من قبضة تحشيدات العدو إلى حضن الدولة.. الساحل الغربي يستعيد عافيته وتعز والحديدة تفتحان أبواب الحياة والاستقرار أمام الأهالي
صنعاء سيتي | تقرير
لم تكن عملية تحرير مديريات الساحل الغربي في محافظتي تعز والحديدة مجرد تحول ميداني أنهى وجود تحشيدات تابعة للعدو السعودي في عدد من المناطق، بل دشّنت واقعاً جديداً تتسارع فيه خطوات استعادة الحياة العامة وتثبيت الأمن وإعادة الخدمات وفتح الطرق أمام المواطنين وعودة النازحين وتفعيل مؤسسات الدولة وإنعاش النشاط الاقتصادي والإنتاجي، في مشهد يعكس حجم التحول الذي تشهده هذه المديريات بعد سنوات من القيود والاضطراب.
فمنذ الساعات الأولى للتحرير، بدأت السلطة المحلية والأجهزة الحكومية المختلفة التحرك ميدانياً إلى المديريات والمناطق المحررة، واضعةً أمامها أولوية واضحة تتمثل في تأمين المواطنين، تطبيع الأوضاع، إعادة الخدمات، معالجة الاختلالات الاقتصادية، وتهيئة الظروف أمام الأهالي للعودة إلى قراهم ومنازلهم ومزارعهم وممارسة أعمالهم بصورة طبيعية.
وبالتوازي مع هذا الحضور الرسمي، برزت حالة شعبية لافتة من الترحيب والاستبشار بين أبناء المناطق المحررة، الذين وجدوا أنفسهم أمام مساحة أوسع للحركة والتواصل بعد فترة فُرضت خلالها قيود على تنقلهم ووصولهم إلى قراهم ومزارعهم، فيما تعرضت أسر للتهجير ومنعت من العودة إلى مناطقها.
القائم بأعمال محافظ تعز، القاضي أحمد المساوى، قال أن عملية تحرير مناطق الساحل الغربي كانت خاطفة وسريعة، مشيداً بتوفيق الله وبجهود القوات المسلحة في تنفيذها، ومشيراً إلى أن تعاون أبناء مديريات المخا وموزع والوازعية وذباب وترحيبهم واستبشارهم بالتحرير شكّلا عاملاً أساسياً في إنجاز العملية.
وأكد المساوى، أن أبناء هذه المناطق كانوا يتطلعون إلى التخلص من واقع حاولت الجماعات التابعة للعدو السعودي فرضه عليهم، وتحويل مناطقهم إلى معسكر للتجنيد والارتباط بالخارج، وبالأخص الارتباطات التي كانت قائمة مع السعودية والإمارات والأمريكي والإسرائيلي.
ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى لم يكن بالنسبة إلى الأهالي مجرد تبدل في السيطرة على الأرض، بل استعادة لمساحة الحياة اليومية نفسها؛ فالمواطن الذي كان ممنوعاً من الوصول إلى مزرعته أو قريته، بات قادراً على التحرك بحرية، والأسرة التي أُجبرت على النزوح وجدت الطريق مفتوحاً أمام العودة، فيما بدأت مؤسسات الدولة بالوصول إلى المناطق التي غابت عنها طويلاً.
ويختصر أحد أبناء تلك المناطق حجم التحول بقوله الذي نقله المساوى: «اليوم أنا أمشي من هنا إلى صنعاء، الحمد لله أمشي دون أن يعترضني أحد».
هذه العبارة، على بساطتها، تختزل جانباً مهماً من المشهد الجديد؛ إذ لم يعد المواطن معزولاً عن امتداده الجغرافي والديموغرافي والاجتماعي، ولم تعد حركته محكومة بنطاقات مفروضة عليه، بل عاد الساحل إلى فضائه الطبيعي، وعادت صلته ببقية مناطق المحافظة والمحافظات اليمنية.
منذ الساعات الأولى للتحرير، باشرت السلطة المحلية في تعز النزول الميداني إلى المناطق المحررة، برفقة مديري عموم المديريات المنحدرين من أبناء تلك المناطق، والذين يحظون باحترام الأهالي ومحبتهم.
كما جرى تشكيل غرف عمليات مشتركة في المديريات، والتواصل مع الوجهاء والفقهاء والأعيان، الذين عبّروا عن ترحيبهم بالتحرير واستبشارهم بعودة الأوضاع إلى طبيعتها.
ولم يكن هذا التحرك مقتصراً على الجانب الإداري، إذ تواصل العمل على تثبيت الأمن والاستقرار ورفع مستوى الجاهزية، بما يضمن حماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة، وتأمين الطرق والمناطق والمنشآت.
وفي هذا السياق، تفقد المساوى، كونه رئيس اللجنة الأمنية بالمحافظة، عدداً من النقاط والمواقع الأمنية والمنشآت الحكومية في مديريات الساحل الغربي، برفقة عدد من القيادات العسكرية والأمنية، واطلع على طبيعة المهام التي تضطلع بها الأجهزة الأمنية، ومستوى انتشار الوحدات واحتياجاتها ومتطلبات تعزيز جاهزيتها.
كما شملت الجولة إدارة أمن مديرية المخا والمجمع الحكومي، في خطوة تعكس التوجه نحو استئناف وتفعيل العمل الحكومي وتعزيز حضور مؤسسات الدولة وتطبيع أدائها بصورة طبيعية.
وأكد المساوى أن النزول الميداني يأتي ترجمة لتوجيهات قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي ورئيس المجلس السياسي الأعلى المشير الركن مهدي المشاط، بتفقد أحوال المواطنين والوقوف على احتياجاتهم وتقديم الخدمات لهم، مشدداً على أهمية اليقظة والجاهزية والتعامل بمسؤولية مع متطلبات المرحلة.
وفي الإطار ذاته، جرى التأكيد على تفعيل لجان التنسيق في مديريات الساحل للعائدين، على مستوى كل مديرية، من خلال مدير المديرية ومدير الأمن، للتواصل والتنسيق وتأمين من يشملهم العفو العام، بما يفتح المجال أمام معالجة آثار المرحلة السابقة وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
من أبرز ملامح المرحلة الجديدة، عودة النازحين إلى مناطقهم بعد سنوات من الخوف والتهجير والمنع من الرجوع.
ويؤكد المساوى أن السلطة المحلية وضعت تأمين المواطنين وعودة النازحين ضمن أولوياتها، خصوصاً بعد تعرض السكان للتخويف وانتشار الشائعات والأراجيف التي حالت دون عودة عدد من الأسر إلى قراها.
وفي مديرية الوازعية تحديداً، شهدت المناطق المحررة عودة كبيرة للنازحين، بعد أن تولى المعنيون من أبناء المديريات التواصل معهم وطمأنتهم وتشجيعهم على العودة.
وهكذا، فإن استعادة الأمن لم تعد مرتبطة فقط بالنقاط والمواقع العسكرية والأمنية، وإنما أخذت معناها الأوسع في إعادة الإنسان إلى أرضه، والأسرة إلى منزلها، والمزارع إلى مزرعته، والمواطن إلى مجاله الطبيعي للحركة والعمل والإنتاج.
في البعد الجغرافي والاقتصادي، يكتسب الساحل الغربي أهمية استثنائية لمحافظة تعز، وهو ما يفسر وصف المساوى لهذه المناطق بأنها «الرئة التي يتنفس منها أبناء محافظة تعز»، فضلاً عن كونها الواجهة البحرية للمحافظة والمطلة على العالم.
وتحمل المخا تحديداً مكانة خاصة في الذاكرة الاجتماعية لأبناء تعز؛ فميناؤها كان وجهة للزيارات والجولات الأسبوعية، وظلت الصلة بين المدينة والساحل راسخة في الوجدان الشعبي.
لكن هذه الصلة تعرضت خلال السنوات الماضية للقطع والعزل، حتى إن بعض أبناء تعز الذين انخرطوا في المعسكرات الموجودة هناك كانوا يُمنعون من الوصول إلى المخا.
أما اليوم، فإن المشهد يتغير، وتعود المنطقة إلى تعز، كعودت الروح إلى الجسد.
ولا تقتصر أهمية المخا على بعدها الاجتماعي، إذ تمتلك المنطقة إرثاً اقتصادياً وتجارياً عريقاً، ارتبط تاريخياً بتصدير البن اليمني، حتى إن اسم «موكا» الذي عُرفت به القهوة عالمياً ارتبط باسم المخا.
ومن هنا تبدو استعادة الساحل الغربي إلى دوره الطبيعي خطوة تتجاوز مجرد إعادة الخدمات، لتتصل بإعادة الاعتبار إلى الهوية الاقتصادية والتاريخية للمكان، وفتح الطريق أمام استعادة دوره في التجارة والإنتاج والتنمية.
وفي موازاة تثبيت الأمن، تحركت وزارة الكهرباء والطاقة والمياه ميدانياً إلى مديريات المخا والوازعية وموزع، للوقوف على احتياجات المواطنين ومشاريع المياه والكهرباء.
وتفقد نائب وزير الكهرباء والطاقة والمياه عادل بادر، ومعه قيادة السلطة المحلية والمؤسسات المعنية، محطة توليد كهرباء المخا بالديزل، ومحطة الطاقة الشمسية، وفرع المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي، إلى جانب مشاريع المياه والكهرباء في المديريات المحررة.
وأظهرت المعاينات أن خدمة التيار الكهربائي مستمرة في مدينة المخا بقدرة خمسة ميجاوات، فيما يجري إعداد تقرير شامل عن احتياجات محطات التوليد الخارجة عن الخدمة، تمهيداً لإعادة تأهيلها ورفع قدرتها على إمداد المدينة والتجمعات السكانية المجاورة.
وأكد مدير عام المؤسسة العامة للكهرباء الدكتور مشعل الريفي أن المحطات العاملة تواصل نشاطها دون مشاكل، وأن مواقع التوليد ومحطات التحويل جرى تأمينها بالتنسيق بين الوزارة والمؤسسة والسلطة المحلية.
وفي قطاع المياه، وُجّهت قيادة المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي إلى مواصلة تقديم الخدمة بصورة مستمرة، وتعزيز الانضباط وتحسين مستوى الأداء، مع إعداد تقارير دقيقة باحتياجات المديريات المحررة من مشاريع المياه والكهرباء.
وهنا يظهر بوضوح أن تطبيع الأوضاع لا يُقاس فقط بفتح الطرق وتأمين المدن، بل بقدرة الدولة على إعادة الخدمات الأساسية إلى المواطن.
وفي قطاع النفط، أصدر وزير النفط والمعادن الدكتور عبدالله الأمير توجيهات بتطبيع الأوضاع وتأمين احتياجات أبناء الساحل الغربي من المشتقات النفطية والغاز المنزلي.
وشُكلت فرق ميدانية من شركة النفط اليمنية والشركة اليمنية للغاز للنزول إلى مختلف المناطق، وحصر الاحتياجات واتخاذ الإجراءات العاجلة لضمان وصول الإمدادات بصورة منتظمة.
وأكد الوزير أن المشتقات النفطية والغازية متوفرة، وأن الفرق ستواصل أعمالها لضمان وصولها إلى المواطنين بسهولة واستمرار، بما يخفف من معاناتهم ويدعم استقرار الحياة العامة.
كما بدأت فرق الشركتين فعلياً تنفيذ مهامها الميدانية، في خطوة ترتبط مباشرة بتشغيل الخدمات، وتحريك وسائل النقل، وتلبية الاحتياجات المنزلية والإنتاجية، وبالتالي إعادة الدورة الطبيعية للحياة إلى المديريات المحررة.
وفي الجانب الاقتصادي والنقدي، باشر البنك المركزي اليمني النزول إلى المناطق المحررة، وتسلم مقر البنك في مديرية المخا، بالتوازي مع التواصل مع الصرافين لتنفيذ عملية استبدال العملة بالعملة الوطنية.
وجرى تحديد عدد من الصرافين للقيام بعمليات الاستبدال، خصوصاً في المناطق البعيدة، بما يسهّل على المواطنين والتجار الوصول إلى الإجراءات المالية المطلوبة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن معالجة أوسع للإشكالات الاقتصادية التي تراكمت خلال المرحلة السابقة، بما يعزز الاستقرار النقدي ويمكّن النشاط التجاري من استعادة عافيته.
فبعد أن كان المواطن يواجه قيوداً على الحركة والخدمات، فإن استعادة العملة الوطنية، والوقود، والغاز، والكهرباء، والمياه تمثل في مجموعها عناصر أساسية لإعادة بناء الحياة الاقتصادية والاجتماعية بصورة طبيعية.
وفي المسار نفسه، وجّه القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار سام البشيري، قطاع التجارة الداخلية وحماية المستهلك وهيئة المواصفات ومكاتب الاقتصاد في تعز والحديدة، بتأمين احتياجات المديريات المحررة من المواد الغذائية والسلع الأساسية.
وشملت التوجيهات توفير مخزون كافٍ من السلع، والتدخل العاجل لمعالجة أي إشكالات تموينية أو سعرية، وحماية حقوق التجار والمستهلكين، ومنع أي ممارسات احتكارية قد تستغل ظروف هذه المرحلة.
وبدأت الوزارة كذلك إعداد خطط لتفعيل مكاتبها في المديريات المحررة وإطلاق برامج اقتصادية وتنموية تستهدف تحسين الوضع المعيشي ورفع مستوى الخدمات وتحقيق استقرار الأسواق.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في مرحلة العودة، لأن استقرار الأمن لا يكتمل من دون استقرار الأسواق والأسعار وتوفر المواد الأساسية، بما يضمن للمواطن أن التحرير ينعكس مباشرة على حياته اليومية.
ولا تتوقف عملية استعادة الحياة عند الخدمات والاستهلاك، إذ يجري العمل أيضاً على حماية القطاعين الزراعي والسمكي، وهما من أهم مصادر الدخل والإنتاج في الساحل الغربي.
وفي هذا السياق، طمأن القائم بأعمال وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية عمار الكريم، المزارعين والصيادين إلى استمرار النشاط الإنتاجي وضمان وصول منتجاتهم إلى الأسواق المحلية.
واتخذت الوزارة، بالتنسيق مع السلطات المحلية والجهات ذات العلاقة، ترتيبات لحماية المنتجات الزراعية والسمكية من التلف والكساد، وتنظيم عملية تصريفها بما يحفظ حقوق المنتجين.
وتشمل الإجراءات إنشاء مراكز تجميع معتمدة، وتنظيم عمليات الشراء والاستلام، وتوفير وسائل نقل آمنة ومنظمة من مراكز التجميع إلى الأسواق والمحافظات، بما يخفف الأعباء والتكاليف على المزارعين والصيادين.
كما جرى توجيه فرق ميدانية لتفعيل التواصل المباشر مع المنتجين ومعالجة أي صعوبات لوجستية أو طارئة تعيق حركة المنتجات أو تنقل أصحابها.
وبذلك لا يعود المواطن في الساحل مجرد متلقٍ للخدمة، بل يتحول مجدداً إلى منتج ومزارع وصياد وتاجر وعامل، وهي النقلة التي يمكن أن تؤسس لمرحلة اقتصادية جديدة مع استمرار إجراءات الحماية والتسويق والاستثمار.
وفي مؤشر آخر على اتساع نطاق التطبيع، وصلت خطوات إعادة الحياة إلى القطاع الشبابي والرياضي في مديريات حيس والخوخة بمحافظة الحديدة.
فقد تفقد مدير مكتب الشباب والرياضة بالمحافظة أوضاع المنشآت الرياضية والشبابية في المديريتين، واطلع على واقع الملاعب والمقار والمنشآت، والتقى الرياضيين والكوادر لمناقشة خطط استئناف البطولات وتنشيط الحركة الرياضية.
كما جرى توزيع دفعة أولية من المستلزمات الرياضية للفرق والأنشطة الشبابية، بما يدعم تنظيم المنافسات والفعاليات ويفتح أمام شباب حيس والخوخة المجال للمشاركة مجدداً في الأنشطة والمسابقات.
وتمثل هذه الخطوة دلالة مهمة؛ فعودة الحياة ليست كهرباء وماء ووقوداً فقط، بل تشمل أيضاً المدرسة والرياضة والثقافة والعمل والنشاط الاجتماعي، وكل ما يعيد للمجتمع إيقاعه الطبيعي.
