لم يعد خافيًا على أي مراقب للمشهد الدولي أن العالم يمرّ بمرحلة مخاض عسيرة، لا؛ بسَببِ صراع المصالح الطبيعية بين الدول، بل نتيجة الانهيار شبه الكامل لمنظومة القانون الدولي تحت ضربات البلطجة الأمريكية، التي تجاوزت حدود المنافسة السياسية لتتحول إلى أدَاة قرصنة عابرة للقارات، تستهدف سيادة الدول، وتنهب ثرواتها، وتعمل على تطويع إرادَة الشعوب بالقوة والحصار والعقوبات.

فبالنظر إلى التجربة الفنزويلية، يتضح أن أمريكا لم تدّخر جهدًا في محاولة إسقاط النظام الشرعي للرئيس مادورو، ولم يكن دافعها يومًا حماية حقوق الإنسان كما يروّج إعلامها، بل كان الهدف الحقيقي هو وضع اليد على أضخم احتياطيات النفط في العالم.

وقد استخدمت واشنطن الترهيب السياسي، ولفّقت لوائح اتّهام واهية، وفرضت حصارًا اقتصاديًّا خانقًا، في انتهاك صارخ لمبادئ الأمم المتحدة التي تنصّ بوضوح على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة.

ويكشف التاريخ الحديث أن السياسة الأمريكية قامت، ولا تزال، على ابتكار الذرائع لاستخدام القوة وتدمير الدول تحت عناوين مختلفة.

فقد ضُرب العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية المزعومة، وضُرب أفغانستان باسم مكافحة الإرهاب، ويُستهدف اليوم اليمن بذريعة حماية حرية الملاحة البحرية.

بينما تكشف الوقائع أن أمريكا هي الطرف الذي يهدّد أمن البحار، عبر عسكرة الممرات الدولية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية لحماية مصالحها ومصالح ربيبتها كَيان الاحتلال.

ويمتد هذا الصلف ليصل إلى استهداف إيران بذريعة امتلاك السلاح النووي، في تحالفٍ علني مع كَيان الاحتلال الغاصب، في مفارقة فاضحة يتجاهل فيها العالم أن هذه القوى المعتدية هي الأكثر امتلاكًا للترسانات النووية الفتاكة، وأن وجودها العسكري بحد ذاته يشكل خطرًا وجوديًّا على أمن واستقرار المنطقة بأسرها.

لقد أسفرت سياسة الهيمنة الأمريكية عن مقتل ملايين الأبرياء، من العراق إلى أفغانستان، ومن اليمن إلى فلسطين، في حين تُقلب الحقائق إعلاميًّا ليُصوَّر الجاني ضحية، وتُحمَّل أطراف أُخرى مسؤولية الدمار.

وقد ساهم هذا التضليل المنهجي في تشويه الوعي داخل العالم الإسلامي، حتى باتت بعض الشعوب ترى أن الخطر الحقيقي ليس في الاحتلال الصهيوني، بل في أطراف أُخرى، رغم أن الوقائع تثبت أن كَيان الاحتلال هو من ارتكب المجازر بحق عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ودمّـرَ لبنان وسوريا بدعمٍ أمريكي مباشر، بينما تتغاضى المنظومة الدولية عن هذه الجرائم بوقاحة غير مسبوقة.

إن ما يحدث اليوم ليس سوى إحلالٍ صريح لقانون الغاب محلّ القانون الدولي.

فعندما تشنّ أمريكا حروبًا، أَو تفرض عقوبات أُحادية الجانب لتحقيق الهيمنة، فهي توجّـه رسالة واضحة للعالم مفادها: لا سيادة لمن لا يخضع لإرادتنا.

وهذا السلوك لا يهدّد دولًا بعينها فحسب، بل يهدّد السلم العالمي بأسره، ويدفع الدول إلى سباق تسلح محموم بعد أن فقدت ثقتها في منظومة دولية أصبحت مرتهنة للقرار الأمريكي.

وسيسجّل التاريخ أن حقبة الهيمنة الأمريكية كانت المرحلة التي تآكلت فيها الأخلاق السياسية، وتحولت فيها البلطجة إلى دبلوماسية بديلة.

غير أن الشعوب التي تأبى الخضوع، من كاراكاس إلى طهران وصنعاء، ستظل الصخرة التي تتحطم عليها أطماع الإمبراطورية المتغطرسة، تمهيدًا لإعادة صياغة نظام عالمي جديد يحترم كرامة الإنسان وسيادة الأوطان، بعيدًا عن إملاءات البيت الأبيض وزيف ادِّعاءاته.