سقوط “الرهانات الناعمة”: حملة #أوبِه الشعبية وتفكيك المشروع الاستخباري الأمريكي في اليمن

صنعاء سيتي | تقرير خاص

تُمثل اللحظة الراهنة في تاريخ المواجهة اليمنية مع قوى الاستكبار العالمي مرحلة “الفرز التاريخي” بين إرادة الشعوب التواقة للتحرر والمخططات الاستعمارية التي تعتمد على الاختراق من الداخل. وفي قلب هذه المواجهة، برزت حملة “#أوبِه” كظاهرة مجتمعية فريدة ولدت من رحم الوعي الشعبي ومنصات التواصل الاجتماعي بتوجيه من نشطاء يمنيين أدركوا مبكراً خطورة الحرب الناعمة. إن هذا التحول من الدفاع العسكري الصرف إلى الهجوم المعرفي الشعبي يعكس عمق التحول في الشخصية اليمنية التي لم تعد تكتفي برفض الوصاية السياسية، بل انتقلت إلى مرحلة “التحصين الذاتي” للجبهة الداخلية، مما جعل من المواطن حائط صد منيع أمام محاولات الاستقطاب والتجنيد التي تمارسها أجهزة المخابرات الدولية تحت غطاءات إنسانية وحقوقية زائفة.

إن القراءة الاستراتيجية لرد الفعل الأمريكي الرسمي، المتسم بالتشنج والارتباك تجاه هذه الحملة الشعبية، تكشف عن اعتراف ضمني بهزيمة الأدوات الاستخباراتية التي استثمرت فيها واشنطن مليارات الدولارات وعقوداً من الزمن. فالولايات المتحدة، التي اعتادت التعامل مع الأنظمة عبر القنوات الدبلوماسية أو الضغوط العسكرية، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع “وعي جمعي” عصي على التدجين. إن هذه المواجهة ليست مجرد صراع إعلامي، بل هي معركة وجودية بين سردية وطنية كاشفة ومشروع استعماري يقتات على التضليل، وبانتصار هذه السردية، يكون اليمن قد وضع اللبنة الأولى لكسر الهيمنة المعلوماتية الأمريكية في المنطقة، محولاً الأرض اليمنية إلى بيئة طاردة لكل أشكال التجسس والتبعية.

عفوية المبادرة وصدمة “المركز الاستخباري” في واشنطن

لم تتوقع دوائر صنع القرار في واشنطن أن تأتي الضربة القاصمة لمشاريعها التخريبية من قبل ناشطين ومواطنين عاديين؛ حيث ظلت المخابرات الأمريكية (CIA) تراهن لسنوات على أن المجتمع اليمني المنهك بفعل الحصار سيكون بيئة خصبة لشراء الولاءات. إلا أن انطلاق حملة “#أوبِه” بجهود مجتمعية أثبت أن الوعي اليمني قد تجاوز مراحل الخطر، حيث نجح النشطاء في تبسيط المفاهيم الأمنية المعقدة وتحويلها إلى ثقافة شعبية دارجة تحذر من المصائد الاستخباراتية. هذا النوع من المقاومة ينبع من قناعات ذاتية تشكلت عبر سنوات من المعاناة، مما جعل الحملة تتوسع لتصبح ميثاقاً وطنياً للتحصين الأمني يصعب مواجهته بالترسانة العسكرية التقليدية.

إن ما أربك الحسابات الأمريكية هو “اللامركزية” في هذه الحملة؛ فهي لا تملك مقراً يمكن استهدافه، بل هي عبارة عن ملايين “العيون اليقظة” التي ترصد التحركات المشبوهة وتفضح أساليب الاستدراج التي تمارسها السفارات والمنظمات التابعة للمخابرات الأجنبية. لقد تحول الهاشتاج البسيط إلى مدرسة أمنية، حيث بدأ المواطنون يتداولون شواهد واقعية عن محاولات فاشلة للتجنيد، مما دفع الخارجية الأمريكية للتعبير عن قلقها أمام “كلمة حق” يطلقها مواطن من هاتفه المحمول. إن سقوط “الستر” عن العمليات السرية جعل من كل خطوة قادمة لواشنطن في اليمن مكشوفة، حيث فقد المشغل الأمريكي ثقة العميل المحتمل الذي بات يخشى يقظة مجتمعه قبل خشية السلطات.

