صنعاء سيتي | متابعات
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المدن التي تُدمَّر. فهناك حرب أخرى أقل وضوحاً، لكنها أكثر امتداداً في حياة الناس: حرب تمتد من ساحات القتال إلى الموانئ والأسواق ومصانع الأسمدة وحقول القمح، ثم تنتهي على مائدة الأسر وفي قدرتها على شراء غذائها.
وفي عالم شديد الترابط، لم يعد النزاع المسلح شأناً محلياً بالضرورة. فقد يؤدي تضرر ميناء أو إغلاق ممر ملاحي أو ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى موجة من التداعيات تصل إلى دول بعيدة آلاف الكيلومترات عن ساحة المعركة. وتكشف التطورات الأخيرة أن الأمن الغذائي العالمي أصبح واحداً من أكثر المجالات حساسية للصدمات الجيوسياسية.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في أغسطس/آب 2026 إلى أعلى مستوى لها منذ أواخر عام 2022، مع مساهمة الصراعات الجيوسياسية واضطرابات التجارة في منطقة البحر الأسود، إلى جانب العوامل المناخية، في زيادة المخاطر على الإمدادات والأسعار.
التأثير الاقتصادي للحرب لا يبدأ وينتهي بالإنفاق العسكري. فالحرب تضرب في وقت واحد عدداً من مفاصل الاقتصاد.
أول هذه المفاصل هو الطاقة. ارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع تكلفة النقل والكهرباء والتدفئة والصناعة. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فالزراعة الحديثة تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة في تشغيل الآلات وإنتاج الأسمدة ونقل المحاصيل وتخزينها.
وهنا تظهر الحلقة الأخطر: ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الأسمدة، وارتفاع تكلفة الأسمدة يرفع تكلفة إنتاج المحاصيل، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار الغذاء.
وقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن ارتفاع تكاليف المدخلات، ولا سيما الطاقة المستمدة من الوقود الأحفوري، يمثل عاملاً مباشراً في ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والأسعار الغذائية.
أما العامل الثاني فهو التجارة الدولية. فالحروب قد تعطل الموانئ والممرات البحرية والسكك الحديدية، وتفرض قيوداً على الصادرات أو الواردات، أو تدفع الدول إلى تخزين السلع الاستراتيجية خوفاً من المستقبل. وعندما تتراجع حركة التجارة، لا تكون المشكلة دائماً في نقص الغذاء نفسه، وإنما في صعوبة نقله من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.
وهذا ما يجعل العالم أمام مفارقة خطيرة: قد يكون الغذاء موجوداً على المستوى العالمي، لكن ملايين الناس لا يستطيعون الوصول إليه أو شراءه.
الغذاء… السلاح الصامت للحرب
الزراعة تحتاج إلى الاستقرار أكثر مما تحتاج معظم القطاعات الأخرى. فالمزارع يحتاج إلى أرض آمنة، ومياه، وبذور وأسمدة، ووقود، وعمال، وطرق ومخازن وأسواق.
وعندما تندلع الحرب، يمكن أن تختفي هذه العناصر واحداً تلو الآخر.
قد تُهجر الأراضي الزراعية، أو تتضرر شبكات الري، أو تتوقف المصانع، أو تُدمّر المخازن والأسواق، أو يصبح نقل المحاصيل خطراً. وفي بعض النزاعات، لا يكون الغذاء مجرد ضحية للحرب، بل يتحول إلى وسيلة للضغط على السكان.
وتظهر هذه الصورة بوضوح في مناطق مثل غزة والسودان، حيث ارتبط الصراع بصورة مباشرة بتدهور القدرة على إنتاج الغذاء والحصول عليه وتوزيعه. وقد أكد تقرير الأمن الغذائي العالمي لعام 2026 أن الصراع ظل أحد أهم المحركات العالمية لانعدام الأمن الغذائي الحاد، وأن عام 2025 شهد تأكيد وجود مجاعتين في غزة والسودان.
وفي عام 2025، واجه 266 مليون شخص في 47 دولة وإقليماً مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق بيانات التقرير العالمي حول أزمات الغذاء. كما أن نحو 1.4 مليون شخص وصلوا إلى مستويات كارثية من الجوع.
