من هرمز إلى مجلس الأمن.. إيران ترسم معادلات ما بعد الحرب
صنعاء سيتي | تقرير
تواصل إيران تثبيت معادلات جديدة في مرحلة ما بعد الحرب الأميركية ــ الصهيونية، عبر تصعيد سياسي وعسكري متدرج يؤكد أن مضيق هرمز لم يعد كما كان قبل المواجهة الأخيرة، وأن أي ترتيبات إقليمية أو دولية تتعلق بالممر البحري الأهم عالميًا لن تمر بعيدًا عن الإرادة الإيرانية.
وفي موازاة التحركات الغربية داخل مجلس الأمن، رفعت طهران من سقف تحذيراتها، مؤكدة أن أي تصعيد جديد أو محاولة لفرض وقائع بالقوة سيقابل برد واسع، محملة واشنطن وحلفاءها المسؤولية الكاملة عن أي انفجار محتمل في المنطقة.
في هذا السياق، أكدت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة أن الولايات المتحدة تسعى عبر مشروع القرار الخاص بمضيق هرمز إلى توفير غطاء سياسي لتحركاتها العسكرية، ومحاولة إظهار وجود دعم دولي واسع لسياساتها في المنطقة.
وحذرت البعثة من أن الدول التي تتبنى المشروع الأميركي ستتحمل المسؤولية الدولية إلى جانب واشنطن عن أي تداعيات أو تصعيد جديد قد تشهده المنطقة، مشددة على أن أي غطاء دبلوماسي لن يعفي تلك الدول من تبعات دعم “العدوان الأميركي”.
ويأتي ذلك بالتزامن مع ضغوط أميركية وخليجية داخل مجلس الأمن لتمرير مشروع قرار يتعلق بـ”تأمين مضيق هرمز”، بعد تعديل المسودة الأصلية التي كانت تتضمن إشارات إلى استخدام القوة ضد إيران.
بالتوازي مع المعركة السياسية، تمضي طهران في فرض واقع ميداني جديد داخل مضيق هرمز، حيث أعلن رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي أن بلاده أعدّت “آلية احترافية” جديدة لإدارة الملاحة البحرية في المضيق، سيتم الكشف عنها قريبًا.
وأوضح أن الآلية الجديدة ستشمل تقديم خدمات متخصصة للسفن التجارية والدول المتعاونة مع إيران، إلى جانب فرض رسوم مقابل تلك الخدمات، مؤكدًا أن مضيق هرمز سيظل مغلقًا أمام ما يسمى “مشروع الحرية” الذي تروج له واشنطن.
وفي السياق ذاته، كشف التلفزيون الإيراني أن سفنًا أوروبية دخلت في مفاوضات مباشرة مع بحرية حرس الثورة لتأمين عبورها في المضيق، وسط تأكيدات بأن جميع السفن باتت تنسق مع القوات البحرية الإيرانية لضمان مرور آمن ومنظم.
عسكريًا، شددت وزارة الداخلية الإيرانية على أن جاهزية القوات المسلحة الإيرانية اليوم تفوق ما كانت عليه في بداية الحرب، مؤكدة أن إيران قادرة على إحباط أي تحركات أميركية أو صهيونية في المياه الدولية.
وأكد المتحدث باسم الوزارة علي زيني وند أن الجمهورية الإسلامية غير قابلة للحصار، وأن الأمن الداخلي والحدودي مستقر، في وقت تتواصل فيه الاستعدادات العسكرية تحسبًا لأي تطورات ميدانية جديدة.
وتعكس هذه التصريحات تمسك طهران بخيار الردع، في ظل استمرار التوترات الإقليمية ومحاولات واشنطن إعادة ترتيب المشهد الأمني في الخليج بعد فشلها في فرض معادلات الحرب.
سياسيًا، وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالة إلى بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر، شكره فيها على مواقفه الرافضة للعدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على إيران، مؤكدًا أن ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن “تدمير الحضارة الإيرانية” يعكس عقلية الغطرسة ووهم القوة.
وأوضح بزشكيان أن استهداف المصالح الأميركية جاء نتيجة استخدام قواعد عسكرية في بعض دول الخليج للاعتداء على إيران، مشددًا في الوقت ذاته على أن بلاده لا تسعى لتهديد جيرانها، بل تؤكد رغبتها في بناء علاقات مستقرة وآمنة مع دول المنطقة.
كما أكد الرئيس الإيراني أن بلاده ما تزال متمسكة بالدبلوماسية والحلول السلمية، مع احتفاظها الكامل بحق الدفاع المشروع عن سيادتها ومصالحها.
تكشف التحركات الإيرانية السياسية والعسكرية عن توجه واضح لترسيخ معادلة جديدة في مضيق هرمز، تقوم على أن أمن الملاحة وإدارة الممرات البحرية لا يمكن فصلهما عن الدور الإيراني ومصالح الجمهورية الإسلامية، باعتبارها القوة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في معادلات الأمن الإقليمي.
وفي ظل التصعيد الأميركي ومحاولات تدويل الملف داخل مجلس الأمن، تبدو طهران ماضية في تثبيت وقائع ما بعد الحرب، عبر الجمع بين الردع العسكري والتحرك الدبلوماسي، بما يعكس انتقال إيران من موقع الدفاع إلى فرض معادلات ردع جديدة تحمي سيادتها وتكرّس حضورها الإقليمي.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.