​في ذروة الصراع الذي تخوضه الأُمَّــة اليوم ضد قوى الاستكبار العالمي (أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني)، تبرز الحاجة الملحّة للعودة إلى المنهجية التي رسمها شهيدُ القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي، في دروسه من هدي القرآن الكريم.

ففي (الدرس الثاني عشر، آخر البقرة وأول سورة آل عمران)، قدّم شهيد القرآن -رضوان الله عليه- رؤيةً قرآنية متكاملة تتجاوز القراءاتِ التقليديةَ، لتضعَ “وثيقة عمل” تنظم المسارَ العسكري والسياسي والتفاوضي، بناءً على ثلاث ركائزَ قرآنية ترسم ملامح العدوّ وطريقة الغلبة عليه.

 

​الركيزة الأولى: قاعدة “فإن حاجوك” والصلابة في التفاوض

​ينطلق شهيد القرآن من قوله تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ}، ليؤسس لمنطق القوة في الحوار والمفاوضات.

يوضح السيد حسين بدر الدين الحوثي أن هذه الآيةَ تمثِّلُ قاعدةً ذهبية ومبدأً ثابتًا في مواجهة أهل الكتاب ومن دار في فلكهم، حَيثُ يجب على المؤمن أن يدخل أي حوار برؤية واضحة لنقاط ضعف العدوّ لا قوته، ويقول في هذا السياق:

​”فأنت عندما تكونُ في حوار مع أطراف من هذا النوع ماضيهم أسود..

يجب أن يكون عندك هذه النظرة فتعرف أن واقعَ هذا الطرف فيه نقاطُ ضَعف كبيرة، لا يجوز أن أراه كَبيرًا فيكون بالشكل الذي يدفعني إلى أن أقدم تنازُلات..

فتكون أنت مَن قدَّم دينَك وقدَّم الأُمَّــة؛ بسَببِ رؤية مغلوطة إلى الطرف الآخر”.

​إن الضابط هنا هو الاستقامة وعدم الانجرار وراء وعود العدوّ الكاذبة؛ فالمفاوض الذي يُسْلِمُ وجهَه لله واثقًا به، لا يستعجلِ التضحيةَ بشعبه وأمته ومبادئه مقابلَ مبادرات استرضائية واهمة.

 

​الركيزة الثانية: كشف “الطبيعة الإجرامية” للعدو

​ينتقل المسارُ القرآني لتشخيص ماهية الخصم من خلال قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

هنا يضعُنا شهيدُ القرآن أمامَ حقيقة عدوٍّ تاريخُه قائمٌ على العدوانية المطلَقة ضد الحق والقسط.

إن هذا التشخيص القرآني يمنح المؤمنينحصانةً ضد الخِداع السياسي؛ فالعدوّ الذي يقتل الآمرين بالقسط، ومن ينفذ الاغتيالات ويسفك الدماء، لا يمكن أن يكون شريكًا في سلام حقيقي.

ويرى الشهيد أن معرفة هذا الواقع الإجرامي للعدو هي “نقطةُ قوة” للمؤمنين؛ لأنها تكشف زيفَ شعارات العدوّ وتؤكّـد أن المواجهةَ ضده هي مواجهة بين الحق والباطل، وليست مُجَـرّد نزاع سياسي عابر.

 

​الركيزة الثالثة: حتمية “الفشل والإحباط” لمخطّطات الأعداء

​تأتي الآية الثالثة: {أُولئك الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}، لتضعَ الخاتمةَ الاستراتيجية لكل تحَرّكات الأعداء.

يؤكّـد الشهيد القائد أن “الإحباطَ والفشل” هو مصير كُـلّ المخطّطات والتحالفات التي تقودُها الصهيونية العالمية عبر أذرُعها المتمثلة في أمريكا وكَيان الاحتلال ضد شعوب أمتنا الإسلامية.

إن إدراك هذه الحقيقة يغيّر قواعدَ الاشتباك؛ فالمؤمن يتحَرّكُ بيقين أن عدوَّه – مهما بلغت قوتُه المادية – هو في حالة انهيار داخلي وفشل مُستمرّ، وأن كُـلّ ما يبذلُه العدوّ من جهود عسكرية أَو سياسية سيبوء بالفشل أمام صمود المؤمنين.

ويشدّد الشهيد في الملازم على أن القضيةَ تكون صعبةً فقط لو كنا نواجه “أولياءً لله”، لكننا نواجه أعداءً “مستوجبين للخزي والعذاب”، وهذه هي ثغرتُهم الكبرى التي يجب أن ننفُذَ منها.

​إن الرؤيةَ القرآنية التي تضمنتها دروسُ وملازم ومحاضرات شهيد القرآن، تعيد صياغةَ العقلية السياسية والعسكرية للأُمَّـة، وتدعو لرفض منطق “الاسترضاء” والتحَرّك من منطلق الثقة بالله وبحتمية هزيمة الأعداء.

إن المسار القرآني في المواجهة يفرض علينا ألَّا نضحيَ بالدين ولا بالأمة؛ مِن أجلِ عدوٍّ حكم اللهُ عليه بالفشل والهزيمة والخزي، وأن نبقى مستقيمين مع الله ومع شعوبنا وأمتنا، موقنين بأن الغلبةَ لمن يتمسكون بالثوابت القرآنية ومَن يسيرون على هديه.