تكمن قيمة الحملة في قدرتها على تجريد العدو من أسلحته النفسية، فالتخويف والابتزاز المستخدم لإسقاط الأفراد تحطم أمام حالة “التكافل الأمني” التي خلقتها “#أوبِه”. فعندما يصبح الوعي فعلاً مجتمعياً شاملاً، يتلاشى الخوف الفردي ويحل محله الفخر الوطني باليقظة، مما جعل وصول المخابرات الأمريكية إلى الداخل اليمني “مهمة مستحيلة”. لقد قدمت هذه المبادرة درساً في أن حماية الأوطان تبدأ من حماية العقول، وأن المجتمع الذي يمتلك زمام أمره المعرفي لا يمكن استعباده، وهو ما يفسر اعتبار واشنطن لهذه الحملة تهديداً لمصالحها القائمة على استغلال غفلة الشعوب وتغييب وعيها.

المناعة المجتمعية: حين يصبح الشعب هو “الرادار”

نجحت حملة “#أوبِه” في كشف واحدة من أخطر أساليب المخابرات الأمريكية في اليمن، وهي العمل تحت ستار “العمل الإنساني والحقوقي” الذي كان لسنوات طويلة “حصان طروادة” لجمع المعلومات وضرب النسيج الاجتماعي. وبفضل التوعية الشعبية، بدأ المجتمع ينظر بريبة واعية لكل تحرك مشبوه، وبدأت الأسئلة تُطرح حول أهداف المنظمات الدولية التي تركز على بناء قواعد بيانات تفصيلية عن الأفراد والمناطق. هذا الانكشاف للأدوات الناعمة جرّد الولايات المتحدة من قدرتها على المناورة خلف الشعارات البراقة، واضطرها للظهور بوجهها العدواني المباشر، وهو ما يعد انتصاراً استراتيجياً للسردية الوطنية.

إن التحول الذي أحدثته الحملة جعل من المواطن اليمني ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي، فالمعركة اليوم باتت بين شعب واعٍ وجهاز مخابرات أجنبي معتدٍ. هذا الانتقال النوعي أدى إلى تجفيف منابع المعلومات التي كانت تتدفق لواشنطن، حيث أصبح المواطن يدرك أن كل معلومة يقدمها لجهة مشبوهة قد تتحول لاحقاً إلى إحداثية لصاروخ أو مبرر لعقوبات اقتصادية. إن حالة “الاستغناء المعرفي” عن السرديات الغربية وتطوير سردية محلية جعل المجتمع عصياً على الاختراق، وباتت محاولات شراء الذمم تصطدم بكرامة يمانية وبوعي يرى في الخيانة سقوطاً أخلاقياً قبل أن يكون جنائياً.

ساهم هذا التحصين المجتمعي بشكل مباشر في دعم نجاحات الأجهزة الأمنية في صنعاء؛ فعندما يكون المجتمع واعياً، يصبح العمل الأمني أكثر سلاسة وفعالية، وتتحول العلاقة بين المواطن والأمن إلى تكامل وطني. إن ضبط الشبكات التجسسية الكبرى لم يكن ليتم بهذه الدقة لولا وجود بيئة شعبية ترفض التستر على الخونة وتنبذ المتعاونين مع العدو. إن واشنطن اليوم تجد نفسها أمام “جدار صلب” يمنعها من تمرير أجنداتها عبر الوسطاء أو الناشطين المستأجرين، لأن الجمهور اليمني بات يمتلك “الترميز” اللازم لتمييز الناشط الوطني عن العميل المتخفي.

