لم تعد سُنن الله في الأمم مُجَـرّد قصص تُروى، ولا آيات تُتلى بمعزل عن الواقع، لقد أصبحت قوانين حاكمة تتجلى كلما تكرّرت أسبابها.

فالأمم لا تُقصى لقلة عددها، ولا تُستبدل لضَعف لُغتها أَو أصلها، وإنما حين تتخلى عن مسؤوليتها، وتفرّط في دورها، وتقدّم الولاءات للأعداء على حساب المبادئ.

وعندما تضيع البُوصلة، يتحول الاستخلاف من شرف مُكتسب إلى حقٍّ مسلوب، ويُمنح لمن ثبت وحمل الأمانة.

﴿وَإِن تَتَوَّلَوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

ليست هذه الآية تهديدًا بقدر ما هي كشفٌ لحقيقة كبرى: أن هذا الدين لا يتوقف على أشخاص، ولا يُختزل في أسماء، ولا تحكمه عِرقية أَو لغة.

فكما نزل القرآن بلسان عربي، فإن نصرته ليست حكرًا على العرب، بل مسؤولية كُـلّ من يلتزم بالمنهج ويحمل الموقف.

من أعرض خسر، ومن تولّى أُبدِل، والله غنيّ عن العالمين، ونحن المحتاجون إلى شرف حمل الحق.

ويأتي واقع الأُمَّــة اليوم شاهدًا حيًّا على هذه السنّة؛ إذ تراجعت أنظمة عربية كثيرة، وبلغ بها الانحدار حَــدَّ الموالاة العلنية لأمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني، والتفريط بقضايا الأُمَّــة المركزية، وعلى رأسها فلسطين.

أُمَّـة وُلد فيها النبي، ونزل فيها الوحي، لكنها حين تولّت، سُحبت منها الريادة، وأُبعدت عن موقع الفعل والتأثير.

في المقابل، برزت قوى وشعوب غير عربية تقدّمت إلى ساحة الموقف، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي أثبتت من خلال دعمها الواضح للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، ومساندتها للشعوب المستضعفة أن معيار الاستخلاف هو الموقف لا الانتماء، والثبات لا الادِّعاء.

وهنا تتجسد الآية واقعًا عمليًّا: انتقال الدور إلى من استحقه، بعد أن تخلّى عنه من كان أولى به.

غير أن الاستخلافَ الحقيقي لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بصناعة الإنسان الواعي.

ومن هذا المنطلق، يشدّد السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي، حفظه الله، على التسلح بالإيمان، وبناء الوعي، وحثّ الأجيال على الالتحاق بالمراكز الصيفية؛ باعتبَارها مشروعًا استراتيجيًّا لا نشاطًا موسميًّا عابرًا.

فالمعركةُ في جوهرها معركةُ وعي، والمعرفة الصحيحة والمفاهيم النيّرة هي السلاح الذي يضمن ثبات الجيل وقدرته على التحَرّك في مختلف ميادين الحياة.

قد يظن البعض أن استثمار الإجازة الصيفية في أعمال دنيوية آنية أولى، غير أن الرؤية الأبعد تؤكّـد أن بناء الإنسان عقائديًّا وأخلاقيًّا وفكريًّا هو الاستثمار الحقيقي.

فالأمم لا تُستبدل فجأة، بل تُستبدل حين تُفرَّغ أجيالُها من الوعي، وتُترك عقول أبنائها نهبًا للتضليل والغزو الثقافي.

ما نشهدُه اليوم يثبت أن سُنّة الله لا تحابي أحدًا: من يتقدم بالإيمان والوعي والمسؤولية يتقدّم به الله، ومن يتراجع ويُوالِ الأعداء يُزَح عن موقعه.

وبين التولي والاستخلاف، تبقى معركة الوعي هي الفيصل؛ لأنها التي تحدّد من يستحق أن يكون شاهدًا على العصر، ومن يخرج من معادلة التاريخ.