صنعاء سيتي | متايعات
المحاضرة الرمضانية الثانية والعشرون للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – 22 رمضان 1447هـ | 11 مارس 2026م
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
كنَّا في محاضرة الأمس تحدَّثنا، وعلى ضوء الآيات المباركة في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، من الآيات المباركة:
- في (سورة طه).
- وفي (سورة النمل).
- وفي (سورة القصص).
وفي سياق الحديث على ضوء قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}[طه:11-12]، وكذلك على ضوء الآيات المباركة: {الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ}[القصص:30]، {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}[النمل:8]، تحدَّثنا عن قدسية المقدَّسات، فيما يتعلَّق بالمعالم الإسلامية، والآثار الإسلامية، وأهميَّة هذا المفهوم القرآني الديني؛ وذلك لأنه مستهدف من قِبَل أعداء الإسلام؛ لأن من أهم ما يركِّزون عليه: الاستهداف للمقدِّسات الإسلامية، والمعالم الإسلامية، يريدون طمسها:
- لِمَا لها من أهميَّة دينية.
- ولِمَا لها من تأثير وجداني وروحي.
- ولِمَا لها من قيمة إيمانية.
فالأعداء يدركون أهميتها كشعائر ومعالم مقدَّسة، ذات طابع ديني، يرتبط الناس بها وجدانياً، ويرتبطون بها فيما يتعلَّق بالأنشطة العبادية، والقرب إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والعبادة لله، والطاعة لله، وتُعَزِّز من الروابط الإيمانية فيما بينهم.
والإنسان كمخلوق في هذه الأرض، جعل الله له الشعائر والمعالم جزءاً أساسياً مِمَّا يتعبَّد الله به، على سبيل المثال:
- فيما يتعلَّق بالكعبة المشرَّفة: شرَّفها الله، والتي هي في أعلى القائمة فيما يتعلَّق بالمقدَّسات، نجد مثلاً: أنَّ الله ربط بها القبلة للصلاة، وكذلك الحج والعمرة، الطواف بها، وكذلك فيما يتعلَّق بجملة العبادة حولها لله، فضل الصلاة هناك، والأجر، والقربة العظيمة في الصلاة، في العبادة، في الدعاء، في الأعمال الصالحة، في قبول الدعاء… في أشياء كثيرة.
- ثم نجد كذلك- مثلاً- في بقية المعالم الإسلامية في الحج، للحج وللعمرة: ما هو منها- مثلاً- مشترك بين الحج والعمرة، وما هو للحج أيضاً، نجدها أكثرها معالم مكانية، يعني: أماكن، بُقَع، مثلاً: الصفا، المروة، مقام ابراهيم كذلك، يعني: معروف ما هو المقام إبراهيم “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، الصخرة التي فيها أثر قدميه، وكذلك المعالم المكانية الأخرى، التي يذهب إليها الحجاج كجزء من مناسك الحج: الوقوف في عرفات، كذلك المبيت فيه مزدلفة، الذهاب إلى منى… وغير ذلك، هذا فيما يتعلَّق بالحج- مثلاً- والعمرة.
- هناك معالم إسلامية أخرى: كما تحدَّثنا عن المسجد الأقصى، وعن أهميَّته، وبركته، وموقعه العظيم في المعالم الإسلامية، ما قبله هناك مسجد الرسول “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم”، ومقامه العظيم والمقدَّس في المدينة المنوَّرة، وما أكثر المعالم الإسلامية في الأقطار الإسلامية، والآثار الإسلامية التي لها أهمية دينية.
