أمريكا في زمن ترامب.. أزمة عابرة أم بداية رحلة الأفول؟
صنعاء سيتي | تقرير تحليلي خاص
في وقت يعاني فيه المجتمع الأمريكي من استقطاب سياسي حاد وتصاعد القلق حول تداعيات الذكاء الاصطناعي، يفتح حوار نشرته صحيفة نيويورك تايمز بين الكاتبيْن فرانك بروني وبريت ستيفنز باباً نقاشياً واسعاً حول مستقبل القوة العظمى.
ويتجاوز النقاش حدود الأداء السياسي المباشر للرئيس دونالد ترامب ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل دخلت الهيمنة الأمريكية مرحلة الأفول النهائي، أم أن البلاد أمام عارض مؤقت يمكن تجاوزه بفضل مرونة مؤسساتها؟
يستهل بريت ستيفنز نقاشه بالإشارة إلى أن ترامب قلب معادلة الرئيس الأسبق ثيودور روزفلت – القائمة على التحدث بهدوء وحمل العصا الغليظة – ليصبح صوته مرتفعاً بلا قوة مقنعة. ويحذر ستيفنز من أن هذا النهج يضع واشنطن في أخطر مراحل العمل السياسي وفق مفاهيم نيكولو مكيافيلي: أن تكون الدولة مكروهة لكنها غير مخيفة، وهو ما ينعكس سلباً على تعاملها مع خصومها وحلفائها على حد سواء، ككندا وإيران والصين.
ومع ذلك، يرفض ستيفنز فكرة أن هذا الوضع يعكس أفولاً هيكلياً، معتبراً أن تأثير ترامب سينتهي بانتهاء ولايته القانونية في 20 يناير 2029، ومعوّلاً على قدرة النظام الأمريكي والمجتمع على استعادة توازنهما، مستشهداً بفرصة الديمقراطيين لاستعادة الكونغرس في انتخابات نوفمبر المقبل.
في المقابل، يبدي فرانك بروني تشاؤماً أعمق؛ فهو لا يرى في ترامب مجرد انحراف عرضي، بل يعتبره تعبيراً صارخاً عن تيار جذري متجذر في الوجدان الأمريكي. ويشير إلى أن صعوده يعكس تحول قطاعات واسعة من الناخبين نحو مشاعر الاستياء وفقدان الثقة بنقاط قوة بلادهم، مشبهاً الولايات المتحدة بإمبراطوريّة بلغت قمتها وبدأت رحلة الهبوط التدريجي.
ويرفض بروني الاعتماد المفرط على مقولة “لقد مررنا بما هو أسوأ” – كتاريخ الفصل العنصري والأزمات الاقتصادية الكبرى – موضحاً أن العالم المعاصر يختلف جذرياً بسبب دور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في تضخيم الانقسامات، وخلق حقائق متصارعة، وتخريب البيئة المعلوماتية.
يشهد النقاش تقاطعاً بين رؤيتين تاريخيتين:
-
تيار التفاؤل المؤسسي (ستيفنز): يستند إلى مقولة بيل كلينتون بأن “ما من خطأ في أمريكا لا يمكن علاجه بما هو صحيح فيها”، مؤكداً أن التاريخ الأمريكي أثبت مراراً قدرته على تصحيح مساره الداخلي.
-
تيار القلق الوجودي (بروني): يرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في إدارة سياسية بعينها، بل في مجتمع باتت فئاته تحمل تصورات متضاربة جذرياً حول الهوية الأمريكية نفسها.
يمتد النقاش ليكشف قلقاً موازياً في قطاع التعليم العالي، حيث يناقش الكاتبان تنامي ظاهرة الغش الأكاديمي المرتبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي. ويؤكدان أن المعالجة لا تقتصر على فرض اختبارات تقليدية، بل تتطلب معالجة الضغوط النفسية المتزايدة على الطلاب وخلق بيئة تشجع على التعلم الحقيقي وتجاوز الأخطاء.
خلاصة المشهد: لا يقدم الحوار حكماً نهائياً، لكنه يلخص أزمة الهوية التي تعيشها واشنطن اليوم؛ فالمشكلة الحقيقية لم تعد محصورة في شخص الرئيس أو سياساته، بل في تساؤل مصيري: هل تستطيع المؤسسات الأمريكية الصامدة تجاوز شرخ ثقافي واجتماعي بات يهدد تماسك القوة العظمى من الداخل؟
التعليقات مغلقة.