الهوية الإيمانية في مواجهة الوصاية.. السيد القائد يرسم معالم النهضة اليمنية ويؤسس لمعركة التحرر والسيادة

صنعاء سيتي | تقرير

في لحظةٍ مفصلية تعيشها الأمة، وفي ظل تصاعد مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية الهادفة إلى تفكيك الشعوب ونهب الثروات ومصادرة القرار الوطني، جاءت المحاضرة الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” لتضع أمام الشعب اليمني والأمة الإسلامية خارطة وعي متكاملة، تربط بين معركة الهوية والوحدة والسيادة الاقتصادية والتحرر الوطني، وتكشف في الوقت ذاته حجم المؤامرة التي تستهدف اليمن والمنطقة بأسرها.

المحاضرة التي تزامنت مع الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، لم تكن مجرد حديث عن مناسبة وطنية، بل شكلت قراءة استراتيجية عميقة لطبيعة التحديات التي واجهت اليمن منذ قيام الوحدة وحتى اليوم، وكشفت بوضوح كيف تحولت الأطماع الخارجية والارتهان للخارج إلى أخطر تهديد يستهدف وحدة اليمن واستقلاله وثرواته ومستقبله، في مقابل التأكيد على أن الهوية الإيمانية والنهج التحرري يمثلان الضمانة الحقيقية لصون البلاد وإفشال كل مشاريع التمزيق والاحتلال.

الوحدة اليمنية.. إنجاز وطني في مواجهة مشاريع التفكيك

منذ اللحظات الأولى للمحاضرة، حرص السيد القائد على توجيه التهاني للشعب اليمني بمناسبة عيد الوحدة اليمنية، مؤكداً أن الوحدة ليست مجرد حدث سياسي عابر، وإنما استحقاق وإنجاز وطني كبير يجب الحفاظ عليه وترسيخه على الأسس الصحيحة.

وفي تشخيص بالغ الدقة، أوضح السيد القائد أن التجربة اليمنية منذ قيام الوحدة أثبتت أن هناك عاملين رئيسيين ظلا يستهدفان هذا المنجز الوطني الكبير؛ أولهما الأطماع الشخصية والحزبية والفئوية في الداخل، وثانيهما الارتهان للخارج الذي يسعى للسيطرة الكاملة على اليمن ومصادرة حريته واستقلاله واستغلال موقعه الجغرافي وثرواته.

هذا الطرح أعاد تسليط الضوء على حقيقة الصراع في اليمن، باعتباره صراعاً بين مشروع وطني تحرري يريد لليمن أن يكون حراً مستقلاً قوياً، وبين مشروع خارجي قائم على الوصاية والتبعية وتحويل اليمن إلى ساحة نفوذ خاضعة للإملاءات الأمريكية والبريطانية والسعودية.

وفي هذا السياق، أكد السيد القائد أن القوى الخارجية لا تريد للشعب اليمني أن يكون موحداً وقوياً وقادراً على النهوض، بل تسعى لإبقائه في حالة ضعف وارتهان دائم، موضحاً أن النظام السعودي يتبنى هذا التوجه بشكل واضح وصريح، تحت إشراف أمريكي مباشر.

الهوية الإيمانية.. السد المنيع أمام مؤامرات التمزيق

واحدة من أهم الرسائل المركزية في المحاضرة تمثلت في التأكيد على أن الهوية الإيمانية الجامعة للشعب اليمني تمثل الحصن الحقيقي للوحدة الوطنية، والأساس الذي يحفظ الأخوة والتعاون والتماسك الاجتماعي، ويمنع الأعداء من زرع بذور الفرقة والكراهية.

السيد القائد شدد على أن الهوية الإيمانية ليست مجرد شعار ديني، بل منظومة قيمية وحضارية وثقافية تحصّن المجتمع من الاختراق الخارجي، وتمنع مشاريع التطييف والمناطقية والدعشنة والمسخ التكفيري التي استخدمتها قوى العدوان وأدواتها لإثارة الفوضى والنزاعات بين أبناء الشعب اليمني.

وفي توصيف شديد اللهجة، وصف السيد القائد القوى المرتبطة بالخارج بأنها فرّطت بحرية الشعب وكرامته وخانته بكل ما تعنيه الكلمة، لأنها تحركت ضمن أجندات تستهدف تمزيق المجتمع اليمني وإشعال الصراعات الداخلية خدمة للمشروع الأمريكي والصهيوني.

كما أكد أن الشعب اليمني بهويته الإيمانية سيظل عصياً على الانكسار مهما كانت التحديات والمعاناة، وأن كل مشاريع الأعداء الرامية لإخضاع اليمن ستؤول إلى الفشل والزوال، لأن البقاء هو للحقائق المتجذرة في هوية هذا الشعب، الهوية التي شهد لها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.

النهج التحرري.. الطريق نحو الاستقلال والسيادة

ولأن الوحدة الحقيقية لا يمكن أن تستقر في ظل التبعية للخارج، فقد أكد السيد القائد أن النهج التحرري يمثل العامل الثاني الضامن لوحدة الشعب اليمني، باعتباره النهج الذي يحافظ على استقلال البلد ويحقق له النهضة الحقيقية.

وفي هذا الإطار، جدد التأكيد على أن الشعب اليمني لن يقبل أن يكون مجرد ملف يدار من اللجنة الخاصة السعودية أو تحت إشراف لجنة رباعية تضم الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي والسعودي، معتبراً أن ذلك يشكل تهديداً مباشراً لحاضر اليمن ومستقبله وحريته واستقلاله.

هذا الموقف يعكس بوضوح حجم التحول الذي أحدثته ثورة الـ21 من سبتمبر في الوعي الوطني اليمني، حيث انتقل الشعب من مرحلة الارتهان السياسي والاقتصادي للخارج إلى مرحلة التمسك بالقرار السيادي المستقل ورفض الوصاية الأجنبية مهما كانت الضغوط والتحديات.

كما كشف السيد القائد أن القوى الأجنبية وأدواتها المحلية تعمل وفق حسابات عدوانية وتدميرية تهدف إلى تحويل الشعب اليمني إلى شعب مستعبد وخاضع بالكامل، لكن الشعب اليمني ماضٍ في نهجه التحرري ولن يسمح بعودة الوصاية مهما بلغت التضحيات.

المقاطعة الاقتصادية.. سلاح استراتيجي في مواجهة الهيمنة

وفي محور بالغ الأهمية، أعاد السيد القائد تسليط الضوء على سلاح المقاطعة الاقتصادية باعتباره واحداً من أهم ميادين المواجهة مع أمريكا والعدو الصهيوني، مؤكداً أن المقاطعة ليست مجرد موقف رمزي، بل معركة استراتيجية ترتبط بالأمن القومي والاستقلال الاقتصادي والتحرر من هيمنة الأعداء.

وأوضح أن أمريكا والكيان الصهيوني يعتمدان بشكل أساسي على القوة المالية في إدارة مشاريعهما العدوانية والعسكرية والإعلامية، وأن الأموال العربية والإسلامية لعبت دوراً هائلاً في إنقاذ الاقتصاد الأمريكي من أزماته المتكررة.

وفي استعراض يكشف حجم التبعية الاقتصادية الخطيرة، أشار السيد القائد إلى أن حجم الاستثمارات العربية والإسلامية في أمريكا يصل إلى نحو 14 تريليون دولار، فيما تُكدّس أرصدة البنوك العربية والإسلامية هناك لتُستثمر لصالح الأمريكيين قبل غيرهم.

ولفت إلى أن الرئيس الأمريكي يتباهى دائماً بحصوله على تريليونات الدولارات من الأنظمة الخليجية لحل أزمات الاقتصاد الأمريكي وتوفير الوظائف للأمريكيين، بينما تعاني شعوب الأمة من الفقر والحرمان والأزمات المعيشية الخانقة.

التطبيع الاقتصادي.. بوابة السيطرة الصهيونية على المنطقة

وفي تحذير بالغ الخطورة، كشف السيد القائد عن توجه أمريكي – صهيوني لربط اقتصاد المنطقة بالكامل بالعدو الإسرائيلي، عبر مشاريع اقتصادية وتجارية ونقل واستيراد وتصدير تمر عبر فلسطين المحتلة وتخضع للسيطرة الصهيونية.