فنجد في الآيات المباركة، كيف أنَّها أصيلةٌ في الرسالات الإلهية على امتداد الزمن، وعلى امتداد الرسالات الالهية في عمق التاريخ، يعني: في قصة نبي الله إبراهيم “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وإسماعيل “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وهنا نجد في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، ونجد التعبير عنها بـ (المقدَّسات)، يعني مثل: وصف الوادي المقدَّس بالبركة، والأماكن المباركة، مثلما نجد- مثلاً- في التعبير عن البقعة المباركة، ونجد أيضاً مفردة (التعظيم) فيما ورد- مثلاً- في (سورة الحج): {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}[الحج:32]، مع أنَّ مفردة (التعظيم) عند التكفيريين لغير الله شرك، مفردة التعظيم في استخدامها لأي شيء آخر غير الله، يقولون: [شرك، خروج من المِلَّة، يجب أن يذبح من يستخدم هذا التعبير، أو يتحرَّك على أساسه من الوريد إلى الوريد]، وكما شرحنا: المسألة خلفها هندسة يهودية، ووراءها تدبير ومخطط عملت عليه بريطانيا في المقدِّمة، ثم نشطت فيه القوى الصهيونية بشكلٍ كبير.
فالمعالم الإسلامية، والأماكن، والمقدَّسات:
- لها أهميتها الكبيرة بما ارتبط بها من قربة، وما أعطاها الله من قدسية، مثلما ذكرنا عن الكعبة المشرَّفة، عن مقام إبراهيم، عن الصفا والمروة… عن غير ذلك، وهذا كمثال في مقدِّمة المعالم الإسلامية، وليس حصراً.
- لها أهميتها في الارتباط الوجداني حتَّى بماضينا، بالماضي فيما يتعلَّق بالأعلام، فيما يتعلَّق بمسيرة الدين، أنَّها مسيرة عظيمة ممتدة عبر الزمن، منذ بداية الوجود البشري في آدم، الذي كان نبياً من أنبياء الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ”، والربط من خلال هذه الأماكن الربط بالمعالم، والأعلام، والرسل، والأنبياء، والهداة من عباد الله، والأثر الوجداني لذلك مؤكَّد، الإنسان يتأثر في مشاعره، في وجدانه، حينما يذهب إليها، حينما يتذكَّر ما يتعلَّق بها، مِمَّا يربطه بأعلام، برسل، بأنبياء، بأولياء الله، ومِمَّا يربطه أيضاً بوحدة مسيرة الدين أنَّها مسيرة واحدة، ممتدة عبر الزمن للأنبياء والرسل وأولياء الله.
- ولها أهمية في تعزيز الروابط ما بين الأمة، طبعاً لها بركاتها، يعني: ما يعطي الله فيها من البركات، من الخيرات، من فضل الطاعة فيها… وغير ذلك.
هذا يدلُّنا على أهميتها، والإنسان بحاجة- أصلاً- إلى شعائر، إلى معالم واضحة في الأرض، هذا جزءٌ من التدبير الإلهي، وفطرة الإنسان تنسجم مع ذلك، يعني: لا يوجد تقريباً أُمَّة من الأمم على الأرض، حتَّى في خارج الدين الإسلامي، إلَّا ولديها أماكن، معالم؛ تقدِّسها، تقدِّرها، تعظِّمها، ترتبط روحياً ووجدانياً بها، ولديها تجاهها رؤية معيَّنة، وكثيرٌ منها قد يكون فيه حالة انحراف… وغير ذلك، لكن كمثال؛ لأن أصل الفطرة الإنسانية تتَّجه إلى ذلك.
تحدثنا أيضاً على ضوء قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في ندائه لعبده ونبيه موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}[طه:13]، كيف أنَّ الاختيار هو إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” للرسل والأنبياء، ويعدُّهم لهذه المهمة؛ لأنها مهمة مقدَّسة وعظيمة، لا يمكن فيها التأهيل البشري، يعني: ليس هناك- مثلاً- مدرسة يدرس فيها الإنسان حتَّى يتخرَّج رسول أو نبي، وليس هناك قدرة للإعداد البشري بمستوى هذه المهمة؛ ولذلك يأتي الاختيار من الله، والإعداد، والتأهيل، وقرأنا قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” فيما يتعلَّق بموسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه:41]، وكذلك ما يعنيه هذا من التذكير له بمنَّة الله العظيمة عليه؛ لأنها نعمة كبيرة على الرسل والأنبياء، أنَّ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” اختارهم لهذه المهمة العظيمة والمقدَّسة: الرسالة الإلهية، شرفٌ عظيمٌ جدًّا، يعني: قد ينظر البعض إلى المسألة من منظورٍ آخر، من منظور المشاق التي قد يعانون منها، والمخاطر التي قد يواجهونها، إلى درجة أنَّ الكثير من الرسل والأنبياء استشهدوا، والبعض- مثلاً- في طبيعة الظروف التي يواجهونها، فينظر إلى المسألة وكأنها عبء عليهم، المسألة هي تشريف عظيم لهم، ومنَّةٌ عظيمةٌ من الله عليهم، ففي هذا أيضاً تذكيرٌ له بمنَّة الله عليه، وتذكيرٌ بالمسؤولية أيضاً المترتبة على ذلك.
{فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}[طه:13]، كيف أنه يؤمر بالإصغاء، بالاستماع، مع أنَّه بالتأكيد حتَّى بطبيعة ما هو قائم وحاصل في ذلك المشهد العظيم، هو متَّجه بكل فكره وذهنه، وبشغاف قلبه، متَّجهٌ إلى التركيز على النداء الإلهي، هذا يعطينا نظرةً صحيحة، ومفهوماً مهماً، تجاه قدسية هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وعظمة وأهمية هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وحاجة الانسان إلى أن يكون مصغياً، مستمعاً بكل ما تعنيه الكلمة، متفهِّماً، يعرف قيمة هدى الله، أهمية هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهنا تأكيد كبير، يعني: نجد- مثلاً- فيما يتعلَّق بأنبياء الله ورسله، والحث لهم بالرغم على ما هم فيه من الاهتمام أصلاً، من التركيز، من التعظيم لهدى الله، مثل هنا مثلاً: نجد هذا التنبيه لنبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}[طه:13].
نجد- مثلاً- فيما خاطب الله به رسوله محمداً “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم” الشيء الكثير، في تنبيهه على عظمة ما يقدَّم إليه من هدى، {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}[المزمل:5]، قول عظيم مهم، ثقل معنوي، ثقل في الأهمية، في المحتوى والمضمون، الذي له أهمية كبرى، وشأن عظيم.
فهذا درسٌ لنا نحن في علاقتنا بهدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}[طه:13]، الوحي من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والأنبياء والرسل يرتبطون بوحي الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وتعاليمه ارتباطاً تاماً:
- من حيث الارتباط المعرفي، يعني: كل معارفهم التي ترتبط بمهمتهم الرسالية، معتمدة بشكلٍ كاملٍ على الوحي الإلهي، وعلى تعاليم الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
- وكذلك على مستوى الاهتمام بالإصغاء، بالتركيز، بالاهتمام، بالتعظيم.
- وعلى مستوى الاهتداء بالوحي الإلهي، والاستنارة به.
- ثم حركتهم بالرسالة، وكذلك سائر الأنبياء “عَلَيْهِمُ السَّلَامُ”، في التبليغ، في التبيين، في تقديم تعاليم الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، من خلال هدى الله، من خلال الوحي، تقديم هدى الله إلى الناس، وسعيهم لهداية الناس.
الصلة بالوحي الإلهي صلة اهتداء، والتزام، واتِّباع، وتمسُّك؛ ولهذا نجد في القرآن الكريم فيما يتعلَّق برسول الله محمد، خاتم النبيين “صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِين”، التأكيد الكثير: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}[الأحقاف:9]، {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ}[الأنعام:106]، {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ}[يونس:109]، التأكيد على هذا الارتباط في مقام الاتِّباع، في مقام العمل، وهذه مسألة في غاية الأهمية.
الرسل والأنبياء هم حلقة وصلٍ للناس بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يوصلون كتب الله، وتعاليمه، وهداه إلى الناس؛ وبالتالي فالوحي نفسه فيما هو موجَّهٌ إلى الناس يصل إليهم من خلال الرسل والأنبياء، فيما تضمَّنته كتب الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” من تعليمات أساسية للناس في حياتهم، وفيما قدَّمه الرسل والأنبياء إليهم.
