ثورة 21 سبتمبر.. من طرد المارينز إلى استعادة السيادة اليمنية
صنعاء سيتي | تقرير خاص
لم يكن الحادي عشر من فبراير 2015 مجرد تاريخ عابر، بل لحظة فاصلة أغلقت فيها صفحة الوصاية الأمريكية إلى غير رجعة، عندما غادرت قوات المارينز الأمريكي العاصمة صنعاء في مشهد مذل، أنهى سنوات من التدخل المباشر والهيمنة على مفاصل الدولة، ودشّن مسارًا سياديًا جديدًا فرضته ثورة 21 سبتمبر بإرادة شعبية صلبة.
هذا اليوم جسّد الانكسار العلني الأول للمشروع الأمريكي في اليمن، بعدما كان الوجود الأمريكي يتحكم بالقرار السياسي والعسكري والأمني، ويدير مؤسسات الدولة تحت عناوين زائفة كـ “الدعم” و”الشراكة” و”مكافحة الإرهاب”.
تكشف الوقائع أن مغادرة المارينز لم تكن انسحابًا دبلوماسيًا اعتياديًا، بل عملية هروب مرتبكة؛ أقدم خلالها الجنود الأمريكيون على إحراق وثائق حساسة وتحطيم أجهزة وسيرفرات داخل السفارة لمنع انكشاف شبكة التجسس التي أدارتها واشنطن من صنعاء.
وللمرة الأولى في تاريخ الوجود الأمريكي، خضع عناصر المارينز للتفتيش أثناء مغادرتهم مطار العاصمة، بعد نزع أسلحتهم، واضطر بعضهم لتكسير 250 قطعة سلاح فردي ومتوسط (نوع M4 وM24) بأيديهم.
إلى جانب ذلك، تركت البعثة الأمريكية خلفها 32 عربة مصفحة وأجهزة اتصال مشفرة تم الاستيلاء عليها وتفكيكها، ما تسبب في “عمى معلوماتي” لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) استمر حتى اليوم. هذا الانكسار الميداني يعكس قوة القرار اليمني ونجاح الثورة في بتر الأطراف التجسسية التي كانت تدير 48 مكتبًا تنسيقياً داخل مؤسسات الدولة، ويثبت أن القرار اليمني بات بيد أبنائه بالكامل.
لم يكن طرد المارينز حدثًا منفصلًا، بل ثمرة مباشرة لثورة 21 سبتمبر، التي قطعت الطريق على مشروع الهيمنة، وأعادت القرار السيادي، وحررت المؤسسات العسكرية والأمنية من الفيتو الأمريكي الذي كان يمنع بناء قدرات دفاعية حقيقية.
هذا التحول مكّن اليمن من الانتقال من مرحلة التجريد والاستهداف إلى مرحلة بناء قوة ردع فاعلة، تجلت لاحقًا في فرض المعادلات البحرية وفرض الحظر على الملاحة الصهيونية، وصولًا إلى انسحاب حاملات الطائرات الأمريكية من البحر الأحمر.
في كلمة له بمناسبة الذكرى، أكد السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي أن هروب المارينز من صنعاء هو “ثمرة كبيرة ومهمة لثورة الحادي والعشرين من سبتمبر”، مشددًا على أن الخلاص من الهيمنة الأمريكية حفظ كرامة اليمن وعزته الإيمانية.
وأوضح السيد أن الوجود الأمريكي في صنعاء سعى للسيطرة الكاملة على الدولة وإدارتها وفق مصالحه الخاصة، بما في ذلك التحكم بالقرار السياسي والعسكري والأمني، وإغراق اليمن في الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وتفكيك مؤسسات الدولة، والتحكم بالخطاب الديني والتربوي، وطمس الهوية الوطنية للشعب.
وأضاف أن طرد المارينز الأمريكي مثّل فشل المشروع الأمريكي في السيطرة التامة، وبداية مرحلة الاستقلال الوطني الحقيقي، وتمكين الشعب اليمني من إدارة شؤونه بحرية وكرامة.
وفي امتداد عملي للذكرى، شهدت صنعاء اليوم مسيرة جماهيرية حاشدة أمام مبنى السفارة الأمريكية، أكدت أن 11 فبراير لم يعد تاريخًا عابرًا بل محطة متجددة في الوعي الشعبي.
رفع المشاركون الأعلام اليمنية ولافتات ترفض الوصاية وتجدّد التمسك بالقرار الوطني المستقل، مرددين هتافات الفخر بتلك اللحظة التي غيّرت مسار اليمن، وأكدوا أن الشعب الذي طرد المارينز بالأمس قادر على مواجهة أي محاولة للتدخل أو العودة إلى مربع الوصاية.
وجدد بيان المسيرة الثبات على نهج القرآن والاستعداد لأي جولة قادمة من الصراع، مع مواصلة الدعم الكامل للشعب الفلسطيني، باعتبار أن معركة السيادة واحدة وعدوها واحد.
يرى مراقبون أن ما جرى في مطار صنعاء عام 2015 تكرر بصيغة أكبر في البحر الأحمر، حين اضطرت الأساطيل الأمريكية للانسحاب تحت ضغط العمليات اليمنية، مؤكدًا أن طرد المارينز كان نقطة البداية لمسار انتهى بفرض معادلات ردع غير مسبوقة.
وتشير تقارير غربية إلى أن واشنطن تكبدت خسائر مالية وعسكرية هائلة دون تحقيق أي أهداف، ما جعل اليمن نموذجًا حيًا لسقوط “خرافة القوة الأمريكية” أمام إرادة شعبية مؤمنة ومستقلة.
بعد أحد عشر عامًا، تثبت الوقائع أن طرد المارينز من صنعاء لم يكن رد فعل مؤقتًا، بل قرارًا سياديًا استراتيجيًا أسس لمرحلة جديدة خرج فيها اليمن من هامش التبعية إلى موقع الفعل والتأثير.
ويبقى 11 فبراير شاهدًا على أن الشعوب قادرة على كسر أدوات الهيمنة مهما عظمت، وأن ثورة 21 سبتمبر لم تسقط وصاية سياسية فحسب، بل أعادت صياغة معادلة القوة والسيادة في اليمن والمنطقة.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر


التعليقات مغلقة.