من الإسناد إلى الاقتلاع.. قراءة في رؤية السيد القائد التي حولت “وحدة الساحات” إلى مقصلة لتكتيكات الاستفراد الأمريكي وأوهام الاستباحة الصهيونية

صنعاء سيتي | تقرير  

 

لم تعد معادلات الصراع في المنطقة تُكتب بمداد الدبلوماسية الميتة، بل بصواريخ السيادة التي أعادت صياغة الجغرافيا السياسية تحت وطأة “وحدة الساحات”. إن القراءة الفاحصة لمسارات العدوان الصهيوني-الأمريكي الأخير، تكشف أن محور المقاومة قد انتقل من مربع “الاستجابة لرد الفعل” إلى مرحلة “الفرض الاستراتيجي”، محطماً بذلك جدران العزلة التي حاول الغرب ضربها حول كل ساحة على حدة. نحن اليوم أمام واقع ميداني صلب، اصطدمت فيه أوهام “التفوق المطلق” للكيان بجدار من الفولاذ الاستراتيجي الممتد من صنعاء إلى طهران، وهو ما حوّل الجغرافيا الإقليمية إلى غرفة عمليات واحدة قادرة على خوض غمار أطول حرب استنزاف في التاريخ الحديث، مسقطةً بذلك كل الرهانات الاستخباراتية التي استخفت بقدرة الشعوب على الردع الجماعي.

وفي قلب هذا التحول العاصف، يبرز خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي كشرط استراتيجي لا غنى عنه لتفكيك شيفرة هذه المرحلة؛ إذ لم تكن توجيهاته مجرد تعبئة معنوية، بل هي “عقيدة قتالية” مرسومة بالدم والمواقف القاطعة. لقد نجحت رؤية السيد القائد في تحويل “وحدة الساحات” من شعار سياسي إلى “مقصلة ميدانية” أعدمت أحلام “الاستفراد” الصهيوني ووضعت حداً لعقود من “الاستباحة” المنفلتة. إن إفشال المخطط الأخير لإعادة هندسة الإقليم عبر بوابة العدوان على إيران، يمثل الهزيمة الأقسى لمنطق التبعية، وانتصاراً تاريخياً لمنطق المقاومة الذي فرض على الكيان والولايات المتحدة الاعتراف، صاغرين، بأن قواعد اللعبة قد تغيرت للأبد، وأن “الساحات الموحدة” هي اليوم القدر الذي لا يمكن الفرار منه.

وحدة الساحات والردع الاستراتيجي الشامل

تتأسس هذه المعادلة جذرياً على الإعلان التاريخي للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بأن: «من أهم ما تحقَّق في هذه الجولة المهمة، من المواجهة لأعداء هذه الأُمَّة، هو: الإرساء لمعادلة وحدة الساحات، وجبهات محور الجهاد والمقاومة». هذا التشخيص لا يقف عند حدود التضامن السياسي، بل يمتد ليكون قاعدة بناء عسكري صلبة، حيث اعتبر السيد القائد أن تحول المحور إلى “كتلة واحدة” هو الرد الطبيعي على طبيعة التهديد الوجودي الذي يواجه الأمة، مشيراً إلى أن هذا الترابط العملياتي جعل من الجبهات منظومة متكاملة تتبادل الأدوار والمهام وفق رؤية موحدة تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.

وترجمةً لهذا التوجه القيادي، أثبتت الوقائع الميدانية أن الساحات تحولت إلى “أوانٍ مستطرقة” للقوة النارية؛ ففي لبنان، تجسد الردع عبر المقاومة الإسلامية التي تمتلك «الصدارة الكبيرة فيما يتعلَّق بجبهات محور الجهاد والمقاومة.. بالزخم الكبير للعمليات، وبالمواجهة المباشرة في معركة ساخنة جدًّا». هذا “الزخم” لم يكن معنوياً فحسب، بل تمثل في استنزاف ثلثي القوات القتالية للعدو الصهيوني وتدمير منظوماته التجسسية على طول الحدود، مما منع الكيان من تركيز جهده العسكري في اتجاه واحد، وأجبره على البقاء في حالة دفاع دائم ومكلف أمام الضربات النوعية المتتالية.

