غزة في استقبال رمضان الثالث: مآذن جريحة، خيامٌ مهترئة، وغصةٌ تسكن القلوب تحت سماء “وقف إطلاق النار” الهش
صنعاء سيتي | متابعات
للعام الثالث على التوالي، يطرق شهر رمضان المبارك أبواب قطاع غزة، لكنه لا يجد الأبواب التي عهدها، ولا البيوت التي كانت تضج بالحياة؛ فقد استبدلت المدن معالمها بالركام، وتحولت الأحياء إلى مقابر مفتوحة، ليدخل الشهر الفضيل على سكان القطاع وهم مثقلون بأحزانٍ لا تبرأ وجراحٍ لا تندمل.
ورغم ما يُشاع عن “وقف إطلاق النار”، إلا أن الواقع الميداني يحكي قصة أخرى؛ حيث لا تزال صواريخ الاحتلال وخروقاته تحصد الأرواح، مخلّفةً أكثر من 600 شهيد منذ إعلان التهدئة، وكأن الموت أبى أن يغادر سماء غزة حتى في أيام الطمأنينة المفترضة.
يستقبل الغزيون رمضانهم هذا العام بـ “غصة” تكلل القلوب؛ فإحصائيات الإبادة الجماعية التي لم تتوقف منذ عامين، خلفت وراءها أكثر من 72 ألف شهيد و171 ألف جريح، ما يعني أن كل مائدة إفطار في غزة اليوم ستعاني من “كراسي فارغة” لأحبةٍ غيبهم الموت أو غيبتهم السجون والأنقاض.
ولقد بات الحديث عن “أجواء رمضان” وطقوسه المعتادة نوعاً من الترف الذهني الذي لا يمت للواقع بصلة، في ظل جوعٍ ينهش الأمعاء، وبردٍ قارس يمزق أجساد الأطفال النازحين في خيامٍ لا ترد حراً ولا تقي شتاءً.
على الصعيد المعيشي، وصلت الأوضاع في القطاع إلى نقطة الانفجار؛ حيث فقدت العائلات قدرتها الشرائية تماماً نتيجة انعدام الدخل وارتفاع معدلات البطالة والأسعار إلى مستويات فلكية.
وبات أكثر من 90% من السكان يعتمدون كلياً على المساعدات الإغاثية الشحيحة لتأمين قوت يومهم. حتى “فانوس رمضان” الذي كان يضيء أزقة المخيمات، انطفأ نوره، وحلّت مكانه قصاصات ورق باهتة يصنعها الأطفال بأيديهم، لا لتحمل شمعة، بل لتذكّرهم بهويتهم وبأن هناك شهراً يسمى رمضان كان يوماً ما يحمل الفرح.
في بلدة “الزوايدة” بوسط القطاع، تلخص النازحة “أم محمد سالم” مأساة آلاف الأمهات؛ فقد هُجّرت من جباليا شمالاً لتعيش في خيمة مهترئة تفتقر لأبنى مقومات الحياة.
تقول بمرارة: “رمضان في الخيام قسوةٌ لا توصف، فلا إضاءة لتحضير السحور، ولا غاز لطهي الإفطار، وحتى المكان الذي أصنع فيه الطعام هو زاوية ضيقة في العراء”. وتضيف أنها تحاول صنع “فرحة من ورق” لأطفالها عبر قصاصات يدوية، كي لا ينسوا معنى الشهر الفضيل وسط هذه العتمة الشاملة.
لقد تحول سكان غزة إلى “كتلة من الصمت المرهق”، يواجهون قدرهم بجلدٍ أسطوري، لكن ملامح الحياة التي تغيرت، وتفاصيل الأيام التي تبدلت، جعلت من استقبال رمضان محطة لمراجعة الفقد لا للاحتفال.
وبينما ينتظر العالم هلال الشهر، ينتظر الغزيون هلالاً يحمل معه نهاية حقيقية وشاملة لهذا العدوان، لعلهم يعودون يوماً إلى مطابخهم المتواضعة ومنازلهم التي سُويت بالأرض، ليصنعوا طعامهم بكرامة بعيداً عن طوابير المساعدات ونيران الحطب.
التعليقات مغلقة.