وأشار إلى المخطط المتعلق بما يسمى “قناة بن غوريون” الهادفة لاستبدال قناة السويس وربط التجارة العالمية بممرات تخضع للهيمنة الإسرائيلية، مؤكداً أن التطبيع يمثل المظلة التي يسعى الأعداء من خلالها إلى السيطرة الكاملة على مقدرات الأمة وتحويل شعوبها إلى رهائن اقتصادية بيد العدو.

وبيّن أن ربط الاتصالات والإنترنت والنشاط الاقتصادي بالعدو الصهيوني يشكل كارثة استراتيجية كبرى، لأنه يمنح الأعداء القدرة على التحكم الكامل باحتياجات الشعوب ومصالحها الحيوية.

اليمن وثرواته المنهوبة.. معركة السيادة الاقتصادية

وفي جانب مهم من المحاضرة، كشف السيد القائد حجم التآمر الذي تعرض له اليمن لمنعه من الاستفادة من ثرواته النفطية والاقتصادية، موضحاً أن النظام السعودي لعب دوراً مباشراً في منع استخراج النفط من الجوف والمهرة ومأرب وحضرموت، لأنه لا يريد للشعب اليمني أن يمتلك مقومات الاستقلال الاقتصادي والعيش الكريم.

وأكد أن السعودية عملت على طرد شركات أجنبية ومنع عمليات التنقيب في عدد من المحافظات اليمنية، في سياق سياسة ممنهجة لإبقاء اليمن بلداً فقيراً وضعيفاً ومعتمداً على الخارج.

كما أشار إلى أن الشعب اليمني حُرم طوال سنوات العدوان وحتى اليوم من الاستفادة من ثرواته الوطنية والنفطية، في وقت تستأثر فيه القوى الخارجية بخيرات البلاد وتسعى لتحويل اليمن إلى سوق استهلاكية لبضائعها ومنتجاتها.

الإنتاج المحلي.. بوابة النهضة الاقتصادية

وفي مقابل هذا الواقع، دعا السيد القائد إلى تحويل المقاطعة الاقتصادية إلى حافز للإنتاج المحلي وبناء اقتصاد وطني مستقل، مؤكداً أن اليمن يمتلك من الإمكانات والموارد ما يؤهله لتحقيق نهضة اقتصادية حقيقية إذا توفرت الإرادة والتوجه الصحيح.

وانتقد بشدة استمرار استيراد منتجات بسيطة يمكن تصنيعها محلياً بسهولة، مثل “الصلصة” وغيرها من السلع الأساسية، معتبراً أن ذلك يعكس خللاً كبيراً في السياسات الاقتصادية والثقافة الإنتاجية.

وأكد أن تحويل رؤوس الأموال إلى الداخل والاهتمام بالزراعة والإنتاج المحلي يمكن أن يحدث تحولاً اقتصادياً كبيراً، مشيراً إلى أن الزراعة يجب أن تكون العمود الفقري للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي.

كما انتقد غياب الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والتنموية في الإعلام والمناهج الدراسية والجامعات، داعياً إلى بناء وعي مجتمعي جديد يقوم على ثقافة الإنتاج والاكتفاء الذاتي والتحرر الاقتصادي.

رؤية قرآنية تبني الأمة وتواجه الهيمنة

المحاضرة الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي جاءت لتؤكد مجدداً أن المشروع القرآني لا يقتصر على الجانب الوعظي أو التعبدي، بل يقدم رؤية متكاملة لبناء الأمة وحماية هويتها واستقلالها وسيادتها الاقتصادية والسياسية والثقافية.

فبين الوحدة والتحرر، وبين الهوية الإيمانية والمقاطعة الاقتصادية، رسم السيد القائد معالم معركة الوعي التي تخوضها الأمة اليوم في مواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية، مؤكداً أن اليمن – بهويته الإيمانية ونهجه التحرري – ماضٍ بثبات نحو إفشال المؤامرات وصناعة مستقبل قائم على الحرية والاستقلال والكرامة والسيادة الوطنية.

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.