وفي ذات السياق الاستراتيجي، امتدت فاعلية هذه المعادلة لتشمل جبهات الإسناد في العراق واليمن، حيث يشير السيد القائد إلى أن «المنع للعدو الإسرائيلي والأمريكي من الاستخدام العسكري للبحر الأحمر» هو إنجاز تاريخي غيّر موازين القوى العالمية. الواقع يؤكد أن تعطيل ميناء “إيلات” بشكل كامل والتحكم في الممرات الملاحية الدولية قد وضع اقتصاد العدو في “خناق استراتيجي”، بينما كانت فصائل المقاومة في العراق «تبادر منذ اللحظة الأولى للعدوان.. بتنفيذ العمليات البطولية» التي استهدفت العمق الصهيوني والقواعد الأمريكية، محققةً نبوءة السيد القائد بأن: «العدو لن ينجح في ضرب هذه المعادلة: (وحدة الساحات)».

تفكيك استراتيجية الاستفراد الأمريكي الصهيوني

يبني السيد القائد مقاربته التحليلية لنسف خطط الغرب على تشريح دقيق للعقيدة العسكرية الصهيونية، حيث يقرر قاعدتها الأساسية بالقول: «العدو الإسرائيلي، ومعه شريكه الأمريكي، يعملون دائماً على تجزئة المعركة، وعلى الاستفراد بشعوب هذه الأُمَّة وبلدانها، شعباً هنا، وبلداً هناك». هذا التشخيص يكشف إدراك القيادة لجوهر التكتيك الاستعماري القائم على سياسة “الجراحة الموضعية”، التي تهدف إلى عزل القوى المقاومة سياسياً وميدانياً لتسهيل انقضاض العدو عليها دون أن يضطر لمواجهة رد فعل جماعي يستنزف قدراته المحدودة.

وانطلاقاً من هذا الوعي، صاغ السيد القائد استراتيجية المواجهة المضادة، مؤكداً أن «مبدأ (وحدة الساحات) هو مهم للغاية، في إفشال تلك المساعي العدوانية، التي تهدف إلى تسهيل الاستهداف لهذه الأُمَّة، من خلال تجزئة المعركة». الشواهد الواقعية تؤكد أن العدو حاول خلال عدوانه الأخير على طهران تحييد بقية الجبهات عبر التهديد والوعيد، إلا أن الصواريخ والمسيّرات التي انطلقت من اليمن ولبنان والعراق في آن واحد حطمت هذا المسعى، وأثبتت أن زمن “الاستفراد” قد ولى، وأن أي اعتداء على أي جزء من المحور سيُقابل برد شامل يبعثر أوراق المخططين في واشنطن وتل أبيب.

لقد تُرجمت هذه الرؤية إلى التزام قاطع وعهد استراتيجي أطلقه السيد القائد ليقطع الطريق على أي مناورة عسكرية للعدو بقوله: «لن نسمح أبداً بأن يتفرَّد العدو الإسرائيلي بأيِّ جبهة من جبهات المحور، بما في ذلك الجبهة الفلسطينية». والمعطيات الميدانية الموثقة لعام 2026 تظهر بوضوح عجز “الدفاعات الجوية” الأمريكية والصهيونية عن اعتراض الهجمات المتزامنة من جهات متعددة، مما حول القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة إلى أهداف محاصرة بالنيران، وأجبر واشنطن على إعادة حساباتها بعد أن رأت تهاوي استراتيجيتها في “عزل الساحات” أمام وحدة النيران والمصير التي كرسها محور المقاومة.

