا عـن هُـداكَ الـفتـنا

استراتيجية الوقت: سيف المقاومة في وجه الاستنزاف

​إنَّ المعركة ضد قوى الاستكبار اليوم أكثر من مُجَـرّد مواجهة عسكرية، إنها “حرب إرادات وعُنصر وقت”؛ فالمستكبر يراهنُ على استنزاف الوقت لكسر الروح المعنوية، وتحويل الجرائم البشعة إلى “روتين” يتقبله العالم بمرور الأيّام.

ومن هنا، تكتسبُ الأشهرُ الحرم في وعي المقاومين قيمة استراتيجية؛ فهي ليست زمنًا للسكينة السلبية، بل هي “تعبئة عامة” للنفوس والقدرات.

إن كُـلّ دقيقة تمر دون موقف، هي فرصة يغتنمها العدوّ لترسيخ ظلمه.

لذا، فإن استثمار الوقت اليوم يبدأ من الجهاد الإعلامي لكسر الحصار عن الحقيقة، ومُرورًا بـ المقاطعة الشاملة التي تحوّل كُـلّ درهم يدفع للعدو إلى رصاصة في صدورنا، وُصُـولًا إلى الإعداد والتمكين الذي يجعل من صمتنا الموقّر في الحرم، زلزالًا يدكُّ عروش الطغاة في الميدان.

إن الوقت لا يرحم القاعدين، والتاريخ لا يكتبه إلا من أحسن القبض على ناصية اللحظة، محولًا “فرص الزمن” إلى “انتصارات كبرى”.

دعوة إلى الصحوة والجهاد بالكلمة ثم بالسلاح والمال

إن الوقت – خَاصَّة في الأشهر الحرم – يجب أن يكون محطة للمراجعة والتوبة والرجوع إلى الله، وأن يكون موسمًا للتكاتف والتضامن مع المستضعفين في كُـلّ مكان.

ونحنُ إذ نكتب هذا المقال، فإنما نرجو أن يكون سببًا – بإذن الله – في صحوة الشعوب الإسلامية وأحرار البشر في أُورُوبا وأمريكا والصين وكوريا واليابان وفي كُـلّ أنحاء العالم؛ مِن أجلِ رفع الظلم عن فلسطين الحبيبة، وعن الجمهورية الإسلامية في إيران، وعن كُـلّ مظلوم في الأرض.

فلنحافظْ على أوقاتنا، ولنبتعدْ عن الظلم في أشهرنا ويومنا وليلنا، ولنكن مع المتقين الذين وعدهم الله بالنصر والتمكين، ولنقل كلمة الحق ولو كانت مرّة على الظالمين، ولنذكر أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

ولكم في أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة إسوة حسنة فهذا قائد المسيرة القرآنية يرفع راية الجهاد ويدعو إليه اقتدَاء بخاتم النبيين والمرسلين

​إننا في هذه الأشهر الحرم، ندعو الشعوب الإسلامية قاطبة إلى وقفة مع الذات.

إن الوقت يمر، والفرص تضيع، والتاريخ يسجل.

لن ترفع الغمة عن فلسطين، ولن ينكسر قيد الظلم عن الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة إلا بعودة حقيقية إلى روح الإسلام التي ترفض الذل وتأبى الضيم.

إنـمـا الأوطان تـحـيـا بالتقى… مـن يـرى فـي عـزِّهـا نيل المنا

فاقـطـعوا حـبلَ الـتمادي والـعمى… وانـبذوا مـن يعـبـدُ الـبـغـيَ هُنا

وارفـعوا للـحقِّ صـوتـًا عاليًا… يـمـلأُ الكـونَ جـلالًا وسـنـا

حـسبـنا مـن غـفـلـةٍ ما قـد مضى… آنَ أن نـحيـا ونـبـني الـوطـنا

​حـسـبُـنـا مـا كـان مـن أوهـامِـنـا… حـسـبُـنـا في أمرنا هذا العَـنـا

فـانـصـرِ الـلـهـمَّ حـقًا ضـائِـعـًا… واجـبُـر الـكـسـرَ وقـوِّ الـمُـوهِـنـا

هذه الأُمَّــة تستمد قوتها من عقيدة لا تهزمها المادة، وأن “الأشهر الحرم” ليست استراحة للمقاتل، بل هي زادٌ روحي لمواصلة الصمود.

•​ليكن استثمارنا للوقت هو استثمار في “الحق”، وتواصيًا بـ “الصبر”، وعملًا دؤوبًا لرفع راية العدل.

فالظلم ليل مهما طال فلا بد من بزوغ فجر العدالة الإلهية، إن الوقت في الأشهر الحرم ليس وقتًا محايدًا، بل هو انحياز كامل للحق..

فإما أن نكون من جند الله الذين يعمرون الوقت بالجهاد، أَو من الغافلين الذين يبتلعهم ليل الاستكبار”.

والله مع المتقين، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

* عضو رابطة علماء اليمن