وهذه مسألة يجب أن نستشعر أهميتها وعظمتها، وأنها نعمة كبيرة، وهذه أيضاً- أصلاً- هي المهمة الرئيسية للرسل والأنبياء في ربط الناس بهدى الله، وهم يقومون في مهمتهم الرسالية بالتبليغ، ويعملون في مسيرة الحياة على إقامة هدى الله ودين الله في واقع الناس، في حياتهم، ويقدِّمون هم النموذج والقدرة في الالتزام بها، في التَّمَسُّك بها، في التَّحَرُّك على أساسها، في الاهتداء بها؛ ولذلك دورهم دور مهم وأساس.
ثم مع إدراك أهمية ذلك، يعني: نجد أنَّ الأنبياء بأنفسهم والرسل “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم” منذ البداية، يرتبطون بهدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” من خلال الوحي الإلهي، فيستقبلون التعاليم من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في ظل وضعٍ قائمٍ على الوضوح، ليس فيه أي شك، أو التباس، ولا غموض، وفي إطار واقعٍ يصلون فيه إلى اليقين، ويتحرَّكون بإيمان وثقة تامَّة، يعني: كل ما تحاط به عملية البعثة بالرسالة من أجواء، وفي كيفية نزول الوحي إليهم، ثم ما يترافق مع ذلك من آيات ومعجزات، هي بالمستوى الذي يجعلهم ينطلقون في مهماتهم الرسالية بكل يقين، بكل ثقة، بكل اطمئنان، هذا مبدأٌ عظيمٌ ومهمٌ جدًّا، علينا أن نستوعبه، وأن نكون على يقينٍ منه، هو مبدأٌ يحاربه الكافرون، ويشكِّكون فيه، يثيرون حوله الشبهات، يستغلون كل الروايات المكذوبة والخاطئة، ويستغلون كل المفاهيم الخاطئة التي نتجت عنها؛ فيحاولون أن يقدِّموا أجواء البعثة بالرسالة على أنَّها أجواء محاطة بالالتباس، والشكوك، والشبهات، والغموض، والأشياء الغريبة الملتبسة، السلبية، التي لا تثمر يقيناً.
مسألة الأنبياء “عَلَيْهِمُ السَّلَامُ”، والرسل “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم”، في مهمتهم عندما يبعثهم الله بالرسالة والنبوءة، يقترن بها إيمانهم هم، هم أول المسلمين، أول المؤمنين، ويتحرَّكون بيقين؛ ولهذا– مثلاً- حتَّى في التوصيف لرسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” في القرآن الكريم نجد: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام:163]، {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}[الأعراف:143]، {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ}[البقرة:285]، بل نجد أيضاً في مثل قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}[الزمر:33]، نجد في رعاية الله للأنبياء كيف يرعاهم ويريهم الكثير من الآيات، التي تزيدهم يقيناً حتَّى فيما يتعلَّق بمهامهم الرسالية، في مبادئها، في نجاحها، في القيام بها، في تحمُّل أعبائها، بالنظر إلى ما يواجهونه من صعوبات وتحديات ومخاطر، وهذه مسألة في غاية الأهمية أن نستوعبها جيِّداً.
فما الذي كان محتوى ذلك الوحي الذي أوحاه الله إليه في البداية، عندما قال: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}[طه:13]، ما هو المحتوى لهذا الوحي الإلهي؟
يقول تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى}[طه:14-16]، هذا النموذج يبيِّن لنا كيف بدء الوحي في مضمونه ومحتواه، يعني: ما هي المبادئ والمفاهيم الأولى، التي يتلقاها الرسل في بداية البعثة بالرسالة؟ ما هي المواضيع التي تقدَّم إليهم في البداية؟ ما هي العناوين الأساسية التي يوحيها الله إليهم في بداية الوحي، في بداية التكليف بالرسالة، في بداية البعثة بالرسالة؟ وهذه أيضاً مسألة مهمة لنا؛ لأنها– كما ذكرنا- مِمَّا دخلها الكثير من التشويش، والروايات المكذوبة والخاطئة.
هـــذا المحتــوى نجــد فيـــه:
- أنَّ أول ما فيه: هو مبدأ التوحيد لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا}[طه:14]، الحديث عن ألوهية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وأنَّه وحده الإله الذي لا تحقُّ العبادة إلَّا له، والأمر بالعبادة لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وحده.
- ثم الحديث عن إقامة الصلاة.
- ثم الحديث عن الساعة والقيامة، والمسؤولية في الأعمال والجزاء.
هذه خلاصة عمَّا ورد، وسنتحدث عنها على نحوٍ من التفصيل مع الاختصار إن شاء الله.
لكن– كما قلنا- هذا النموذج مهم جدًّا، هو الشيء المتوقَّع بحسب الحكمة، أن يكون في مقدِّمة ما يوحى به إلى رسل الله وأنبياء الله، أثناء بعثتهم بالرسالة، أن يكون ما يوحى هو: التركيز على الأسس الكبرى، الجامعة لتفاصيل الدين، يعني: عناوين جامعة وأساسية، يبنى عليها الدين بكله.
ولهذا أكَّد أهل البيت “عَلَيْهِمُ السَّلَامُ”، وكثيرٌ من مفسِّري ومؤرِّخي وعلماء الأمة الإسلامية، أنَّ أول ما نزل من القرآن الكريم هو (سورة الفاتحة)، (سورة الفاتحة) عناوين عامَّة، عناوين شاملة، ومفاهيم أساسية كبرى، يحتويها القرآن الكريم بالتفصيل؛ لأن بقية القرآن الكريم أتى كتفاصيل لها.
فالمواضيع التي تقدَّم في البداية، والعناوين التي يُبْدأ بها في الوحي، في المهمة الرسالية، هي العناوين الأساسية، هي المبادئ الكبرى المهمة، التي يقوم عليها الدين بكله.
فهنـــا نجــد- مثـلاً- في هــذه العنـــاوين:
- أولاً: التوحيد لله، والتقديم له هنا كمبدإٍ عملي:
ليس كمجرَّد عقيدة ذهنية منفصلة عن مسار العمل، وعن مسيرة الحياة، بل نجد أنه قدِّم هنا كمبدإٍ عمليٍ تترتب عليه العبادة بمفهومها الحقيقي، بما تعبِّر عنه من خضوعٍ مطلقٍ لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، من منطلق أننا عبيد لله، وله فينا حق الأمر والنهي، فنسير على هداه، ونلتزم بتعليماته في مسيرة حياتنا هذه؛ لأننا ملكٌ لله، والأرض ملكٌ لله، كل ما هو موجودٌ من المخلوقات والكائنات ملكٌ لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، هو الربُّ، هو الإله، هو الخالق، هو المالك؛ ولذلك نجد هنا كيف ترتَّب قوله: {فَاعْبُدْنِي}[طه:14]، على مبدأ التوحيد، أن نعبده وحده، ونعبِّد أنفسنا له بالسير على هداه، بالالتزام بتعليماته، فهذا المبدأ العظيم، هو المبدأ الذي تقوم عليه الرسالة الإلهية بكلها، بكلها.
طريقة الأنبياء “عَلَيْهِمُ السَّلَامُ” في مفهوم العبادة، كانت على هذا الاساس، يعني: مسيرة الحياة التي تبنى في تفاصيلها على أساس تعليمات الله وتوجيهاته، والسير على هداه، هذه العبادة لله، المفهوم الخاطئ للعبادة بأنَّها: مجرَّد الطقوس الدينية المحدودة، مثلاً: الصلاة في المساجد، أو بعضٍ من الأعمال العبادية الروحانية، ثم التَّحَرُّك في مسيرة الحياة وفق هوى الإنسان، وأهواء الآخرين، حتَّى أهواء كافرين، وضالين، ومجرمين، ضلال رهيب جدًّا، ويُفقد الإنسان ثمرة الانتماء للرسالة الإلهية، للدين الإلهي الحق؛ ولهذا نجد الأنبياء كيف حرَّروا من آمن معهم من العبودية لغير الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، واتَّجهوا بهم في مسيرة الحياة بشكلٍ عام في مختلف المجالات، وفق تعليمات الله، وهدي الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
- {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}[طه:14]:
الصلاة عبادة عظيمة، ذات أهمية كبيرة جدًّا في كلِّ رسالات الله، وفي اهتمام أنبيائه على مرِّ التاريخ، الصلاة القيِّمة، هنا نجد عبارة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ}[طه:14]، وليس فقط: [وَصَلِّ]، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ}[طه:14]؛ لأنه يأتي الحث على الصلاة القيِّمة، وهي في مقدِّمة الشرائع الإلهية، يعني: في ما يشرعه الله لعباده في كل رسالة، مع كل رسول من رسل الله، يأتي في المقدِّمة التشريع للصلاة، والتأكيد عليها، والحث عليها، وإعطائها موقع كبير جدًّا بين العبادات المفروضة، والتعليمات الإلهية التي على الإنسان أن يلتزم بها، وهذا يبين أهميتها الكبيرة جدًّا، وفعلاً لها أهمية كبيرة جدًّا:
- في تربية الإنسان.
