إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرض مِنْها أربعةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنفسكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.

لقد جعل الله الأشهر الحرم لتكون منطقة أمنٍ في الزمان؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكوِّنات أنفسهم، وهتاف أرواحهم للأمن، فجعل في شريعته ما يلبِّي الطبائع والحاجات، والاستجابة إلى الأشواق والمكوِّنات.

فالبشرية كُلُّها بحاجةٍ إلى أمان، وإلى وقتٍ من الأزمنة في وسطِ المعركة المستعرة بين المتصارعين والمتخاصمين في هذه الحياة، من جميع الأنواع والأجناس، لتحلَّ الطمأنينة محلَّ الخوف، ويحلَّ السلام محلَّ الخصام، وترفرف أجنحةٌ من الأمن والسلام، لتتدرَّب البشرية في واقعها العملي بما يُشعر بالراحة والطمأنينة.

ويتوافقُ شهرا ذي القعدة وذي الحجّـة من الأشهر الحرم مع أشهر الحج التي جعل الله فيها منطقة أمان؛ مِن أجلِ عبادة الله وتوحيده: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأرض وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

وقد جمع الله في هذا النص بيانَ حرمة الزمان والمكان.

فجعل بيته الحرام مثابةً للناس وأمنًا، كما جعل الله الأشهر الحرم.

فاجتماع الناس يقوم على الرشد والخير، ولا يقوم على البغي والمبالغة في الظلم، وإنما على المودَّة والأخوَّة، وليس اجتماعًا لنهب ثروةٍ وإخافة أُمَّـة، كما تفعل الصهيونية في تجمعها على سرقة الأرض ونهب ثروات المسلمين وإخافة الآمنين، كما هو الحال في فلسطين وغيرها من البلدان الإسلامية:

متى صهيونُ قد بغت ائتلافًا ** وما للعدل في صهيون رسمُ

قوانينُ الكبار محضُ افتراء ** على الضعفاء وهل في الغاب سلمُ

فما حقُّ السليب يُردُّ يومًا ** إذَا صمت المقاتلة الأشمُّ

وإن عدم الحسام فليس يبقى ** لأيِّ قضيةٍ في الأرض حكمُ

وهل ترجون من صهيون عدلًا ** إذَا تمت له في الصيد غنمُ

فلا تثقوا بوعدٍ دون بأسٍ ** فإن العز يبنيه الأتمُّ

فيا أيها المتثاقلون، هبُّوا من غفلتكم، ففي الأشهر الحرم تُنتهك الحرمات، والصهيونية تحشد أَساطيلها لتحاصر المسلمين في فلسطين وإيران، ويتعاون معها العديد من أهل الشرك والكفر.

ففلسطين هي اليوم الميزان الذي تُوزَن به آدميتكم، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}، والقضية الفلسطينية ليست قضية دينٍ أَو عرقٍ فحسب، وإنما هي قضية الإنسان في مواجهة الوحشية.

إن الوقوف مع شعب فلسطين هو الوقوف مع قيم الحق والعدل، والمجد لا يُكتب إلا لمن غمس يراعتَه في نصرة المظلومين في فلسطين، كما فعل الأبطال في محور المقاومة، وأن يقف بصواريخه وعدته وعتاده، كما وقفت اليمن ولبنان والجمهورية الإسلامية في إيران.

صواريخُ إيران بها النصرُ يُكتبُ ** وينهى سلاحُ المعتدين ويغلبُ

كأنَّ المنايا في فصيح خطابها ** سمتْ وجيوشُ الظالمين تعذَّبُ

يكادُ خُطاها يسبق البرقَ سرعةً ** ويذهبُ في الأمصار أيَّان يذهبُ

كأنَّ صداها الرعدُ بالبرق باعثًا ** من الرعب فيهم وحشةً وتذبذبُ

يكادُ يمسُّ الأرض شؤمُ فعالهم ** فيدركهم عارٌ به الخزيُ يعقبُ

وهل يستوي الجيشان هذا منعمٌ ** وهذا من الموت المحقّق يهربُ

فجيشُ بني الإسلام في عزِّه اعتلى ** وجيشُ بني صهيون بالنار يُضربُ

يكادُ الثرى من تحتهم يبلعُ الثرى ** ويعدمُ بعضُ الأرض بعضًا ويحجبُ

وظني بني الإسلام فيكم محقّق ** يقربه الرحمن فيكم فيقربُ

سلامٌ وإسلام وحفظٌ وعصمةٌ ** لمن كان بالإسلام دومًا يرحبُ

فالخطر المحدق الذي يستهدف الأُمَّــة الإسلامية في هُويتها ووجودها يقتضي مواجهة قوى الاستكبار، فالمرحلة تقتضي يقظةً لا تنام، وفراسةً تميِّز الخبيث من الطيب.

فيا حَمَلة الأقلام، ويا علماء الأُمَّــة، يجب أن تكونوا زمرة الصادقين لتنالوا شرف الدنيا والآخرة، فأنتم الأسود الغاضبة لغضب الله، وبكم وبرجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه في محور المقاومة سيتم النصر المبين والفتح العظيم بإذن الله العزيز الحكيم.

سمتْ في سماءِ المجد شهبٌ تلهَّبُ ** تبشر بأن الفتح بالنصر يُكتبُ

صواعقُ من كفِّ الأباة تحدَّرت ** فما لفلول المعتدين مهربُ

إذا صرخت في الجو خلت زئيرها ** لها صولةٌ يعلو بها الحقُّ يغلبُ

رمى الله؛ إذ رمت الأسود فزلزلت ** حصونٌ لأهل البغي والنار تلهبُ

هو النصر معقودٌ برايات من سعوا ** لإعلاء دين الله هيهات يُغلبُ

رجالًا شروا لله صدق نفوسهم ** فطاب لهم بين الفوارس مشربُ

سلامٌ على من صان للدين عهده ** وبشرى لمن للعز دومًا يرحبُ

إن الوقوف مع محور المقاومة ومع فلسطين الجريحة في خندقها الدفاعي في غزة، ونصرة المستضعفين في أكناف بيت المقدس، ليس خيارًا إسلاميًّا سياسيًّا فحسب، بل هو قتالٌ مقدَّسٌ تفرضه الضرورة الوجودية: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ}، {وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.

فالمسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها، وإنما على الأُمَّــة الإسلامية وعلى الأحرار في كُـلّ بقاع العالم.

فالعالم اليوم بحاجة إلى صحوة ضمير، وإلى صوت جماعي يتجاوز الحدود والانتماءات، ويعيد الاعتبار لقيمة الإنسان ومكانته العليا: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن