العدل أو السقوط.. رسالة اليمن إلى قادة العدوان
صنعاء سيتي | مقالات | حسين بن محمد المهدي
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
إن القوة الحقيقية لا تنفصل عن العدل، وأن الردع المشروع لا يتعارض مع الدعوة إلى الإنصاف ورد العدوان بمثله.
ومما لا ريب فيه أن من عدل في حكمه، وكفَّ عن ظلمه، نصره الحق، وأطاعه الخلق، وصفت له النعماء، وأقبلت عليه الدنيا، فتهنأ بالعيش، واستغنى عن الجيش، وأمن الحروب.
وقديمًا قيل:
عليك بالعدل إن وليت مملكةً ** واحذر من الجور فيها غاية الحذر
فبالعدل ثبات الأشياء، وبالجور زوالها.
وبالعدل يعلو بناء الإنسان، ويصان دمه وماله وعرضه.
فمن عدل في ولايته ظفر بغايته، وأمن في بداية أمره ونهايته.
فمن ظلم وجار كانت عاقبته الهلاك والبوار، فإن الله، جلَّت قدرته، إنما أوجب الحدود ليُزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وإنما فرض الله القصاص من أجل حياة العباد، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟
فالزعيم العاقل لا يسلك سبيل الظالمين، ولا يسلط المستكبرين على إخوتهم في الدين، فهو ينظر إلى قدرة الله عليه غدًا، وهو مأسور في يومٍ ليوفَّى فيه ما عمل، وتَعنو الوجوه للحي القيوم: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}.
وقد صبر يمن الإيمان والحكمة على ظلم جيرانه له، وقطيعة أرحامه من قبل أهله وإخوانه، حتى أعلن نفاد صبره بعد مرور نحو اثني عشر عاماً، بعد أن مكَّنه الله من صناعة الطائرات المتطورة، والصواريخ فرط الصوتية، والعتاد العسكري المتطور، فأعلن دفاعه عن وطنه، ومراجعته لهؤلاء المعتدين بالرجوع عن ظلمهم، والبعد عن تهورهم، وسعيهم لمؤازرة من يعلنون الحرب على الإسلام في فلسطين ولبنان وإيران ويمن الإيمان والحكمة، فلم يجدوا العدل في أمرهم وحربهم، متناسين وصية ربهم: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
ومن لم يكن عادلًا في كلامه كان آثمًا في قطيعة أرحامه ومعاداة إخوانه، غير عابئ بما ورد في القرآن وأحكامه: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}.
وإذا كانت هذه السنن الإلهية ثابتةً في جميع الأمم، فإن واقع أمتنا اليوم يقدم شاهدًا حيًّا على أن الصبر على الظلم ليس ضعفًا، وأن الحلم ليس عجزًا، وإنما هو موقفٌ تحكمه الحكمة حتى إذا استنفدت وسائل الإصلاح، وأصرَّ المعتدي على عدوانه، كان الدفاع عن النفس والكرامة والحقوق حقًا كفلته الشرائع السماوية والقوانين الفطرية.
ألا إنَّ اليمن، بفضل الله، له قيادة راشدة، وقدرة على رد كيد المعتدين، وعزيمة أكيدة، آخذة ذلك من هدي القرآن العظيم.
لله درُّ الحزم حين يثارُ ** وبه تعزُّ مواقفٌ وتدارُ
ما لان سيفُ الحق يومًا خاشعًا ** بل ظل يلمع بالإباء البتار
إن الكرامة لا تصان بذلةٍ ** لكن بعزمٍ صاغه الأحرارُ
فلسان حال اليمن واليمنيين يقول في مثل هذه الحال:
نحنُ الذينَ إذا ادلهمَّ خطيبُها ** ركبوا الوغى وبالعزيمة ساروا
نمضي ولا نخشى الخطوب فإننا ** أهلُ اليقينِ وبالتقى أحرارُ
يا ربَّ فامنحنا من التوفيق ما ** يمحو الظلام لتشرق الأنوارُ
واجعل لنا في كل أرضٍ رفعةً ** وانصر عبادك إنهم أبرارُ
فالحق يبقى شامخًا في أهله ** والباطل المنهار يا أحرارُ
فإذا كان الظلم كله سيئًا، فإن من أسوأ الظلم ظلم القرابة والأخوة في الدين، وظلم الإخوة من المؤمنين من الجيران والأقربين، ولهذا حذر الله منه العباد أجمعين.
كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه النبي الأعظم: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا».
وجاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».
فالظلم ترجع عاقبته على صاحبه، ولهذا قيل: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها.
إن الليالي لا تدوم لظالمٍ ** ولكل جبارٍ أتاه بوارُ
والحق إن طال المدى متأخرًا ** فلسوف تظهر شمسه الأنوارُ
ما خاب قومٌ أخلصوا في سعيهم ** واستمسكوا بالصبر وهم أبرار
إن العقيدة في القلوب إذا سمت ** هانت أمام ثباتها الأخطارُ
وسيكتب التاريخ يوم نهوضنا ** أن الهدى يعلي به الجبارُ
إن الأمة الإسلامية تحيط بها الأخطار، ويتربَّص بها الأشرار، ولهذا فإننا ندعو من لجَّ في عدوانه، وتعالى في سلطانه، وظلم في اليمن إخوانه، أن يعود عما وقع فيه.
فالزعيم الذي تأخذه العزة بالإثم يقع في سوء التدبير، وإن كثر ماله، وعظم جاهه، واتسعت معلوماته تشتت أحواله، وساءت أقواله وأفعاله.
فلم يضرب الله الأمثال في القرآن عبثًا، ففي سورة الأنعام: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}.
وفي سورة القصص عبر وقصص: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
إن رسالة هذا المقال ليست دعوةً إلى خصومة، ولا تحريضًا على نزاع، وإنما هي تذكير بسنةٍ ربانية لا تتبدل، وهي أن العدل أساس البقاء، وأن الظلم نذير الفناء.
ومن أراد الأمن لنفسه، والاستقرار لوطنه، والرفعة لأمته، فليلزم ميزان العدل في قوله وفعله وحكمه، فإن الله يمهل الظالم ولا يهمله، وإذا أخذ الظالم لم يفلته.
والعاقل من اتعظ بغيره قبل أن يكون عبرةً لغيره، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
* عضو رابطة علماء اليمن
التعليقات مغلقة.