النصر من الله.. والمسؤولية لا تسقط بعد النصر

صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي

 

لم يأتِ الحديث عن النصر اليمني من فراغ ، بل جاء في سياق مواجهة طويلة ومعقدة خاضها الشعب اليمني في ظروف شديدة الصعوبة، أمام تحالف دولي واسع من القوى والقدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وفي ظل رهانات استهدفت إخضاع اليمن وانتزاع قراره وتحويل جغرافيته وموقعه الاستراتيجي إلى ورقة في خدمة المشروع الصهيوأمريكي،  وفي مسار هذه المواجهة، تعرض اليمن لضغوط هائلة، وواجه مراحل متعاقبة من التصعيد والاستهداف، إلا أن مسار الأحداث انتهى إلى تحول كبير في موازين القوة، تمثل في تحرير مساحات واسعة من الأراضي، تجاوزت أربعة آلاف وخمسمائة كيلومتر، وصولًا إلى استعادة السيطرة على مناطق ومواقع استراتيجية، وفي مقدمتها باب المندب، وهنا لا تكمن أهمية هذه التطورات في بعدها الجغرافي والعسكري فقط، وإنما في دلالتها على تحول الإرادة اليمنية من موقع الدفاع تحت ضغط الأحداث إلى موقع الفعل والتأثير وصناعة المعادلة،  لقد كشفت هذه التجربة أن حسابات القوة لا تُبنى فقط على حجم الإمكانات المادية، وإنما تتداخل فيها عوامل أعمق، الإيمان، والإرادة، والصبر، والثبات، والوعي، والتضحية، والقدرة على تحمل المسؤولية، ومن هذه الزاوية، فإن استحضار النصر لا ينبغي أن يكون مجرد استعراض لما تحقق، ولا مناسبة للاغترار بالقوة، بل فرصة لفهم لماذا تحقق النصر؟ وكيف يمكن الحفاظ عليه؟ وما الذي يمكن أن يؤدي إلى تراجع أسبابه؟ ، وهنا تبرز المسألة الأكثر أهمية وهي إرجاع الفضل لله سبحانه وتعالى، والاعتراف بأن النصر لا يستمر بمجرد امتلاك القوة، وإنما يستمر ما دامت أسبابه محفوظة.

العلاقة بالله.. سر القوة التي لا تُهزم

ليست كل انتصارات الشعوب تُقرأ من زاوية السلاح والعتاد، ولا تُختزل في حسابات الأرض والخرائط وموازين القوى، هناك حقيقة أعمق تحكم مسار الصراع، أن القوة مهما بلغت لا تستغني عن نصر الله وتوفيقه، وهنا تأتي القاعدة القرآنية الحاسمة: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾.
إنها ليست آية تُتلى في لحظة الانتصار فحسب، بل قاعدة يجب أن تحكم وعي الأمة في كل مراحل المواجهة،  إذا كان الله معنا فلا ينبغي أن تستبد بنا رهبة قوى الأرض، وإذا فرطنا في مسؤولياتنا فلا ينبغي أن نتوهم أن النصر أصبح حقًا مضمونًا لنا إلى الأبد،  إن الحفاظ على العلاقة الوثيقة بالله ليس شأنًا روحيًا منفصلًا عن الواقع، بل هو أساس للثبات والبصيرة والاستقامة، ومصدر للقوة المعنوية التي تمنح المجتمع القدرة على الصمود أمام الضغوط مهما عظمت.

