“سلطة الجولاني”.. استعراض القوة في القصير.. والانبطاح الكامل في القنيطرة!
صنعاء سيتي | تقرير
لم يعد المشهد السوري اليوم مجرد ساحة صراع محلي بين قوى متناحرة، بل تكشفت الستائر عن دور وظيفي خطير تلعبه القوى المسيطرة على الشمال والوسط السوري، وعلى رأسها منظومة “الجولاني”.
إن التحولات الدراماتيكية التي شهدتها الحدود السورية اللبنانية في الأيام الأخيرة، تضعنا أمام حقيقة صادمة: سوريا التي كانت تاريخياً “قلب العروبة النابض” وعمق المقاومة الاستراتيجي، تُدفع اليوم قسراً، عبر أدوات داخلية متواطئة، لتصبح “خط فصل” و”شرطياً حدودياً” يحمي أمن الكيان الصهيوني.
بينما يشتد الخناق على لبنان، وتتعرض المقاومة لأشرس حملة تصفية، يبرز “أبو محمد الجولاني” ونظامه ليس كطرف محايد، بل كأداة تنفيذية في المشروع الأمريكي-الإسرائيلي الرامي إلى عزل الساحات وتجفيف منابع الإمداد.
إن التناقض الصارخ بين الحشود العسكرية في القصير، والانسحاب المريب من أمام التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وريف دمشق، ليس مجرد مناورة عسكرية، بل هو إعلان عن “عقد أمني” جديد، يُباع فيه التراب السوري ودماء المقاومين مقابل اعتراف دولي وبقاء سياسي زائف.
ولطالما تلطى الجولاني خلف شعارات “نصرة المظلومين” و”الجهاد لتحرير الأرض”، لكن الوقائع الميدانية اليوم تثبت أن هذه الشعارات لم تكن سوى وسيلة للسيطرة وتثبيت النفوذ بانتظار اللحظة التي يتم فيها تقديم أوراق الاعتماد للقوى الدولية.
مع إعادة فتح معبر المصنع بوساطة أمريكية، والتحركات العسكرية المريبة في ريف حمص، نجد أن نظام الجولاني قد انتقل من مربع “المعارضة” إلى مربع “الوكيل الأمني”.
إن الرسالة التي يرسلها الجولاني عبر إرسال 40 آلية عسكرية إلى منطقة القصير، ليست “لحماية الحدود السورية” كما يزعم إعلامه، بل هي رسالة “طمأنة” للجانب الإسرائيلي والأمريكي مفادها: “نحن هنا لضمان أن طريق السلاح من سوريا إلى لبنان قد أُغلق تماماً”.
هذا الاستعراض في القصير يهدف إلى إثبات الكفاءة في لعب دور “الحارس” الذي يمنع أي تواصل بين قوى المقاومة في البلدين، وهو تنفيذ حرفي للمطالب الأمريكية بفك الارتباط العضوي بين دمشق وبيروت.
وتعتبر منطقة القصير بريف حمص شرياناً حيوياً تاريخياً، وقاعدة أساسية للتنسيق اللوجستي بين أطراف محور المقاومة.
إن وصول التعزيزات العسكرية التابعة للجماعات المسلحة التي يقودها الجولاني إلى هذه المنطقة الحساسة، بالتزامن مع الإعلان عن “ضبط” أنفاق كان يستخدمها حزب الله، يمثل طعنة في ظهر المقاومة في توقيت حرج.
هذه الأنفاق التي يفتخر نظام الجولاني بضبطها وإغلاقها، كانت في الحقيقة وسيلة لكسر الحصار الصهيوني وتأمين وسائل الدفاع عن النفس للشعب اللبناني.
إن قيام الجولاني بهذه المهمة القذرة نيابة عن طيران الاحتلال، يوفر على “تل أبيب” عناء استهداف هذه المواقع، ويقدم لها خدمة استخباراتية وميدانية مجانية.
هنا، يتحول “المجاهد” المزعوم إلى “محلل أمني” يمشط الأرض للاحتلال، ويضمن له بقاء الجبهة اللبنانية معزولة ومحرومة من عمقها السوري.
وبينما تستعرض قوات الجولاني عضلاتها في ريف حمص ضد طرق إمداد المقاومة، تسود حالة من “الانبطاح الكامل” والصمت المطبق في الجبهة الجنوبية.