وفي الحديدة، عبّر أبناء المحافظة خلال وقفات حاشدة عقب صلاة الجمعة عن مباركتهم للانتصارات التي حققتها القوات المسلحة في جبهات الساحل الغربي ودحر التحشيدات التابعة للعدو السعودي.
وأكد المشاركون أن ما تحقق يمثل انتصاراً لإرادة الشعب اليمني وإفشالاً لمخططات تستهدف السيطرة على الأرض والمقدرات وتمزيق الوحدة الوطنية.
كما جدّدوا دعمهم للقوات المسلحة واستعدادهم لإسنادها، داعين من غرر بهم إلى الاستفادة من قرار العفو العام وإلقاء السلاح والعودة إلى صف الوطن.
وحمل المشاركون رسالة واضحة بأن أبناء الحديدة ينظرون إلى ما تحقق في الساحل باعتباره جزءاً من معركة أوسع لحماية السيادة ورفض مشاريع الاحتلال والارتزاق، مؤكدين الجاهزية لمواجهة أي تطورات أو مستجدات.
كما جدّد بيان الوقفات التأكيد على الموقف المساند للشعب الفلسطيني وأهالي قطاع غزة، والوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله في لبنان، مع التأكيد على مواصلة الإسناد للقوات المسلحة وفرض معادلة «الحصار بالحصار» حتى انتزاع الحقوق واستعادة السيادة.
المشهد المتشكل في الساحل الغربي يكشف أن عملية التحرير دخلت سريعاً مرحلة جديدة؛ فبعد أن كان التركيز على دحر تحشيدات العدو السعودي ومرتزقته وتأمين الأرض، انتقلت الأولوية إلى تأمين الإنسان وإعادة الدولة وتحريك الاقتصاد واستعادة الخدمات والإنتاج.
وهذا التحول يظهر في تزامن التحركات الميدانية لعدد كبير من المؤسسات:
- الأجهزة الأمنية والعسكرية لتثبيت الاستقرار وحماية المواطنين.
- السلطة المحلية لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة والتواصل مع الأهالي والنازحين.
- البنك المركزي لمعالجة الوضع النقدي واستعادة العملة الوطنية.
- وزارة الكهرباء والمياه لإعادة تأهيل وتشغيل مشاريع الطاقة والمياه.
- شركة النفط والغاز لتأمين الوقود والغاز.
- وزارة الاقتصاد لضمان السلع الأساسية واستقرار الأسواق.
- وزارة الزراعة والثروة السمكية لحماية الإنتاج وتسويقه.
- وزارة الشباب والرياضة لإعادة النشاط الرياضي والشبابي.
إن اجتماع هذه المسارات في وقت واحد يؤكد أن المعركة لم تعد فقط معركة تحرير أرض، وإنما معركة إعادة بناء الحياة فوق الأرض المحررة.
ولسنوات، عانى أبناء هذه المناطق من القيود على الحركة والوصول إلى القرى والمزارع وممارسة الأعمال، فيما انتشرت الآليات العسكرية الثقيلة وسط القرى والمساكن والأحياء.
أما المرحلة الجديدة، فتقوم على إعادة ربط المديريات بمحيطها الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي، واستعادة صلتها بمحافظتي الحديدة وتعز وبقية المحافظات، وتحويلها من مساحة عزل واضطراب إلى بوابة للحياة والإنتاج والتنمية.
وتبرز هنا أهمية المخا والوازعية وموزع والقرى الساحلية باعتبارها مناطق تمتلك مقومات زراعية وسمكية وتجارية وسياحية، فضلاً عن الموقع البحري والاستراتيجي، بما يجعل استقرارها عاملاً مهماً في مستقبل محافظة تعز والاقتصاد المحلي بصورة عامة.
وإذا كانت السنوات الماضية قد فرضت على هذه المناطق واقعاً من القيود والتهجير والتحشيد، فإن المرحلة الجديدة تضع أمامها تحدياً مختلفاً: كيف تتحول الحرية المستعادة إلى تنمية مستدامة، والخدمات إلى بنية تحتية، وعودة السكان إلى استقرار اقتصادي وإنتاجي حقيقي؟
وفي موازاة عودة النازحين، تبرز دعوات متواصلة إلى الاستفادة من قرار العفو العام، وإتاحة المجال أمام المغرر بهم للعودة إلى مناطقهم وأهلهم.