قد يبدو ارتفاع أسعار القمح أو النفط مشكلة عالمية، لكنه في الحقيقة ليس متساوياً في تأثيره على الدول.
الدول الغنية تستطيع، ولو جزئياً، امتصاص الصدمة من خلال دعم الغذاء، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، ومساعدة الأسر الفقيرة.
أما الدول الفقيرة أو التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء والطاقة، فإنها تواجه معادلة أكثر قسوة.
فعندما ترتفع أسعار القمح مثلاً، ترتفع تكلفة استيراده. وإذا ارتفع النفط في الوقت نفسه، ترتفع تكلفة نقله. وإذا ارتفعت أسعار الأسمدة، ترتفع تكلفة الإنتاج المحلي أيضاً. وفي النهاية تجد الحكومة نفسها أمام خيارين صعبين: رفع الأسعار على المواطنين أو زيادة الدعم، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى اتساع العجز والدين العام.
لهذا فإن أفقر الدول هي غالباً الحلقة الأضعف في سلسلة الصدمات العالمية.
الفقراء يدفعون الفاتورة الأكبر
ليس الفقر وحده هو العامل الحاسم؛ فالأسر ذات الدخل المحدود تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء مقارنة بالأسر الميسورة.
ولهذا فإن ارتفاع أسعار المواد الأساسية لا يعني بالنسبة إلى الأسرة الغنية سوى تقليص بعض النفقات، بينما قد يعني بالنسبة إلى الأسرة الفقيرة التخلي عن بعض الوجبات أو استبدال الغذاء المغذي بمواد أرخص وأقل قيمة غذائية.
ومن هنا يتحول التضخم الغذائي إلى مشكلة اجتماعية وصحية، وليس مجرد مشكلة اقتصادية.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تتزامن الحرب مع الجفاف أو الفيضانات أو ضعف الاقتصاد. فالتقرير العالمي لأزمات الغذاء يوضح أن الصراعات والصدمات الاقتصادية والمناخية والنزوح القسري تعمل غالباً معاً، وليس بصورة منفصلة.
إفريقيا والشرق الأوسط… المناطق الأكثر هشاشة
إذا كان العالم كله يتأثر بالحروب، فإن التأثير لا يتوزع بالتساوي جغرافياً.
وتبدو أجزاء واسعة من إفريقيا والشرق الأوسط أكثر تعرضاً للخطر، بسبب تداخل عدة عوامل: الاعتماد على الواردات الغذائية، ضعف القدرة المالية للحكومات، النزاعات الداخلية، الجفاف، ضعف البنية التحتية وارتفاع معدلات الفقر.
السودان مثال صارخ على ذلك؛ فقد أدى استمرار الحرب إلى تدمير سبل المعيشة والنزوح الواسع وتدهور الإنتاج الزراعي والوصول إلى الغذاء. كما تواجه دول أخرى مثل جنوب السودان واليمن والصومال وأجزاء من منطقة الساحل مخاطر متشابكة من الصراع والجفاف والفقر.
وفي عام 2025، كان أكثر من 85 مليون شخص نازحين قسراً في سياقات أزمات غذائية، وكان النازحون أكثر عرضة للجوع الحاد من المجتمعات المضيفة في كثير من الحالات.
أوكرانيا والبحر الأسود: مثال على ترابط الأمن الغذائي العالمي
أظهرت الحرب في أوكرانيا للعالم مدى ارتباط الأمن الغذائي بأسواق الطاقة والنقل والتجارة.
فأوكرانيا وروسيا من اللاعبين المهمين في تجارة الحبوب والأسمدة والطاقة. وأي اضطراب في صادرات منطقة البحر الأسود يمكن أن ينتقل سريعاً إلى الأسواق العالمية، حتى لو لم تكن الدول المستوردة طرفاً في الحرب.
والدرس الأهم هنا أن الأمن الغذائي لا يعتمد فقط على كمية ما تنتجه دولة ما، بل على قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية وإلى الطاقة والأسمدة والنقل.
كما أصبحت منطقة الشرق الأوسط أكثر حساسية للاقتصاد العالمي بسبب موقعها في منظومة الطاقة والتجارة الدولية.
وقد حذرت مؤسسات دولية في 2026 من أن الصراعات في المنطقة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة واضطراب سلاسل الإمداد الزراعية والغذائية. وأكد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأغذية العالمي أن الحرب في الشرق الأوسط تحمل آثاراً اقتصادية وأمنية غذائية تتجاوز حدود المنطقة.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: فكلما توسع الصراع جغرافياً، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بالمناطق التي تتعرض للقصف، بل أصبحت مرتبطة بالطاقة والشحن والتجارة والأسواق المالية.
هل نحن أمام أزمة غذاء عالمية جديدة؟
ليس من الدقيق القول إن العالم يتجه بالضرورة إلى نقص غذائي شامل. فالقدرة الإنتاجية الزراعية العالمية ما زالت كبيرة، والأسواق العالمية تستطيع في كثير من الأحيان تعويض جزء من النقص.
لكن المشكلة تكمن في الهشاشة.فالنظام الغذائي العالمي أصبح شديد الاعتماد على شبكات معقدة من الطاقة والأسمدة والنقل والتجارة. ولذلك فإن سلسلة من الصدمات المتزامنة قد تكون أخطر من صدمة واحدة.
وما حدث في أغسطس/آب 2026 يعطي مثالاً واضحاً على ذلك؛ فقد ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء إلى 133.3 نقطة، مع ارتفاع أسعار الحبوب وغيرها من المجموعات الغذائية، في وقت تراجعت فيه توقعات إنتاج الحبوب العالمية لعام 2026.
من يدفع الثمن الأكبر؟
يمكن ترتيب المتضررين تقريباً وفق أربع حلقات:
أولاً: السكان الموجودون في مناطق الحرب.
هؤلاء يخسرون الأمن والغذاء والدخل والبنية التحتية في الوقت نفسه، وقد يصل الوضع إلى المجاعة.
ثانياً: الدول الفقيرة والمستوردة للغذاء.
تواجه ارتفاعاً في فاتورة الاستيراد، وتراجعاً في قدرتها على دعم المواطنين.
ثالثاً: الأسر محدودة الدخل في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
فالارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة يلتهم جزءاً أكبر من دخلها.
رابعاً: الاقتصاد العالمي بأسره.
فالحروب الطويلة تعني استثمارات أقل في التنمية، وإنفاقاً عسكرياً أكبر، واضطراباً في التجارة، وارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، ومزيداً من عدم اليقين.
لكن المفارقة أن الأكثر فقراً غالباً ما يدفعون الثمن الأكبر، رغم أنهم الأقل قدرة على التأثير في أسباب الأزمة.
وتكشف الحروب المعاصرة أن الاقتصاد العالمي والغذاء أصبحا جزءاً من معادلة الصراع نفسها.
فالصاروخ الذي يصيب ميناءً قد يرفع تكلفة الشحن، وارتفاع تكلفة الشحن قد يرفع سعر الحبوب، وارتفاع سعر الحبوب قد يرفع سعر الخبز، وارتفاع سعر الخبز قد يدفع ملايين الأسر إلى تقليص غذائها.
وهكذا تنتقل الحرب من الجبهة إلى السوق، ومن السوق إلى الأسرة.
أما السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم فلا يتعلق فقط بكمية الغذاء التي ينتجها العالم، بل بقدرة العالم على إيصال الغذاء إلى من يحتاجه، وبأسعار يستطيع تحمّلها، في عالم تتزايد فيه الحروب والأزمات المناخية والاضطرابات الاقتصادية.
ولعل أخطر ما في أزمة الغذاء ليس أن ينفد الطعام من العالم، وإنما أن يصبح الطعام موجوداً، بينما يعجز ملايين البشر عن الوصول إليه.
وهنا يتحول الأمن الغذائي من قضية اقتصادية إلى قضية إنسانية وسياسية وأمنية عالمية؛ لأن الجوع لا يولد المعاناة فقط، بل يمكن أن يولد الهجرة والاضطراب الاجتماعي وعدم الاستقرار والصراعات الجديدة، فتبدأ دائرة أخرى من الأزمات.
التعليقات مغلقة.