مقبرة الغزاة.. حكاية صمود لا تنتهي من الرومان إلى العدوان الحديث
صنعاء سيتي | تقرير | محسن علي
في رقعة جغرافية استراتيجية، لطالما كانت مطمعاً للغزاة والطامعين، يبرز اليمن كاستثناء تاريخي فريد، لم يركع أمام قوة عاتية، ولم يستسلم لإرادة محتل، فمنذ فجر التاريخ، شهدت أرض اليمن صولات وجولات مع إمبراطوريات عظمى وقوى استعمارية، خرجت منها جميعاً مهزومة، تاركة وراءها أسطورة “اليمن مقبرة الغزاة”، اليوم، وفي ظل عدوان يهدف إلى كسر إرادة شعبه، تعود هذه الحكاية لتتجدد، مؤكدة أن الصمود اليمني ليس مجرد رد فعل لحظي، بل هو إرث متجذر في هوية إيمانية راسخة وأعراف قبلية عريقة، هذا التقرير يستعرض أبرز محطات المقاومة اليمنية عبر العصور، من الغزوات القديمة إلى العدوان الحديث، كاشفاً عن سر هذه القدرة الخارقة على الصمود، وكيف تحولت التحديات إلى وقود لروح المقاومة التي لا تعرف الانكسار.
*إرث الصمود من الرومان إلى العثمانيين
لم تكن أرض اليمن يوماً لقمة سائغة للغزاة، بل كانت دائماً قلعة حصينة تتكسر على أسوارها أطماع الطامعين. يعود هذا الإرث المقاوم إلى آلاف السنين، حيث سجل التاريخ أولى صفحاته المشرقة في مواجهة حملة أليس غالوس الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد. فبينما كانت روما تمد نفوذها عبر العالم، وجدت في اليمن حائط صد منيعاً. لم تكن وعورة التضاريس وحدها هي العائق، بل كانت المقاومة الشرسة التي أبداها اليمنيون، ونقص المياه، عوامل حاسمة في إفشال الحملة الرومانية، ليعود ما تبقى من جيشها مهزوماً، تاركاً خلفه درساً تاريخياً بأن اليمن عصي على الغزو .
تلا ذلك الغزو الحبشي (الأكسومي) في القرن السادس الميلادي، حيث سيطر الأحباش على أجزاء من اليمن، لكن الروح المقاومة لم تخمد، فبعد عقود من الكفاح، استعان سيف بن ذي يزن بالفرس لطرد الأحباش، لتبدأ فترة من النفوذ الساساني قبل بزوغ فجر الإسلام، مؤكدة أن اليمن يرفض أي احتلال أجنبي مهما طال أمده .
ومع دخول الإسلام، لم تتوقف محاولات السيطرة الخارجية. ففي العهد العثماني، الذي امتد على فترتين (1538-1635م) و (1849-1918م)، واجه العثمانيون مقاومة عنيفة ومتواصلة من الأئمة الزيديين والقبائل اليمنية، برزت شخصيات قيادية كالإمام القاسم بن محمد الذي قاد ثورة عارمة أدت إلى طرد العثمانيين في عهد ابنه الإمام المؤيد بالله، وفي الفترة الثانية، استمرت المقاومة بقيادة الإمام المنصور بالله محمد بن يحيى حميد الدين وابنه الإمام يحيى، حتى انتهى الوجود العثماني بعد الحرب العالمية الأولى، لُقب اليمن خلال هذه الفترة بـ “مقبرة الأناضول”، في إشارة إلى العدد الهائل من الجنود الأتراك الذين لقوا حتفهم على أرضه، مما يؤكد أن اليمن يمتلك قوة كامنة لا تقهر في الدفاع عن سيادته .
*الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وتجلي الهوية الإيمانية
لم تكن بريطانيا، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، استثناءً في مواجهة الصمود اليمني. فبعد احتلالها لعدن عام 1839م، واجهت مقاومة مستمرة من القبائل في المحميات الجنوبية. لم تكن هذه المقاومة مجرد رد فعل عسكري، بل كانت تجسيداً لـ “الهوية الإيمانية اليمانية” المتجذرة، التي ترفض الخضوع لأي قوة غير الله. هذه الهوية، التي وصفها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، شكلت درعاً حصيناً ضد محاولات التفتيت والفرقة، ودفعت اليمنيين إلى التمسك بأرضهم وعزتهم .
بلغت المقاومة أوجها مع اندلاع ثورة 14 أكتوبر عام 1963م من جبال ردفان، لتشعل فتيل الكفاح المسلح الذي استمر حتى نال الجنوب استقلاله في 30 نوفمبر 1967م، هذه الثورة لم تكن مجرد حركة تحرر وطني، بل كانت تعبيراً عن رفض شعبي عميق للاستعمار، مستندة إلى قيم الشرف والكرامة التي تحكم الأعراف القبلية، وإلى الإيمان الراسخ بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنينـ، وأثبت اليمنيون أن هويتهم الإيمانية ليست مجرد شعارات، بل هي قوة دافعة للصمود والتضحية في سبيل الحرية والكرامة .
*اليمن في مواجهة العدوان الحديث.. استمرارية الإرث
اليوم، يواجه اليمن عدواناً جديداً بدأ في مارس 2015 بقيادة تحالف إقليمي، ورغم الترسانة العسكريةوالإعلامية الهائلة التي يمتلكها العدو، يواصل اليمنيون صمودهم الأسطوري، مستلهمين قوتهم من إرث تاريخي طويل من المقاومة، هذا الصمود ليس وليد اللحظة، بل هو استمرارية لروح المقاومة التي تجلت في مواجهة الرومان والأحباش والعثمانيين والبريطانيين .
تتجلى “الهوية الإيمانية اليمانية” في أبهى صورها في هذه المواجهة، حيث يربط اليمنيون بين إيمانهم العميق وقضيتهم العادلة،كما تلعب الأعراف القبلية، التي تحكمها قيم الشرف والولاء، دوراً محورياً في تعزيز التماسك الاجتماعي ورفض الخضوع، وأظهرو قدرة فائقة على الابتكار في مواجهة العدوان، حيث برزت القوة الصاروخية وسلاح الجو المسير كأدوات ردع استراتيجية، قلبت موازين القوى وأربكت حسابات الأعداء .
*ختاما..
إن صمود اليمنيين اليوم هو شهادة حية على أن “اليمن مقبرة الغزاة” ليست مجرد مقولة تاريخية، بل هي حقيقة تتجدد مع كل محاولة لكسر إرادة هذا الشعب الأبي، إنه صمود يجسد استمرارية الإرث، ويؤكد أن الهوية المتجذرة في الإيمان والحكمة العرفية هي السلاح الأقوى في مواجهة أي عدوان، وأن اليمن سيظل دائماً قلعة حصينة تتكسر على أسوارها أطماع الطامعين، وستبقى أرضه شاهداً على أن العزة والكرامة لا تُشترى بالمال ولا تُفرض بالقوة، بل تُصنع بالصمود والتضحية والإيمان.
التعليقات مغلقة.