منذ أكثر من عام ونصف، والجنوب السوري يتعرض لعملية “إفراغ” ممنهجة من أي قوة عسكرية حقيقية قادرة على مواجهة الاحتلال.
التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة، ووصول دبابات الاحتلال إلى تخوم ريف دمشق، وتجريف الأراضي السورية لبناء ما يسمى “طريق سوفا” الأمني، كلها أحداث مرت مرور الكرام على نظام الجولاني.
لم نره يرسل آلية واحدة إلى القنيطرة للدفاع عن السيادة السورية، ولم نسمع منه حتى “بيان تنديد” بالخروقات الإسرائيلية اليومية.
هذا التباين يفضح الاتفاق غير المعلن: “أعطونا الشمال والوسط، وخذوا الجنوب منطقة آمنة خالية من السلاح”.
إن الالتزام الجولاني بهذا الاتفاق الأمني يجعله شريكاً فعلياً في قضم الأراضي السورية وفي تثبيت الحزام الأمني الذي يحلم به الكيان الصهيوني.
ووفقاً لإحصاءات المرصد السوري، سقط أكثر من 143 سورياً في الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان خلال فترة قصيرة، بينهم نساء وأطفال.
هؤلاء السوريون الذين هربوا من جحيم الحرب في الداخل ليجدوا أنفسهم تحت نيران الاحتلال، لم يجدوا من “نظام الجولاني” سوى تجاهل مطبق.
هذا الصمت ليس عجزاً، بل هو موقف سياسي متعمد. فالإدانة تعني الانحياز ضد “إسرائيل”، والاعتراض يعني إغضاب الممول والوسيط الأمريكي.
لقد اختار الجولاني أن يضحي بكرامة السوريين ودمائهم مقابل تحسين صورته الدولية وتقديمه كـ “طرف عاقل” يمكن التفاهم معه أمنياً.
إن تجاهل سقوط 35 سورياً في يوم واحد هو سقوط أخلاقي مدوٍ يثبت أن هذه السلطة لا تمثل الشعب السوري، بل تمثل مصالحها الضيقة المرتبطة بمشاريع تصفية القضية الفلسطينية والمقاومة.
ولا يكتفي الاحتلال بالتوغل الميداني، بل يمتد نفوذه عبر أدوات الجولاني والصمت المطبق لتفكيك النسيج الاجتماعي السوري.
ما يحدث في السويداء من تعميق للنفوذ غير المباشر تحت عناوين “حماية الأقليات”، يتوازى مع سياسة الجولاني في عزل المناطق عن بعضها البعض.
إن الهدف النهائي هو تحويل سوريا إلى “كانتونات” أمنية، كل كانتون له وظيفته في حماية أمن الاحتلال.
منطقة الجولاني في الشمال والوسط مهمتها “الفصل الحاد” ومنع الإمداد، والجنوب مهمته أن يكون “منطقة عازلة” منزوعة الكرامة والسلاح.
هذا المشهد يعكس إعادة تشكيل الجنوب السوري ميدانياً وسياسياً بما يخدم الرؤية الصهيونية لـ “الشرق الأوسط الجديد”، حيث لا مكان لكرامة وطنية أو سيادة حقيقية.
في الختام، إن ما يفعله الجولاني ونظامه اليوم هو عملية “بيع علني” للجغرافيا والتاريخ.
إن سوريا التي صمدت لعقود كقلعة للمقاومة، يتم تمزيق دورها اليوم من الداخل عبر جماعات مسلحة ارتضت أن تكون خنجراً في خاصرة لبنان وفلسطين.
إن استعراض القوة في القصير هو “مسرحية هزلية” مدفوعة الأجر، والانبطاح في القنيطرة هو “واقع مرير” يكشف زيف كل الشعارات الثورية والجهادية التي رُفعت سابقاً.
إن التاريخ لن يرحم من طمر أنفاق الكرامة ليفتح معابر المذلة، ولن يغفر لمن صمت عن دماء الأطفال السوريين ليرضي أسياده في واشنطن وتل أبيب.
سوريا ستبقى، والمقاومة ستجد طريقها رغم أنوف الوكلاء، أما نظام الجولاني، فمصيره إلى مزابل التاريخ ككل من خان شعبه وقضيته وارتضى لنفسه دور “الخفير” في خدمة المحتل.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.