تؤكد هذه الفقرة من المواجهة أن القوة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا الاستخباراتية المتطورة، بل في “البصيرة” التي يمتلكها شعب قرر السيادة على أرضه. إن سقوط الرهان الأمريكي على “الاختراق الناعم” يفسر لجوء واشنطن إلى التصعيد العسكري المباشر في البحر الأحمر، في محاولة يائسة لاستعادة هيبة سقطت تحت أقدام الوعي الشعبي. لقد أثبتت حملة “#أوبِه” أن الشعوب عندما تقرر حماية نفسها معرفياً، فإنها تبطل مفعول أعقد المخططات الاستعمارية وتجبر القوى العظمى على الاعتراف بفشلها أمام إرادة حرة ومسلحة باليقظة والوعي الجماعي.

تكامل القوة: يقظة القاعدة وقرار القمة

رغم أن حملة “#أوبِه” ولدت في الفضاء المجتمعي، إلا أنها أحدثت تناغماً مع العمليات الأمنية النوعية لسلطات صنعاء، مما خلق “معادلة أمنية” غير مسبوقة. هذا التكامل يعني أن الجاسوس لم يعد يخشى الاعتقال فحسب، بل يخشى النبذ والافتضاح أمام مجتمع يمتلك المعرفة لرصد سلوكه المنحرف. هذا الضغط المجتمعي أدى إلى انهيار معنوي في صفوف الشبكات التجسسية، حيث شعر المشغلون الأمريكيون بأن غطاءهم الشعبي قد تمزق، وأن استثماراتهم في بناء شخصيات مؤثرة لخدمة أجنداتهم قد ذهبت أدراج الرياح بفعل وعي طوعي تشكل عبر مقاطع توعوية عفوية.

إن النجاحات الأمنية المتمثلة في تفكيك خلايا تجسسية تعمل لصالح المخابرات الأمريكية والبريطانية وجدت في حملة “#أوبِه” الحاضنة الشعبية التي تشرح للناس أبعاد هذه المؤامرات. لقد قدم الناشطون من خلال هذه الحملة “الأدلة الجنائية الثقافية”، موضحين كيف يتم التجنيد عبر المنظمات أو الدورات التدريبية المشبوهة، مما عزز الثقة بالمؤسسات الأمنية الوطنية. هذا الترابط جعل الجبهة الداخلية كتلة واحدة حوّلت اليمن من ساحة مفتوحة للمخابرات الدولية إلى “مختبر للفشل الأمريكي” الذي تُدفن فيه المخططات قبل أن تولد وتنمو.

أثبت هذا التكامل أن القوة الأمنية الحقيقية للدولة تُستمد من وعي مواطنيها، وهو المفهوم الذي تروج له مدرسة أنصار الله بجعل المواطن هو “الأمني الأول”. إن حملة “#أوبِه” جسدت هذا المفهوم عملياً، وأظهرت أن التحول نحو “الدولة الشعبية اليقظة” هو الكفيل بحماية السيادة في عصر الحروب السيبرانية والناعمة. وبناءً على ذلك، فإن الانكسار الاستخباراتي الأمريكي ليس حادثاً عارضاً، بل نتيجة طبيعية لمنظومة وعي تبدأ من الفرد وتتوج بقرار القيادة، مما جعل اليمن نموذجاً ملهماً للشعوب الساعية للتحرر من التبعية.

لا يمكن تجاهل الأثر النفسي لهذا التكامل على مشغلي الاستخبارات الأمريكية الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لتغيير استراتيجياتهم دون جدوى أمام مجتمع يسبقهم بخطوة. إن كل محاولة اختراق جديدة يتم تلقفها من قبل نشطاء الحملة وتحليلها ونشرها للجمهور، مما يجعل عمر أي خطة استخباراتية قصيراً جداً ومكلفاً سياسياً. هذا الواقع فرض على واشنطن عزلة ميدانية خانقة، حيث باتت تتحرك في “فراغ معلوماتي” نتيجة فقدان عيونها البشرية التي كانت تعتمد عليها لتشويه الواقع اليمني ونقل معلومات مضللة لصناع القرار في الغرب.