- في تزكية نفسه.
- في تطهير روحه، وتطهير قلبه ووجدانه ومشاعره.
ولكنَّ روحها، الذي يعطيها أيضاً أهميةً كبرى في غاية الأهمية، هو: الذكر لله، والتَّذَكُّر له؛ ولهذا نجد هنا هذا التعبير: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}[طه:14]، الصلاة مشحونةٌ بالأذكار لله، يعني: نجد- مثلاً- في الشريعة الإسلامية في أذكار الصلاة: التكبير، التسبيح، التحميد، القراءة للقرآن الكريم؛ كلها أذكار من بدايتها إلى آخرها، ذكر لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وأذكار متنوعة، وهي وفق ما شرعه الله، ليس للإنسان أن يقدِّم لنفسه مقترحات في كيفية الأذكار داخل الصلاة، بل كما شرعها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
فروح الصلاة القيِّمة، هو: الذكر لله، والتذكر له، هذا له أهميته الكبرى:
- في أن يشد الإنسان إلى الله.
- في التعظيم لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
- في إخراج الإنسان من حالة الغفلة؛ لأن الإنسان يغفل مع كثرة هموم الحياة، ومشاكلها، وضغوطها، وأحداثها، وأنواع الشواغل فيها، قد يذهل الإنسان ويغفل، ولكن لأن الصلاة تأتي في أوقات زمنية خلال اليوم والليلة؛ تذكِّره بالله، تشدُّه إلى الله.
ومن أهمِّ ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان فيما يتعلَّق بالصلاة، ومِمَّا يساعد على الاستفادة العظيمة منها:
- المعرفة بمعاني أذكارها.
- والترسيخ لهذه المعاني مع كلِّ صلاةٍ نصليها.
هذا له أهميته الكبيرة، مثلاً: عندما نجد أنَّ من أهم أذكار الصلاة التكبير لله (الله أكبر)، حتَّى في تكبيرة الإحرام التي ندخل بها في الصلاة، ثم في تكبير النقل، وما لهذا المفهوم العظيم من أثر في أن يحرِّرنا من كلِّ حالة التعظيم والخضوع لما عدا الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، مِمَّن يقدِّمون أنفسهم في هذه الحياة كآلهة أخرى، يحاولون أن يفرضوا الشعور بعظمتهم فوق كل عظمة، الخوف منهم فوق كل شيء، الانشداد إليهم فوق كل شيء، الاستسلام لهم فوق كل شيء؛ فيحرِّرنا من حالة الخوف، وحالة الخضوع للطغاة، والجبابرة، والمتكبرين، والظالمين، وهكذا بقية الأذكار التي لها أهمية كبرى، هناك ملزمة مفيدة جدًّا لشهيد القرآن، تحت عنوان: (وأقم الصلاة لذكري)، وهذه الملزمة فيها ما يفيد جدًّا في معاني أذكار الصلاة.
هنا نجد هذا التأكيد، على إقامة الصلاة في مقدِّمة العناوين، التي ابتدأت بها البعثة بالرسالة، المفاهيم الأولى، والعناوين الكبرى التي ابتدأت بها رسالة الله إلى عبده ونبيه ورسوله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.