انتصار اليمن.. الفضلٌ لله أولًا

إن النصر الكبير الذي حققه الشعب اليمني، وتحرير أكثر من 4500 كيلومتر وصولًا إلى استعادة السيطرة على باب المندب، يمثل محطة فارقة في مسار المواجهة مع العدو، لكن القراءة الإيمانية لهذا الإنجاز تبدأ من نقطة واضحة، الفضل لله أولًا وآخرًا،  فالله هو الذي يسدد الخطى، ويمنح الثبات، ويفتح أبواب القوة، ويهيئ أسباب النجاح، وهذا لا يعني إلغاء دور الإنسان، بل يعني وضعه في موضعه الصحيح؛ فالإنسان يخطط ويتحرك ويضحي ويثبت، لكنه لا ينبغي أن ينسب النصر إلى نفسه وكأنه مستقل عن توفيق الله، وهذه النقطة هي التي تحمي المنتصر من أخطر آفات النصر، الغرور.

غزة.. حين تحولت المسؤولية إلى موقف

لقد كان الوقوف إلى جانب غزة، في هذه الرؤية، أكثر من موقف سياسي أو إعلامي؛ كان اختبارًا عمليًا لمعنى المسؤولية، وللقدرة على اتخاذ موقف عندما تكون كلفته مرتفعة، ومن هنا تأتي دلالة القول إن الانتصار لغزة كان أحد أسباب نصر الله،  فالأمة لا تُختبر فقط عندما تكون الظروف مواتية، وإنما تُختبر عندما يصبح الالتزام بالمبدأ مكلفًا،  وهنا يتحول الموقف من شعار إلى مسؤولية، ومن التعاطف إلى فعل، ومن الكلام إلى تضحية،  والرسالة الأهم أن المسؤولية لا تُقاس بما تقوله الشعوب عن مبادئها، وإنما بما تكون مستعدة لتحمله دفاعًا عنها.

النصر وحده  لا يمنح حصانة من سنة الله

وهنا تأتي أخطر رسالة في الخطاب، لا أحد فوق سنن الله، لا شعب، ولا جماعة، ولا قيادة، ولا مجتمع، فإذا كانت الاستقامة والثبات وتحمل المسؤولية من أسباب التوفيق، فإن التفريط والتراجع والفساد والغرور ليست أمورًا يمكن تجاهلها، ولهذا فإننا «إذا فرطنا في مسؤولياتنا فلسنا استثناءً عن سنة الله» ، ليست تحذيرًا عابرًا، بل هي جوهر القضية كلها، والسيد القائد جعل جوهر النصر ان يستشعر المجاهدين أننا لسنا شيء إلا بالله وأن النصر يأتي باستشعار عالي وعظيم أن الله المؤيد والمسدد، فالنصر الذي جاء بعد ثبات وتضحيات يمكن أن يتعرض للخطر إذا تسلل إلى النفوس الشعور بأن المعركة انتهت، أو أن النجاح أصبح مضمونًا، أو أن المسؤولية يمكن تخفيفها بعد تحقيق الإنجاز.

أخطر أعداء النصر .. الغرور

قد يعجز الخصم عن كسر مجتمع صمد في الميدان، لكنه قد يجد طريقًا آخر إذا تحول الانتصار إلى غرور، وتحولت القوة إلى استعلاء، لذلك فإن حماية النصر تبدأ من حماية الوعي.
لا ينبغي أن يكون خطاب من نصره الله تعالى ، لقد انتصرنا وانتهى الأمر،  بل ، لقد أنعم الله علينا بالنصر، فماذا سنفعل بهذه النعمة؟
سنزداد شكرًا؟
سنزداد التزامًا؟
سنزداد تحملًا للمسؤولية؟
سنحسن إدارة ما تحقق؟
سنبني ونصلح؟
سنحافظ على وحدة الصف؟
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

4500 كيلومتر.. ليست مجرد أرقام

تحرير أكثر من 4500 كيلومتر لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد رقم في خطاب الانتصار؛ فالأرقام وحدها لا تصنع التاريخ، القيمة الحقيقية لأي إنجاز ميداني تكمن في ما يترتب عليه من تحولات في الوعي والإرادة والقدرة على حماية الأرض والسيادة وصناعة المستقبل، والوصول إلى باب المندب، باعتباره موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، يكتسب دلالته ضمن هذه القراءة من كونه يؤكد أن الجغرافيا اليمنية ليست مجرد مساحة على الخريطة، وإنما يمكن أن تتحول إلى عنصر من عناصر القوة والتأثير، لكن امتلاك الموقع لا يكفي، القوة الحقيقية هي القدرة على حماية ما تحقق، وتحويل الإنجاز إلى واقع مستدام.

النصر يحتاج إلى شكر.. والشكر يحتاج إلى عمل

الشكر الحقيقي لله على النصر لا يكون بالكلمات وحدها، الشكر أن نصون النعمة، وإذا كانت نعمة النصر قد جاءت بعد ثبات وتضحيات، فإن صيانتها تكون بمزيد من الثبات، وإذا كانت المسؤولية سببًا في تحقيق الإنجاز، فإن المحافظة عليه تقتضي مسؤولية أكبر، وإذا كان الموقف من غزة قد عبّر عن التزام بمبدأ نصرة المظلوم، فإن هذا المبدأ يجب أن يكون في الصدارة دائما، والمطلوب هو بناء حالة دائمة من الوعي والمسؤولية والاستعداد.

لا تفرطوا في أسباب القوة

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن لا تفرطوا في أسباب النصر،
لا تفرطوا في الإيمان.
لا تفرطوا في المسؤولية.
لا تفرطوا في التضحية.
لا تفرطوا في الانضباط.
لا تفرطوا في مواجهة الظلم والفساد والعبث.
ولا تسمحوا للغرور أن يهدم ما صنعه الإيمان والثبات،  فالمعركة لا تنتهي بمجرد تحقيق إنجاز ميداني؛ بل تبدأ مرحلة جديدة عنوانها حماية المكتسبات وبناء القوة الداخلية ومواجهة عوامل الضعف.

النصر الحقيقي .. أن نحافظ عليه

إن أعظم ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة هو أن النصر ليس نقطة وصول، بل أمانة جديدة، ومن شكر الله على النصر فعليه أن يثبت على الطريق الذي قاده إليه، ومن رأى تأييد الله في لحظة النصر، عليه ألا ينسى الله في لحظة القوة، فالعدو قد يتغير، وأدوات المواجهة قد تتغير، والمرحلة قد تنتقل من ميدان إلى آخر، لكن القاعدة تبقى واحدة،
الثبات مسؤولية، والنصر نعمة، والنعمة تحتاج إلى شكر، والشكر يحتاج إلى عمل، والتفريط له عواقبه.

من انتصر في الميدان عليه أن ينتصر على أسباب الضعف

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد النصر أن يتحول الانتصار إلى حالة من الاطمئنان المفرط، أو أن يُنسى مصدر النعمة، أو تُهمل المسؤوليات التي صنعت الصمود، ولهذا فإن المرحلة التالية ليست أقل أهمية من مرحلة المواجهة؛ إنها مرحلة حماية النصر ، حماية الوعي من الغرور، حماية المجتمع من التفكك، حماية الإيمان والارتباط أكثر يالله والثقة أكثر بالله واستشعار معية الله سبحانه وتعالى ، فإذا كان الله قد سدد الضربات والخطى، فإن واجبنا أن نحفظ النعمة بالشكر والعمل والثبات، إن النصر لا يقول لنا استريحوا، بل يقول، اثبتوا أكثر، تحملوا مسؤوليتكم أكثر، كونوا أوفى لله، واحذروا التفريط، فالمعادلة القرآنية واضحة ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، لكن هذه الآية ليست مجرد عنوان للاحتفال بالنصر؛ إنها دعوة إلى الثبات بعد النصر، وتحذير من الغرور، وتذكير بأن من طلب نصر الله فعليه أن يحافظ على أسباب القرب منه، لقد تحقق النصر بتوفيق الله؛ ولذلك فإن المحافظة عليه تبدأ من حيث بدأ، بالإيمان، والثبات، والمسؤولية، والشكر، وعدم التفريط.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.