يؤسس هذا التكامل بين الجهد الشعبي والرسمي لمرحلة “السيادة المعلوماتية الكاملة”، حيث لا مكان لأي أجندة خارجية تمر دون تمحيص شعبي دقيق. إن ثمار هذه اليقظة تظهر اليوم في تماسك الموقف اليمني تجاه القضايا الكبرى، مثل نصرة غزة ومواجهة العدوان الأمريكي-البريطاني، حيث لم تنجح محاولات الترهيب في زعزعة القناعة الشعبية. إن اليمن اليوم يقدم للعالم معادلة جديدة قوامها: (شعب واعٍ + قيادة شجاعة + أجهزة أمنية وطنية = سيادة مطلقة)، وهي المعادلة التي أسقطت نظريات الفوضى الخلاقة وأثبتت قدرة الشعوب على حماية استقلالها.

سقوطُ الوصاية من بوّابة الفضيحة

تجاوزت آثار حملة “#أوبِه” والنجاحات الأمنية المرافقة لها الحدود الجغرافية لليمن، لتشكل صدمة للمنظومة الاستخباراتية الغربية برمتها، حيث اهتزت صورة أمريكا التي لا تُقهر معلوماتياً. إن تمكن اليمن، رغم العدوان والحصار، من هزيمة أعظم أجهزة المخابرات في معركة الوعي يمنح صنعاء مكانة سياسية ورمزية كبرى في محور المقاومة. فاليمن اليوم يقدم “منهجية تحررية” تثبت أن الوعي المجتمعي هو السلاح الأمضى في مواجهة الإمبريالية، وهو ما يعزز شرعية الموقف الوطني اليمني كطرف ندّي وقوي في المعادلة الدولية والإقليمية.

إن الفضيحة الأمريكية المتمثلة في انكشاف شبكات تجسسها جعلت من الخطاب السياسي لصنعاء أكثر قوة، حيث بات العالم يدرك أن التحذيرات من التدخلات الأمريكية هي حقيقة مدعمة بالوثائق والاعترافات. هذا الانكشاف جرد واشنطن من التفوق الأخلاقي الزائف وأظهرها كقوة تخريبية تسعى لتدمير الدول من الداخل عندما تعجز عن مواجهتها عسكرياً. وبذلك، تحولت حملة “#أوبِه” من مجرد وسام رقمي إلى “وثيقة اتهام” شعبية دولية ضد السياسات الأمريكية، مما يعزز مكانة اليمن كدولة رائدة في كسر قيود التبعية الاستعمارية.

حين تصبح اليقظة الشعبية مقبرةً للمؤامرات الدولية

يؤكد هذا المسار أن اليمن قد عبر “نقطة اللاعودة” في علاقته بالولايات المتحدة، حيث انتهى زمن الاختراقات والعبث بالنسيج الاجتماعي وبدأت مرحلة الندية القائمة على السيادة. إن حملة “#أوبِه” واليقظة الأمنية التي خلقتها هي الضمانة الأكيدة لعدم تكرار مآسي الماضي، والرد العملي الأقوى على كل محاولات الهيمنة. ومع استمرار هذا الوعي المتنامي، تترسخ مكانة صنعاء كعاصمة للتحرر، وتظل التجربة اليمنية في “ثورة الوعي” منارة لكل الأحرار الذين يرفضون أن يكونوا أدوات في أجندات القوى الاستعمارية العابرة للحدود.

الخلاصة: لقد نجحت حملة “#أوبِه” في تأميم الأمن شعبياً، مما جعل السياسات الأمريكية تصطدم بطريق مسدود وتتحول أدوات نفوذها إلى عبء عليها. إن المجتمع اليمني اليوم، المسلح بالوعي واليقظة، أصبح بيئة طاردة للتجسس والتبعية، وهو ما يضمن صموده وتحصين انتصاراته. لقد أثبتت هذه التجربة أن إرادة الشعوب الواعية هي القدر الذي لا يُرد، وأن اليمن سيظل حراً مستقلاً، عصياً على الترويض، ومقبرة لمؤامرات الغزاة وأدواتهم الاستخباراتية.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.