من “الحديقة الخلفية” إلى فضاء السيادة: قراءة في سقوط الوصاية ومنطق العمالة
صنعاء سيتي | مقالات | مرتضى الجرموزي
إلى أُولئك الذين ما زالوا يتباكون على أطلال الماضي، ويتشدقون بشعارات الوطنية والسيادة والكرامة والحرية التي يزعمون أنها كانت قائمة قبل ثورة 21 سبتمبر 2014م؛ مهلًا، أيّها القوم فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة اليمنية ليست مثقوبة لتنسى كيف كانت اليمن في عهد النظام العفَّاشي ومعه حزب “الإصلاح” مستباحةً بكل ما تعنيه الكلمة، وتحوّلت بفضل الخيانة إلى مُجَـرّد حديقة خلفية تُدار من أروقة السفارات.
مأساة الجندي: القيد على الصدور والمنع من الذخيرة
في تلك الحقبة السوداء، كان المشهد في المعسكرات يبعث على الأسى؛ حَيثُ كان يُحرم على العسكري اليمني مُجَـرّد المرور بجانب مخازن السلاح، رغم أنها لم تكن تحتوي إلا على بنادق “حالة أمها حالة” وذخيرة “حمراء” قديمة.
كان الجندي اليمني يعيش تحت وطأة الترهيب والقيود الصارمة:
إذا “قرحت” طلقة واحدة من بندقيته “بالغلط” أَو عمدًا، كانت الدنيا تقوم ولا تقعد.
يُساق الجندي إلى الزنازين (بيت خاله) لمدة أسبوع أَو عشرة أَيَّـام أَو شهر، مع حلق الرأس “صلعة” والتعرض للشرشحة والبهذلة.
والأنكى من ذلك، كان يتم خصم قيمة تلك الطلقة من “المعاش” الهزيل للجندي الذي يُفترَض أنه حامي الحمى.
خيانة “الدانق”: حين أصبحت المخازن مرتعًا للأجانب
بينما كان الجندي يُحاسَب على طلقة، كانت أبوابُ المخازن الاستراتيجية لليمن تُفتَحُ على مصراعَيها لضباط الاستخبارات والسفارة الأمريكية.
هؤلاء كانوا يطوفون في معسكراتنا بكل عنجهية، لا لمعاينتها، بل لتفجيرها وإتلاف مقدرات الشعب العسكرية.
لقد جرى ذلك بإشراف مباشر من أدوات العمالة في “الأمن القومي”، وعلى رأسهم “المرتزِق الصغير” عمّار صالح، الذي استغل منصبه كوكيل لجهاز الأمن القومي لينفذ أجندةَ التجريد العسكري لليمن.
في عملية غادرة لم يشهد لها التاريخُ مثيلًا، وبكل دم بارد، تم تفجير وإتلاف أكثر من 2500 صاروخ حراري (دفاع جوي)، وهي السلاح الذي كان يفترض أن يحمي سماء اليمن من أي اعتداء.
لقد قدموا كرامة اليمن وقدراته العسكرية قربانًا للأمريكي؛ ليضمنوا بقاءهم في كراسي الحكم المهتزة.
المقارنة الفاصلة: من التفجير إلى التصنيع
شتانَ ما بين زمنين، وبين عقليتين:
زمن الارتهان: كان النظام يرى في تدمير سلاحه “شهادة حُسن سيرة وسلوك” لدى واشنطن، وكانت السيادةُ مُجَـرّدَ “صميل” يُرفَعُ في وجه الشعب المسحوق فقط.
زمن الحرية (اليوم): اليمن الذي كان يمنعُ جنديه من الاقتراب من مخزن الكلاشنكوف، بات اليوم يصنعُ “الصواريخ الباليستية” و”الطائرات المسيَّرة” بعقول وسواعد يمنية خالصة.
هذه الأسلحة لم تعد حبيسةَ المخازن، بل أصبحت عابرةً للحدود والبحار، تصلُ بدقة متناهية إلى عمق يافا المسماة احتلاليًّا بـ “تل أبيب” ومناطق حيوية أُخرى في كيان الاحتلال؛ لتعيد لليمن هيبته التي أهدرها النظام السابق.
اليوم، لا توجد سفارة تملي أوامرَها، ولا مخابرات تجرؤ على دخول مخازننا السيادية.
حقيقة “السيادة” المزعومة: لأُولئك المتباكين، نقول: لا وضع الله لكم بركة، ولا فتح عليكم، ولا أدرّ عليكم رزقًا، أنتم وتلك “السيادة والحرية والكرامة” الزائفة التي كنتم تسومون بها الشعبَ سوءَ العذاب وتكمِّمون بها أفواهه، بينما كنتم أمام الأجنبي “نِعاجًا” تسلِّمون سلاحَ بلادكم ليُدمّـَر أمام أعينكم.
الحمدُ لله الذي نجانا من القوم الظالمين، وطهَّر أرضَنا من تلك القاذورات والأدوات التي جعلت من العمالة مهنة ومن الخيانة منهجًا.
لقد أخرجت ثورة 21 سبتمبر تلك الأدوات من السلطة؛ لتبدأ رحلةُ اليمن الحقيقية نحو الاستقلال الكامل.
التعليقات مغلقة.