- ثم نجد قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}[طه:15]:
التأكيد على الساعة، على الإيمان بالقيامة، الآتية حتماً، والقريبة، الناس قد يتصوَّرونها بعيدة جدًّا، قريبة، ولكنها لا تأتي إلَّا بغتة، تأتي بشكل مفاجئ للناس، في وقتٍ غير متوقع؛ ولهذا قال: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}[طه:15]، فيما يتعلَّق بوقتها، ووقت مجيئها، لا تأتي الناس إلَّا بغتة.
الإيمان بالساعة له أهميته الكبيرة جدًّا، إيمان الإنسان بالحساب والجزاء، بالآخرة، كما ذكرها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في كتبه، وعبر رسله، وما قدَّموه لنا من أوصاف عن الآخرة، وشرحوه لنا عنها، هذا شيءٌ مهمٌ للغاية، له أهميته الكبرى في الإيمان بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، هو جزءٌ من إيماننا بالله، بعدله، بعزَّته، بحكمته، وأنَّه القائم بالقسط في عباده، وأيضاً بحكمته، أنَّه يفرِّق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، ويجازي.
ومسألة الإيمان بالآخرة له أهميته الكبرى فيما يتعلَّق باستقامة الإنسان هنا في الدنيا، يعني: هو من أهم الدوافع التي تدفع الإنسان إلى الاستقامة في هذه الحياة، وإدراك حجم المسؤولية في الأعمال التي يعملها.
{لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}[طه:15]، الإيمان بالجزاء أنه محتومٌ، الجزاء على الخير خير، وعلى الشر شر.
فــأتى هنـــا: المبدأ، والمعاد، والمسؤولية في حياة الإنسان تجاه أعماله، والمسار المرسوم له للنجاة والفلاح، وهو العبادة بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
{فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى}[طه:16]، لا يصدنَّك عن الإيمان بها، وعن الإشفاق منها، وعن الاستعداد لها، وعن أن تحسب حسابها، {مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا}[طه:16]، من لا يؤمنون بالآخرة لا يحسبون حسابها، ويتَّجهون في هذه الحياة منفلتين، بدون مسؤولية في أعمالهم، بدون شعور بعواقب هذه الأعمال، وما يترتب عليها؛ وذلك اتِّباعاً لأهوائهم.
أكبر ما يصد الإنسان عن الاستعداد للآخرة، وعن الاستقامة، هو: حينما يتحوَّل إلى متَّبعٍ لهواه، وهي حالة خطيرة على الإنسان، وحالة بعيدة عن الرشد، عن الحكمة، عن المسؤولية، عن الأخلاق، أن يكون الإنسان متَّبعاً لهوى نفسه، ما تهواه نفسه يتَّبعه، ويعمله، ويسير وراءه، هي حالة بعيدة عن الرشد، عن الحكمة، عن الخير؛ لأن الإنسان في أهوائه قد يهوى:
- ما هو من المحرمات.
- ما هو من الباطل.
- ما هو من الزيغ.
- ما هو من الفساد.
- ما لا يليق حتَّى مع كرامته الإنسانية، وقيمته الإنسانية.
لا ينبغي أبداً أن يكون ما يتَّبعه الإنسان هو هوى النفس، مسألة الاتِّباع مسألة مهمة جدًّا، تكون مبنية على أساس صحيح، وعلى مسؤولية، الإنسان يدرك عواقب أعماله، عواقب مواقفه، عواقب تصرفاته؛ ولهذا يأتي ضبط مسيرة الإنسان في أن تكون مسيرة مستقيمة في حياته، بأن يضبط هوى نفسه، ولا يكون متَّبعاً لهوى نفسه.
{فَتَرْدَى}[طه:16]؛ لأن النتيجة هي: الهلاك الحتمي، اتِّباع الهوى هو من أكبر ما يصد الإنسان عن الاستعداد للآخرة، يدفع بالإنسان إلى الاستهتار بالمسؤولية، إلى الانحراف عن هدى الله، والنتيجة المحتومة لذلك هي الهلاك والعياذ بالله.
نكتفي بهذا المقدار.
وَنَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
التعليقات مغلقة.