صنعاء سيتي | متابعات
في مشهدٍ يعكس حجم السخط الشعبي العارم، خرجت الحشود المليونية في العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات اليمنية في مسيراتٍ مهيبة، لم تكن مجرد تعبير عن الاحتجاج، بل كانت صرخة حقٍ مدوية في وجه الغطرسة الأمريكية.
جاء هذا التحرك الشعبي رداً على التصريحات المستفزة والمسيئة التي أطلقها “ترامب”، والتي تجرأ فيها على أقدس مقدسات المسلمين، الكعبة المشرفة ومكة المكرمة، في استخفافٍ صارخٍ بمشاعر أكثر من مليار مسلم حول العالم.
لقد أكدت الجماهير المحتشدة أن المساس بالمقدسات الإسلامية هو اعتداء مباشر على صميم العقيدة، لا يمكن السكوت عنه أو القبول بتمريره تحت أي مبرر.
إن هذه الإساءة ليست مجرد زلة لسان، بل هي تعبير عن عقلية استعلائية ترى في مقدسات الشعوب مادةً للمزايدات السياسية.
لقد أثبتت هذه المسيرات أن الشعب اليمني، رغم كل ما يواجهه من عدوان وحصار، يظل حائط الصد الأول في الدفاع عن قضايا الأمة ومقدساتها، مؤكدةً أن أي انتهاك لهذه الخطوط الحمراء سيواجه برفضٍ قاطع وإرادةٍ لا تلين.
بعيداً عن الإساءات الدينية، كشفت الحقبة التي ارتبطت بـ “ترامب” عن الجوهر الحقيقي للسياسة الخارجية الأمريكية التي ظلت تتخفى خلف شعارات الديمقراطية.
لقد بات واضحاً أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تقيم وزناً للشراكات التاريخية أو المواثيق الدولية، بل تختزل العالم في منطق “المصلحة الأمريكية الضيقة” فقط.
هذا الانكفاء على الذات وهذا الاستعلاء أديا إلى تآكل الثقة مع الحلفاء، بما في ذلك دول حلف شمال الأطلسي، حيث بدأت الأزمات تضرب جدران التحالفات التي صمدت لعقود.
تظهر الولايات المتحدة اليوم بمظهر القوة التي تفقد بوصلتها السياسية؛ فمكانتها الدولية في تراجع مستمر، وصورتها أمام العالم باتت مرتبطة بالانخراط في صراعات لا تنتهي.
وبالنظر إلى التاريخ الأمريكي الذي يمتد لـ 250 عاماً، نجد أن “الحرب” كانت دائماً الخيار الأول والأساسي لصناع القرار فيها.
فمنذ اللحظات الأولى لنشوئها، ارتبط التاريخ الأمريكي بالاجتياحات، والتدخلات العسكرية، ومحاولات فرض الهيمنة بالقوة، مما جعل واشنطن مصدراً لزعزعة الأمن والسلم الدوليين بدلاً من أن تكون صمام أمان لهما.
إن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران كانت بمثابة “كاشف” حقيقي للسياسات الدولية. ففي حين نأت دول الناتو – أقرب حلفاء أمريكا – بنفسها عن الانخراط في عدوان غير مبرر، سارع “عربان الخليج” لتقديم كل أشكال الدعم السياسي والمالي واللوجستي، فاتحين أراضيهم لتكون منطلقاً للعدوان الأمريكي.
هذا السلوك الإقليمي الذي وُصف بـ “الغباء السياسي”، يمثل وصمة عار في تاريخ قادة هذه الأنظمة، حيث فضلوا الانصياع لأجندة أجنبية على حساب استقرار أمنهم الإقليمي ومصالح شعوبهم، وهو ما يضع المنطقة في مهب الريح نتيجةً لهذا التبعية العمياء.
ختاماً، فإن ما يحدث اليوم يؤكد أن العالم أمام مرحلة مفصلية، حيث لم تعد السياسة الأمريكية تشكل خطراً على دولة بعينها، بل باتت تهديداً حقيقياً للأمن والسلم العالمي، وما خروج الشعب اليمني إلا تأكيدٌ على أن الشعوب الحرة تظل الضمير الحي الذي يفضح هذه الممارسات ويواجهها بكل شجاعة وثبات.
التعليقات مغلقة.