​{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسرائيل عَلى لِسانِ داوُوْدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ * كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ}

​حين يصبح القانون الدولي مُجَـرّد نصوص لا قيمة لها

​في الوقت الذي تزعم فيه البشرية أنها بلغت ذروة الحضارة والوعي، تقف اليوم أمام اختبار أخلاقي حاسم.

ما يجري في فلسطين أكثر من مُجَـرّد نزاع مسلح عابر، هو جرحٌ مفتوحٌ في جسد الضمير الإنساني، وكشفٌ فاضحٌ لفجوة عميقة بين شعارات حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، وبين ما يمارس على الأرض من إبادة وتجويع وقتل للأسرى.

​لقد تجاوزت هذه الحرب كُـلّ الخطوط الحمراء التي رسمتها اتّفاقيات جنيف بعد مآسي الحرب العالمية الثانية، وأظهرت أن المنظومة الدولية، حين تُختبر، تصبح عاجزة أَو متواطئة.

 

​الجريمة التي لا تُغتفر: شرعنة قتل الأسرى

​إن الجريمة التي لا تُغتفر هي أن يُشرعن لقتل الأسرى؛ فبين نصوص القانون والتشريع العنصري فجوة من المواجع الكبيرة.

 

​أولًا: في القانون الدولي

يُعد قتل الأسير جريمة حرب خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني.

تنص المادة (3) المشتركة من اتّفاقيات جنيف الأربع على حظر القتل بجميع أنواعه خَاصَّة بحق الأسرى.

كما تنص المادة (12) من اتّفاقية جنيف الثالثة على أن أسرى الحرب في يد دولة العدوّ، وليس في يد أفراد أَو وحدات عسكرية، وتتحمل الدولة الحاجزة مسؤولية كاملة عن سلامتهم.

إن قتل الأسير يُعد “خرقًا جسيمًا”، وهو ما يخضع للقضاء العالمي ولا يسقط بالتقادم.

 

​ثانيًا: الانتهاك الإسرائيلي الممنهج

في انتهاك صارخ لهذه المواثيق، سعت دوائر في “الكنيست” الإسرائيلي إلى تمرير تشريعات تبيح قتل الأسرى، في سابقة خطيرة لم تشهد الحروب الحديثة مثيلًا لها.

ففي عام 2024، أُقر قانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين في بعض الظروف، وهو ما يرقى إلى مستوى جريمة حرب واضحة.

وفي هذه الأيّام يشرعن “الكنيست” لقتل الأسرى عبر قانون دفع به “إيتمار بن غفير”، وذلك يعكس تحولًا من احتلال عسكري إلى مشروع إجرامي يشرعن القتل خارج إطار القانون الدولي.

​إن هذا “الكنيست” لم يعد يحمي دينًا ولا أخلاقًا، بل أسس لفساد أخلاقي وقانوني.

 

ولم تكن هذه التشريعات منفصلة عن الميدان، فقد شهد العالم:

•​تدميرًا ممنهجًا للمستشفيات والجامعات والبنية التحتية في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني الذي يحمي الأعيان المدنية.

•​استهدافًا مباشرًا للمدنيين، حَيثُ تجاوز عدد الشهداء في غزة الستين ألفًا، معظمهم نساء وأطفال وشيوخ، في مشهد يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية وفق تعريفات محكمة العدل الدولية.

•​سياسات تجويع وحصار استُخدمت كسلاح حرب، وهو ما تحظُرُه اتّفاقيات جنيف صراحة، بل وتجرمه الشرائع السماوية.

​كل ذلك لم يكن ليحدث بلا غطاء سياسي وعسكري؛ فالتحالف بين الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب قدّم نموذجًا للتواطؤ الأعمى: نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالسيادة على الجولان، وقطع الدعم عن “الأونروا”، والتغطية المُستمرّة في مجلس الأمن.

 

​الدرس القرآني: عاقبة الاستكبار والسكوت عن المنكر

​فالآية القرآنية التي افتتحنا بها المقال درسٌ تاريخيٌّ لا يتقادم، ونص قرآني محكم سيترتب على مخالفته العقاب؛ ففرعون حينما أجرم استخف قومه فأطاعوه، كما أخبر بذلك القرآن، فكان عاقبتهم ما حكاه الله عنهم: {فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ}.

​وقد استحضرنا في مستهل المقال قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسرائيل عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}؛ لأن الآية لا تشير إلى عنصرية عرقية فحسب، بل إلى صفة سلوكية: “بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ”، وأعظم وصف للذم هو “كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ” – أي أنهم لا يردعون أنفسهم ولا يردع بعضهم بعضًا عن المنكر.

