هُنا صنعاء حيثُ يُزهر التاريخُ بنبضِ محمّدٍ
صنعاء سيتي | مقالات | عبد القوي السباعي
أيُّ سرٍّ هذا الذي ينبثقُ من أعمقِ الشرايين، فيغسلُ أدرانَ العصر، ويردُّ إلى الزمانِ اتّزانَه الضائع بين زحامِ التقنيةِ وعواصفِ الثقافاتِ المغلوطةِ والمفاهيمِ الملتبسة؟ أكان هذا صدىً يمانيًّا عتيقًا اختمرَ في كرمةِ التاريخ، أم شلّالَ حداثةٍ يتفجّرُ من روحٍ لا تعرفُ الإعياء؟
هُنا.. تتساءلُ النفسُ وهي ترقبُ تلك الملايينَ المشدودةَ إلى لحظةِ تجلٍّ تجرفُ كلَّ معاني الانكسار؛ إذ كيف يصنعُ اليمانيّونَ استثناءَهم الخالدَ من بين شعوب الأمة، وفي زمنِ الانبطاحِ والهوان؟
هُنا.. تبتدئُ اللحظةُ، ويتجلّى وهجُ الجوابِ عن سائرِ التساؤلات، حين يتردّدُ الصوتُ العذبُ جليًّا، ممتزجًا بابتسامةٍ تفيضُ سكينةً ويقينًا ووقارَ: “نفسي لكم الفداءُ يا شعبَ الوفاءِ”، تنسابُ الكلماتُ في أرجاءِ الروحِ كما تنسابُ أنوارُ الفجرِ في حُلكةِ الليل، لتطبعَ على جبينِ الذكرى الشريفةِ لمولدِ النورِ في عامِها 1448هـ طابعًا لا نظيرَ له ولا يشبهه شيء.
إنّه السيّد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يطلّ مخاطبًا هذا الحشد الجماهيريّ والزخم العارم؛ فتبدو الصلة بين سليل المصطفى المختار وأحفاد الأنصار كأنّها نهرٌ أزليّ يجري من إبراهيم وإسماعيل، ومن هود وأيّوب، مرورًا بعليّ وعمّار ومالك والمختار، وصولاً إلى هذا الحاضر المتّقد باليقين والثبات.
ذكرى واحتفاليّة تمرّ بنا، نحن اليمانيّين، كما تمرّ المواسم بسائر الشعوب؛ غير أنّنا، ليس كسائر البشر، نعدّها تجديدًا لعهدٍ أزليّ، وهويّةً إيمانيّةً يمانيّةً صاغتها يدَا الحكمة والوفاء، لتجري في دماء هذا الشعب العزيز امتدادًا وإخلاصًا إلى يوم اللقاء برسول الله المصطفى -صلّى الله عليه وآله- عند الحوض المورود.
عندما ترقبُ العيون وتطلّع النفوس إلى المشهد الرحب في صنعاء وسائر الساحات؛ أليس هذا الطوفان البشري إلا لوحةً أسطوريةً جاوزت حدود الزمان والمكان؟
نعم.. لقد غدت الميادين جسورًا لروحٍ جماعيةٍ تأبى الخضوع، إذ استحالت محبّةُ نبيّ الرحمة إلى قوّةٍ حاشدةٍ تهزّ أركانَ الطغيان الاستكباري المتمثّل في (أمريكا وإسرائيل) ومن يدور في فلكهما كالنظام السعودي والإماراتي.
فكيف تمكّن هذا الشعب الأصيل من أن يحوّل هذه الذكرى وهذا الفرح الديني إلى موقفٍ سياسيٍّ وأخلاقيٍّ راسخ، يحطّم به مخطّطات التفتيت والاستباحة، ويصون أرضه وإنسانه من التردّي في متاهات التبعية والوصاية، ودهاليز العمالة والارتهان؟
احتشادٌ مليونيٌّ شهدته العاصمةُ والأمصار الحرة؛ فكان صورةً جليّةً لعزيمةٍ لا تخبو وتجسيدًا ناصعًا لعنفوانٍ لا يلين، وتأهّبٍ وإباء، وتلاحمٍ يتحدّى خذلانَ العالم الصامت الخانع، وحالة تفويضٍ مطلقٍ وولاءٍ وثيقٍ للقيادة القرآنية؛ إنّه إعلانٌ صريحٌ بأنّ سائرَ السبل المتاحة لمجابهة قوى الاستكبار إنّما هي سبيلُ الأمة جمعاء.
هُنا.. التقت أصالةٌ مختومةٌ بوفاءِ الأنصار بحداثةِ الموقف التحرّري الجهادي المقاوم، ليرسمَ اليمنيون، أحفادُ الأنصار، ملحمتَهم الخالدة.. أمةٌ يخفق قلبُها بحبّ محمد، وتستمدّ من هديه ومنهاجه ونوره قوّةً تهدّ أركانَ البغي والعدوان وتزلزل قواعد الظلم والجبروت، وتمضي بثباتٍ إلى الغدِ المأمول، نحو: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
التعليقات مغلقة.