سقوط معادلة الاستباحة الصهيونية للأمة

تنبثق الرؤية التحررية في هذا المحور من توصيف السيد القائد للجوهر الخبيث للمشروع الصهيوني، والذي لخصه في سعي الصهيونية لفرض واقع تكون فيه مقدرات الأمة «مستباحة لكل شيء.. الاستباحة للدم، والعرض، والأرض.. الاستباحة للمقدَّسات». هذا التشخيص يلامس جذر الصراع، حيث يرى السيد القائد أن العدو لا يكتفي بالاحتلال العسكري، بل يريد سحق الإرادة الشعبية وإيصال الأمة إلى حالة من اليأس وفقدان السيادة المطلقة، بحيث يصبح الاعتداء الصهيوني قدراً محتوماً لا يُرد، وهو ما يرفضه منطق المقاومة جملة وتفصيلاً.

ومن هذا المنطلق، حدد السيد القائد جغرافيا الأطماع التوسعية مؤكداً أنها «تستهدف كل بلاد الشام، ومصر، والعراق، وتستهدف الجزيرة العربية، تستهدف هذه الأُمَّة بكلها»، بهدف أن تُحكم الشعوب «بالذل، والإهانة، والاستباحة لكل شيء». الشواهد الواقعية من قصف المدنيين في غزة ولبنان، ومحاولات انتهاك سيادة الدول الإقليمية، تؤكد دقة هذا التشخيص القيادي؛ فالاستباحة الصهيونية هي مشروع “تغيير شرق أوسطي” يهدف لإقامة “إسرائيل الكبرى” على أنقاض السيادة الوطنية، مما جعل معركة “إسقاط الاستباحة” معركة وجودية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

وبناءً على هذا الوعي، انطلقت شرارة الردع الشامل، حيث يؤكد السيد القائد على النتيجة الاستراتيجية والقيمية لهذه المعركة: «ولإسقاط معادلة الاستباحة، له أهمية كبيرة جدًّا؛ لأنَّه يصون لهذه الأُمَّة حُرِّيَّتِها، وكرامتها، واستقلالها». الوقائع الميدانية اليوم تشهد أن العدو بات يحسب ألف حساب قبل الإقدام على أي حماقة، لأن “الرد المزلزل” من الساحات الموحدة جعل من كلفة الاستباحة باهظة وغير قابلة للاحتمال. لقد تحولت دماء الشهداء وثبات القيادة إلى سد منيع أنهى زمن “العربدة” الصهيونية، وأسس لمرحلة جديدة يكون فيها الأمن القومي للأمة وحدة واحدة، حيث يُقابل كل انتهاك برد يجعل من “الاستباحة” فخاً قاتلاً يغرق فيه المعتدي.

سقوط الهيمنة: حتمية المسار التحرري

تؤكد المعطيات الميدانية والسياسية أن “وحدة الساحات” لم تعد مجرد تكتيك عسكري عابر، بل تحولت إلى استراتيجية وجودية أعادت رسم حدود القوة في المنطقة، منهيةً وبشكل قطعي زمن “الاستفراد” الذي كان يتيح لواشنطن وتل أبيب هندسة الصراعات وفق مقاسات أطماعهما. إن هذا التحول الاستراتيجي الذي أرسى دعائمه محور المقاومة، أوجد بيئة ردع متكاملة تجعل من أي محاولة لفرض معادلة “الاستباحة” مغامرة انتحارية تتهدد مصالح الاستكبار العالمي في كافة الممرات والجبهات، مما يعني أن المنطقة دخلت فعلياً عصر السيادة المستعادة التي لا تقبل التجزئة أو الابتزاز.

إن القراءة المستقبلية لهذا الصراع تشير إلى أن المحور قد انتقل من مرحلة “تثبيت الوجود” إلى مرحلة “التمهيد للتحرير الشامل”، مستنداً إلى رؤية قيادية ثاقبة تدرك مواطن ضعف العدو وتستثمر في وحدة المصير الشعبي والعسكري. ومع تآكل هيبة الردع الصهيونية وسقوط الرهانات على الحماية الأمريكية، يبدو أن المسار التحرري الذي انطلق بزخم “وحدة الساحات” قد وضع الكيان المؤقت أمام حتمية الزوال التاريخي، ليفتح الباب واسعاً أمام فجر جديد تستعيد فيه الأمة كرامتها وقرارها المستقل، بعيداً عن وصاية الطاغوت وأدواته في المنطقة.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.