محبة الله ميزانُ القلوب، والثبات على الحق سبيل النصر
صنعاء سيتي | مقالات | حسين بن محمد المهدي
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
لمحبة الله حلاوة في النفس، توجب اتباع الحق، ومحبة الخلق. فالقلوب المحبة لله تمتلئ نوراً، وتزداد سروراً، ويجلس أصحابها على منابر من نور يوم القيامة، لأنهم أحبوا الله، وأحبوا من أحب، وفي الحديث القدسي: “قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء”.
فحبُّ الله يقتضي طاعتَه، ومحبةَ خلقه، ومحبة أعمال البر، والنفور عن المعصية.
فإذا كنت تحب الله فلا تعصه، وإذا كنت ترجو الله فلا تؤذه، فإن عصيان الله يتنافى مع ادعاء حبه، فاجعل محبتك كلها لله، ثم محبة رسوله وأنصاره، ومحبة المؤمنين من خلقه يكمل إيمانك ويزدهر عرفانك، وتكون في عداد المتقين.
وإياك أن تتخذَ من الظالمين أنداداً، وتجعلهم له أنداداً، وفي القرآن الحكيم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}.
وفي الحديث النبوي: “ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ”.
ليست محبةُ الله كلمةً تُقال باللسان، ولا دعوى تُرفع في المجالس، وإنما هي حياةٌ تستقر في القلب، ثم تظهر آثارها على الجوارح؛ طاعةً لله، واتباعاً لرسوله، ورحمةً بعباده، وثباتاً على الحق، ونفوراً من الظلم والعدوان.
وهكذا المؤمن في حبه لربه تجده شديد الحب في الله، ملأ الله قلبه حباً له ولرسوله، ولشريعته، ولمن يحب الله من خلقه، وفي القرآن الحكيم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}.
وهاهم أهل اليمن يظهرون حباً لله وولاء لله ولرسوله ولشريعته وللمؤمنين، والقرآن معجزة نبي الإسلام وقد جاء فيه أن من يرتد عن دينه فسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. وقد قال نبي الإسلام هم أهل اليمن.
فقد أخرج الطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ وابن مردويه بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، فقال: “هؤلاء قوم من أهل اليمن”.
فأهل اليمن هم أنصار الله، وهم أهل الثبات والصبر والعزيمة، إنهم قوم إذا ادلهمت الخطوب لم تنكسر عزائمهم، وإذا حضر البأس لم تضطرب قلوبهم، وإذا اشتد الخوف ازدادوا ثباتاً، وإذا مكنهم الله لم يحملهم النصر على البغي لأنهم يقاتلون دفاعاً عن حق، ويصبرون ابتغاء مرضاة الله.
وقد صبر أهلُ اليمن اثني عشر عاماً على الحصار، وها نحن نشهدُ انتصاراتٍ لهم.
فالنصر الذي يرفع الظلم، ويعيد الأمن، ويحفظ الكرامة نعمة، والصبر الذي يصون الإنسان عن الانهيار نعمة.
إنها الحكمة اليمانية، التي شهد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل اليمن، فقال: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.
والحكمة اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه، وإعطاء كل شيء حقه، قولاً كان أو عملاً.
ومن الحكمة أن نرى عدل الله في حكمه، وفي نصره للمؤمنين، وأن نحس برحمته في سطوته.
ومن الحكمة أيضاً العلم الخالص الخالي من لفحات الجهل، والعدل المحض الخالي من شبهات الزور، والحق الصادق الخالي من شوائب الهوى، فهي لباب كل خير، فالانحراف عنها أو التحريف فيها خروج عن رحاب الجادة، ودخول في مزالق الباطل.
فالحب في الله يدل على العقل الكامل، والحب المتوازن لعباد الله يدل على الحكمة والفطنة، فلا يوجد عدو دائم تجب عداوته إلا الشيطان، ولا يوجد من يجب دوام محبته إلا الرحمن وكتبه ورسله وشريعته، ومن شرع لنا محبته، وأوجب علينا مودته، وفي الحديث النبوي: “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا”.
وفي الأمثال السائرة: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً.
فإذا كان من الحب ما يعمي فإن حب الله ورسوله يعصم من ذلك. ومحبة الله في كل الأحوال هي أعلى الحب وأغلاه، لأنه يضيء الدرب للمؤمنين. فمحبة الله توجب طاعة الله، ومحبة ما يحبه، ومحبة رسوله من لازمها التخلق بأخلاقه، واتباع سنته، والسير على طريقته، وفي الحديث النبوي: “أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي”.
إن الالتفاف حول راية أنصار الله بقيادة قائد المسيرة القرآنية السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- محبة لله ولرسوله ولشريعته يوقظ في النفوس معاني الأمل والكرامة لإظهارهم للحق، ودفاعهم عن كرامة اليمن وسيادتها، وحفظ ثرواتها، فقد يكون نصرهم سبباً لنصر الإسلام والمسلمين، فيأمن الخائف، ويعود المهجر إلى داره، ويستعيد المظلوم حقه، وتتحرر أرضه، ويتحرر الأقصى، ويستعيد الشعب الفلسطيني مكانته، وتنتصر الجمهورية الإسلامية في إيران.
فمن منح الثقات محبته على الخير أعانوه، وصفت له أيامه، وتحققت أمانيه وأحلامه، والمعتدي يُرَدّ على بغيه وعدوانه، {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
فمحبة الله ورسوله وشريعته وعباده المؤمنين سعادة وريادة، وفي الإيمان زيادة، وفي الحديث النبوي: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا”.
وفي الذكر الحكيم: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}، والله يحب المقسطين مع أهلهم وأنفسهم وإخوانهم وفي حكمهم، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، ويقول سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
فمحبة الله حياة القلوب، والثبات زاد الطريق، والحكمة ميزان القوة، والعدل روح النصر؛ ومن جمعها فقد جمع من أسباب الفلاح ما يجعله عزيزاً عند الله، نافعاً لعباده، ثابتاً أمام الفتن، لا تستخفه قوةٌ ولا تكسره محنة.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن
التعليقات مغلقة.