علماء اليمن ومكة.. بيان يرسم خريطة المواجهة ويعيد تعريف معركة المقدسات

صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي

 

في بيان واسع المواقف والدلالات، وضع مؤتمر علماء اليمن قضية مكة المكرمة والمقدسات الإسلامية في قلب المشهد الإقليمي، رافضًا بصورة قاطعة الادعاء السعودي باستهداف مكة، ومعتبرًا أن هذا الافتراء يأتي في سياق محاولة لتشويه موقف الشعب اليمني من الحرب والحصار، وتحويل أنظار العالم الإسلامي عن القضايا التي تمثل جوهر الصراع،  ولا يقف البيان عند حدود النفي، بل يقدم رؤية متكاملة لمصادر الخطر على المقدسات، ويحذر من توظيف الحرمين في الصراع السياسي، ويدعو العلماء والمؤسسات الإسلامية ووسائل الإعلام إلى التثبت وعدم الانجرار وراء رواية واحدة، قبل أن ينتقل إلى تأكيد استمرار الموقف اليمني تجاه فلسطين والمسجد الأقصى، وإسناد جبهات المواجهة والتصنيع العسكري.

رفض قاطع للرواية السعودية

يتصدر نفي استهداف مكة المكرمة مضمون البيان، إذ يصف علماء اليمن الادعاء السعودي بأنه «باطل» ولا أساس له من الصحة، ويرفضونه بصورة قاطعة، ولا يكتفي البيان بالنفي، بل يذهب إلى التشكيك في الرواية السعودية، محذرًا من احتمال استخدام القضية لتشويه المقاومة اليمنية وتحويل الاهتمام من العدوان على اليمن إلى اتهامه بتهديد أقدس مقدسات المسلمين، وفي هذا السياق، يحذر العلماء من تورط أي دولة في العدوان على اليمن، كما يطرحون احتمالًا سياسيًا شديد الحساسية يتمثل في إمكانية أن تُستخدم قضية استهداف مكة ذريعةً لارتكاب أعمال ضد المقدسات ثم تحميل مسؤوليتها للشعب اليمني،  وهذه النقطة تعكس جوهر مخاوف البيان من تحويل المقدسات إلى أداة في الصراع.

التحذير من «التحريش» بين المسلمين

يضع البيان القضية ضمن إطار أوسع، معتبرًا أن اتهام اليمن باستهداف مكة قد يشكل، وفق رؤيته، فرصة للعدو الإسرائيلي لاستهداف الأماكن المقدسة وإثارة الخلاف بين المسلمين،
ومن هنا، لا ينظر علماء اليمن إلى القضية باعتبارها إدعاء سعودي فحسب، بل باعتبارها قضية تمس وحدة العالم الإسلامي، محذرين من تحويل مكة إلى عنوان للصراع بين الشعوب الإسلامية،  كما يرفض البيان ما يصفه باستغلال الحرمين لخدمة أغراض استعمارية تستهدف تمزيق العالم الإسلامي والسيطرة على ثرواته.

المقدسات بين القداسة والسياسة

في الجزء الآخر من البيان، يوسع علماء اليمن دائرة النقاش ليشمل الانتهاكات لحرمة المقدسات والتحولات التي تشهدها السعودية، ويتحدث البيان عن قضية إهداء كسوة الكعبة إلى جيفري إبستين، وإقامة فعاليات ومجسمات مرتبطة بالكعبة، وانتشار الحفلات والخمر والفجور، وما يصفه باستدعاء شخصيات أساءت إلى الذات الإلهية، فضلًا عن دخول اليهود إلى الحرمين،
كما يطرح البيان اتهامات تتعلق بفتح الأجواء أمام طيران العدو الإسرائيلي، وبإسناد بعض الخدمات المرتبطة بالحجاج والمعتمرين والأمن في المشاعر إلى شركات إسرائيلية، وتشكل هذه القضايا في مجملها محاولة من علماء اليمن لتوسيع مفهوم حماية المقدسات؛ فالحماية، وفق الرؤية التي يقدمها البيان، لا تعني فقط منع أي هجوم عسكري على مكة، وإنما تشمل أيضًا ما يعتبره حماية لحرمتها وهويتها واستقلال قرارها.

أين يكمن «الخطر الحقيقي»؟

يقدم البيان إجابة مباشرة عن هذا السؤال، إذ يحدد القواعد العسكرية الأمريكية والغربية في الجزيرة العربية، وفتح الأجواء للطيران الإسرائيلي، والنفوذ الإسرائيلي في بعض القطاعات، باعتبارها مصادر خطر حقيقي على مكة،  وبذلك ينتقل الخطاب من حادثة محددة إلى قراءة استراتيجية أوسع، تجعل أمن مكة مرتبطًا بأمن الجزيرة العربية والمنطقة، وبالتحالفات العسكرية والسياسية التي تحيط بها،  إنها، في جوهرها، محاولة لإعادة تعريف معادلة «حماية المقدسات» ، من حماية جغرافية محدودة إلى قضية سيادة وقرار واستقلال عن النفوذ الخارجي.