فالتشريع هو أعلى درجات “عدم التناهي عن المنكر”؛ لأنهم لم يكتفوا بفعله، بل جعلوه “حقًا قانونيًا” يمارسونه بلا خجل، وهذا هو جوهر الاستكبار الذي استوجب اللعن.

فهل يا ترى تتفهم الصهيونية ومن يدور في فلكها ذلك؟ إن السكوت عن المنكر يؤدي إلى غضب الله وعقابه.

​هذه الآية تشكل درسًا كونيًا: أن المجتمعات حين تتحول إلى لا مبالاة بالمنكر، وتشرعن الظلم باسم الدين أَو القومية، تستحق اللعن والتاريخ.

وما يحدث اليوم من شرعنة قتل الأسرى وتدمير المدن في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران هو تكرار للنموذج القرآني نفسه، وقد قلنا في ذلك:

​تِلْكَ “الكَنِيسَتُ” غَاصَتْ فِي مَوَاجِعِنَا ** وَأَسَّسَتْ لِأُمُورٍ أَظْهَرَتْ جَهْلَا

وَشَرْعَنَتْ لِذَوِي الْإجرام بَغْيَهُمُ ** مِنَ الْفَسَادِ تَرَى الْإجرام لِي فَضْلَا

​وَعَادَتِ الْحَرْبُ تَجْنِي الْإِثْمَ مُعْلَنَةً ** وَالْأَسْرُ فِيهَا غَدَا قَتْلًا وَلَا عَقْلَا

يَا وَيْلَ مَنْ شَرَّعَ الْإهلاك فِي صَلَفٍ ** وَعَطَّلَ الْحَقَّ وَالْأَحْكَامَ وَالْعَدْلَا

فَأَنْتَ إِنْ شَرَعْتَ الْقَتْلَ فِي غَضَبٍ ** فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ قَدْ أَوْغَلْتَ فِي الْخَطَلَا

 

​نداء إلى أحرار العالم: لا عذر بعد اليوم

​ونحن هنا نوجه النداء إلى أحرار العالم: لا عذر بعد اليوم.

لا يمكن الاكتفاء بالاستنكار؛ فالتاريخ يسجل المواقف، وسيحاسب كُـلّ من سكت أَو برّر أَو شارك، ولن يكون الجميع في مأمن من غضب الله وعقابه.

​إلى الشعب الأمريكي: إن أموال ضرائبكم تُمول هذه الآلة العسكرية؛ لذا فإن مقاطعة الشركات الداعمة، والضغط على الكونغرس، والمشاركة في التظاهرات لمحاكمة مجرمي الحرب، هي وسائل مشروعة لإنقاذ ما تبقى من سمعة بلادكم.

إلى الشعوب الأُورُوبية: محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية في قارتكم؛ فاضغطوا على حكوماتكم للانضمام للدعاوى المقامة وفرض عقوبات اقتصادية.

إلى أحرار أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا: أنتم من عرفتم معنى الاستعمار، فليكن صوتكم عاليًا في المحافل الدولية وبالمقاطعة الشاملة.

 

​صرخة الحق لا تموت

​لن يكون الصمت براءة لكل الدول الإسلامية ولكل أحرار العالم.

إن دماء الأطفال تحت الأنقاض، وأجساد الأسرى التي تئن في السجون، ومشاهد الجوع، كلها ستتحول إلى وقود يضيء طريق العدالة.

واليوم، الآن، يمكنك:

•​أن توقّع عريضة لمقاضاة قادة الحرب.

•​أن تتبرّع لمنظمات الإغاثة والإسناد القانوني.

•​أن تنشرَ هذه الصرخة لتصبح صوتًا جماعيًّا.

•​أن تقاطع الشركات المتواطئة.

•​أن تبادر إلى الانضمام لموقف الجمهورية الإسلامية واليمن ومحور المقاومة الذي يدافع عن الشعب الفلسطيني.

​لقد حذر القرآن الأمم التي لم تتناهَ عن منكر.

وآن الأوان أن يقولَ العالم بأسره: “لن نكون مثلهم”.

وقد وجّه قائد المسيرة القرآنية في أكثر من محاضرة التحذيرَ من مغبة ما تأتيه الصهيونية من انتهاكات للقيم الإسلامية والإنسانية.

فصوت العدالة في وجه الطغيان نصير للمستضعفين، وقد حذر الله من مغبة الظلم: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ}، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

​ونقول للأخوة في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران واليمن ولبنان والعراق: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، {وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ وَلكِنَّ أكثر النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن