يدخل الصمود اليمني عامَه الحادي عشر، لا بوصفه مُجَـرّد محطة زمنية في سياق حرب طويلة، إنه عنوانٍ لمرحلة تاريخية أعادت تعريف مفاهيم الثبات والسيادة والكرامة في زمن الانكسارات العربية.

أحد عشر عامًا واجه فيها الشعب اليمني حربًا مركَّبة، لم تكن عسكرية فقط، بل اقتصادية وإعلامية ونفسية، استهدفت الإنسان اليمني في لقمة عيشه وأمنه وكرامته، ومع ذلك لم تفلح في كسر إرادته أَو انتزاع قناعته بحقه في الدفاع عن وطنه.

طوال هذه السنوات، تعرّض اليمن للقصف والحصار والتجويع، في واحدة من أعقد الحروب التي شهدها العصر الحديث، حَيثُ تداخلت المصالح الدولية مع الأدوات الإقليمية، وامتزج السلاح بالمال والإعلام المضلل.

غير أن ما لم تحسب له غرف القرار المعادية حسابًا، هو أن الشعوب التي تؤمن بعدالة قضيتها لا تُهزم، وأن الحصار قد يُضعف الجسد لكنه لا يُخضع الإرادَة.

لقد أثبتت التجربة اليمنية أن الصمود ليس شعارًا، بل ممارسة يومية، تتجلى في الثبات على الموقف، وفي تحويل الألم إلى وعي، والعدوان إلى دافع للمقاومة.

ولولا التضحيات الكبيرة، والتوثيق الصادق الذي قدمه الإعلام الحربي، لما تكشفت أمام الرأي العام كثير من الحقائق التي حاولت آلة التضليل طمسها، ولما ظهر حجم الفشل الذي مُني به تحالف العدوان رغم تفوقه العسكري والتقني.

واليوم، ونحن نحيي الذكرى الحادية عشرة للصمود اليمني في السادس والعشرين من مارس، يتزامن هذا الاستحقاق مع مشهد إقليمي أكثر وضوحًا، حَيثُ تتقدم جبهة المواجهة المباشرة مع المشروع الصهيوني–الأمريكي، وفي مقدمتها صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمقاومة الإسلامية في العراق، ومجاهدي حزب الله، والمقاومة الفلسطينية على رأسهم حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، في وجه الاعتداءات الغاشمة التي ينفذها كَيان الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي وأمريكا، من قصف وتدمير المنشآت الحيوية، وقتل الأطفال والنساء وكبار السن.

إن الصمود الإسلامي في محور المقاومة ليس سوى ثمرة من ثمار الصمود اليمني، الذي صمد بكل عزيمة وإيمان في مواجهة العدوان السعوديّ والإماراتي وأمريكا لمدة إحدى عشرة سنة، مؤكّـدًا أن إرادَة الشعوب الحرة الصلبة هي الضمان الحقيقي لردع العدوان وحماية الأُمَّــة.

وفي مقابل الجبهات الصامدة، تتكشف مواقف مخزية لأنظمة وجماعات داخل الأُمَّــة الإسلامية، اختارت موقع المتفرج أَو الشريك بالصمت، بل إن بعضها تجاوز ذلك إلى التبرير والتواطؤ، تحت عناوين زائفة مثل “الحياد” أَو “الحكمة” أَو “حماية المصالح”.

هؤلاء المنافقون، الذين يرفعون شعارات الإسلام في الخطب، ويتخلون عن أبسط واجباته في المواقف، لم يغِبوا عن مشهد اليمن، كما لم يغيبوا عن فلسطين أَو لبنان أَو إيران.

لقد أثبتت الأحداث أن معيار الموقف لم يعد الخطاب ولا الشعارات، بل الفعل.

فإما أن تكون مع قضايا الأُمَّــة في وجه العدوان، أَو أن تصطف عمليًّا في معسكر الأعداء، مهما حاولت تزيين موقفك بالمصطلحات الدبلوماسية.

والتاريخ لا يرحم المتخاذلين، ولا يمنحهم شرف المنطقة الرمادية.

إن الربط بين الصمود اليمني والصمود الإيراني ليس ربطًا عاطفيًّا أَو أيديولوجيًّا، بل قراءة واقعية لمسار واحد، عنوانه رفض الخضوع، ومواجهة الهيمنة، وكسر معادلات الردع الأحادية التي حاولت أمريكا وكَيان الاحتلال فرضها لعقود.

وفي هذا المسار، تتلاقى دماء الشهداء مع وعي الشعوب، وتُصاغ معادلات جديدة تُربك حسابات القوى الكبرى.

أحد عشر عامًا من الحرب على اليمن، لم تنتج نصرًا للمعتدي، بل صنعت شعبًا أكثر وعيًا وصلابة، ورسّخت قناعة راسخة بأن حروب العدوان، مهما طال أمدها، تبقى أوهن من بيت العنكبوت أمام إرادَة الشعوب الحرة.

واليوم، كما صمد اليمن، تصمد إيران، وغدًا ستتسع دائرة الصمود، مهما حاول المنافقون تعطيلها أَو تشويهها.

إن ذكرى السادس والعشرين من مارس ليست مُجَـرّد استعادة لبداية عدوان، بل تأكيد على فشله، ورسالة واضحة بأن زمن استباحة هذه الأُمَّــة دون رد قد ولّى، وأن معادلة الصمود باتت حقيقة لا يمكن تجاوزها، مهما تكاثرت المؤامرات، أَو تبدلت الأدوات.