دعوة إلى التثبت .. ورسالة إلى علماء المسلمين

من أبرز مضامين البيان أنه يوجه خطابه إلى  إلى العلماء والمؤسسات الإسلامية ووسائل الإعلام حول العالم، وهو يدعو العلماء ووسائل الإعلام إلى الوقوف مع الشعب اليمني، ويحذر من الانجرار وراء ما يصفه بالإعلام السعودي، وينتقد المواقف التي يعتبرها متسرعة من بعض الدول والمؤسسات والشخصيات العلمائية، داعيًا إلى التثبت قبل اتخاذ مواقف قد تفضي إلى المشاركة في سفك دماء اليمنيين، ويشيد البيان بمواقف مفتي سلطنة عمان ومفتي ليبيا، ويدعو علماء المسلمين، ومن بينهم المؤسسات التي يسميها صراحة، كالأزهر الشريف والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورابطة العالم الإسلامي، إلى عدم الانجرار وراء دعوات التحريض ضد الشعب اليمني، كما يطرح البيان معيارًا عمليًا لصدق الموقف من المقدسات، حين يطالب علماء المسلمين، إذا كانوا حريصين عليها، بالعمل على رفع الحصار وإنهاء الحرب على اليمن.

من الدفاع عن مكة إلى تثبيت معادلة المواجهة

لا ينتهي البيان عند الجانب السياسي والديني، بل ينتقل إلى الميدان العسكري، مؤكدًا أن الضجة الإعلامية، لن تثني اليمن عن معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد»،  وفي الوقت نفسه، يبارك الانتصارات اليمنية في الساحل الغربي وغيرها من المناطق، ويثمن إنجازات القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر والدفاع الجوي والقوات البحرية ومختلف التشكيلات العسكرية، كما يشيد بدور القبائل اليمنية في الدفاع عن الأرض والعرض، ويدعو المجتمع إلى رفد الجبهات بالرجال والمال، ودعم التصنيع الحربي، والالتحاق بدورات التعبئة العامة ومراكز التأهيل والتدريب، مع الدعوة إلى الإكثار من الحمد والثناء على الله، وهكذا يتحول البيان من وثيقة رد على اتهام محدد إلى رسالة تعبئة شاملة تجمع بين الخطاب الديني والسياسي والعسكري والمجتمعي.

فلسطين والمسجد الأقصى.. ثبات البوصلة

وفي بعد إقليمي واضح، يؤكد علماء اليمن ثبات موقف الشعب اليمني تجاه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، كما يؤكدون موقفه تجاه التطورات في لبنان وإيران وسوريا، ويعني ذلك أن البيان لا يفصل قضية مكة عن بقية ملفات المنطقة، بل يقدمها ضمن رؤية تعتبر أن المعركة على المقدسات مترابطة مع القضية الفلسطينية والصراع الإقليمي ومواجهة نفوذ العدو الإسرائيلي والغربي.

ختاما ..

يكشف البيان في مجمله عن معركة متعددة المستويات،  معركة حول حقيقة ما جرى، ومعركة على الرواية الإعلامية، ومعركة حول تعريف الخطر على المقدسات، ومعركة على موقف العلماء والمؤسسات الإسلامية، وأخيرًا معركة تعبئة داخلية في مواجهة العدوان، فالرسالة المركزية التي يسعى علماء اليمن إلى تثبيتها هي أن مكة المكرمة ليست ورقة سياسية يمكن استخدامها لتجريم الشعب اليمني أو تشويه موقفه من الحرب، وأن حماية المقدسات يجب أن تبدأ برفض استغلالها في الصراع، والتثبت من الأخبار المتعلقة بها، ومواجهة ما يعتبرونه تدخلًا خارجيًا في شؤون العالم الإسلامي،  وفي الوقت ذاته، يربط البيان هذه الرؤية بموقف أوسع تجاه فلسطين والمسجد الأقصى وملفات المنطقة، وباستمرار المواجهة اليمنية على المستويات العسكرية والسياسية والإعلامية، وبذلك يرسم البيان صورة متكاملة لمعركة كما يراها مؤتمر علماء اليمن،  مقدسات في مواجهة الاستغلال السياسي، ورواية في مواجهة رواية، وشعب في مواجهة عدوان وحصار، وقضية فلسطينية باعتبارها القضية المركزية، ومجتمع مدعو إلى الصمود والتعبئة والإسناد.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.