وقد أكدت قيادة السلطة المحلية في تعز تفعيل آليات التنسيق على مستوى المديريات للتواصل وتأمين من يشملهم العفو العام، فيما وجّه أبناء الحديدة الدعوة إلى المغرر بهم وأسرهم وأقاربهم للاستفادة من هذه الفرصة.
ويحمل هذا المسار بعداً اجتماعياً مهماً، لأنه يستهدف إغلاق آثار الانقسام وإعادة دمج أبناء المناطق في مجتمعهم، بعيداً عن استغلالهم في مشاريع تخدم العدو كالتحشيد والاقتتال الداخلي.
إن أهم ما يميز المرحلة الراهنة في المديريات المحررة أنها تقدم صورة مختلفة لمعنى التحرير؛ فالأمن يتحول إلى طريق مفتوح، والفتح الميداني يتبعه فتح للخدمات، وعودة الأرض تتبعها عودة الإنسان، واستعادة المؤسسات تترافق مع استعادة النشاط الاقتصادي والإنتاجي.
ومن المخا إلى الوازعية وموزع، ومن حيس إلى الخوخة، تتوالى خطوات إعادة ترتيب المشهد: نازحون يعودون، طرق تُفتح، مؤسسات تستأنف عملها، كهرباء ومياه يجري تأهيلها، وقود وغاز يجري تأمينهما، أسواق يجري ضبطها، منتجات زراعية وسمكية يجري تسويقها، ورياضة وشباب يعودون إلى ملاعبهم.
وهذه التفاصيل مجتمعة ترسم ملامح مرحلة عنوانها الأبرز: أن الأرض التي خرجت منها تحشيدات العدو ومرتزقته تعود إليها الدولة، وأن المناطق التي عانت من العزل تعود إلى محيطها، وأن المواطن الذي حُرم من قريته ومزرعته وحركته يستعيد حقه في الحياة الطبيعية.
لقد اختزل القائم بأعمال محافظ تعز هذا التحول بعبارة بالغة الدلالة: «الروح عادت للجسد».
وهي عبارة لا تتصل بالمخا وحدها، بل تلخص المشهد الأوسع في المديريات المحررة؛ فعودة الروح تعني عودة الإنسان، وعودة الدولة، وعودة الخدمة، وعودة الإنتاج، وعودة التواصل الاجتماعي والجغرافي، وفتح الطريق أمام مستقبل مختلف للمناطق التي عاشت طويلاً تحت وطأة الحرب والتحشيد والقيود.
وهكذا، يمضي الساحل الغربي من مرحلة التحرير إلى مرحلة التمكين والاستقرار؛ من تأمين الأرض إلى تأمين الإنسان، ومن دحر تحشيدات العدو إلى إعادة مؤسسات الدولة، ومن معالجة آثار العدوان والحصار إلى بناء مقومات الحياة.
وفي هذا المشهد، تبدو تعز والحديدة أمام فرصة لاستعادة أحد أهم امتداداتها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، فيما يصبح نجاح المرحلة المقبلة مرتبطاً باستمرار الحضور الميداني للدولة، وتسريع إعادة الخدمات، وحماية الإنتاج، وتوفير احتياجات السكان، وتثبيت الأمن، وتهيئة الظروف لعودة جميع النازحين.
إن الساحل الغربي الذي عانى من العزل والتهجير والتحشيد، يفتح اليوم أبوابه للحياة من جديد؛ ومع كل عودة إلى منزل، وكل محطة كهرباء تعود للعمل، وكل طريق يُفتح، وكل مزرعة تُستأنف، وكل منتج يصل إلى السوق، وكل مؤسسة حكومية تستعيد دورها، تتكرس حقيقة أن التحرير لا تكتمل قيمته إلا حين يتحول إلى أمنٍ وخدمةٍ وإنتاجٍ واستقرارٍ وكرامةٍ وحياةٍ طبيعية للمواطنين.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.