غزة بين سريالية السياسة والمقاومة الشعبيّة

صنعاء سيتي | مقالات | شعفل علي عمير

 

تتجلَّى سرياليةُ المشهد السياسي عندما تتراكم الأحداث غير المنطقية، فتتجمع الأطراف المتنازعة لمعالجة جراح من اغتالوا كرامته وفي أرضه توسعوا.

يصبح المشهد زائفًا ومفارقًا للواقع؛ حَيثُ تخفي الأشكال اللامعة نوايا خبيثة، لتبرز التناقضات العميقة بين ما يظهر على المسرح الدولي وما يحدث فعليًّا على الأرض، لتجسد سريالية السياسة بكل تجلياتها المتناقضة.

عند تناول “مجلس السلام” المزعوم لإدارة غزة، المروِّج له من قبل ترامب، ينبغي أن نعتمدَ مقاربةً نقديةً واضحةً لهذا الشكل الذي يتخفى وراء قناع السلام؛ إذ يشكل محاولة جديدة للالتفاف حول القضية الفلسطينية وسلب حقوق الشعب الفلسطيني تحت غطاء مصطلحات جذابة بعيدة عن الواقع.

 

“مجلس السلام” المزعوم.. إعادة هيكلة الاحتلال

إن إنشاء ما يُسمى بمجلس السلام لإدارة غزة لا يعدو كونه جهدًا خبيثًا لإعادة هيكلة الاحتلال بوسائل أكثر حنكة، دون أي التزام حقيقي بإحراز سلام دائم.

كيف يمكن الحديث عن السلام في وجود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة؟ يساهم هذا المجلس في تعزيز السيطرة الإسرائيلية وتكريس الظلم والاضطهاد، بدلًا من العمل نحو تحقيق العدالة والمساواة.

إن الترويج الذي يقوم به ترامب لهذا الكيان الغاصب يمثل جُزءًا من جهوده لتلميعِ صورته وزيادة نفوذه السياسي، دونَ اعتبارٍ لمعاناة الشعب الفلسطيني اليومية نتيجة الاحتلال.

لقد كان دعمه الثابت لكَيان الاحتلال في سياق القضية الفلسطينية متجذرًا في الحفاظ على الوضع القائم؛ مما يؤدي إلى إعاقة حقوق الفلسطينيين.

 

التبعية السياسية والاستيطان المحدث

وبذلك، فإن ما يمكن تسميته “مجلس الـ لا سلام” لا يقدم حلولًا جذرية تلبي طموحات الشعب الفلسطيني في تحقيق مصيره وإنشاء دولته المستقلة، بل يعزز التبعية السياسية والاقتصادية لكَيان الاحتلال ويكرس السياسات الاستيطانية والتوسع في الضفة الغربية والقدس الشرقية، معلنًا عن استيطان جديد بصبغة محدثة.

تمثل غزة كيانًا مزدوجًا: فهي أرض مدمّـرة تعاني من انهيار بنيتها التحتية، تجد في كُـلّ زاوية طفلًا يحلم بالسلام وأسرة تعيش الفراق.

لكنها، في ذات الوقت، رمز للقوة المتمثلة في صمودها أمامَ الصعاب.

تُشكل هذه الثنائية إطارًا دراميًّا يعكسُ التناقُضَ بين الهشاشة المادية والصلابة الروحية.

 

المقاومة كاستجابة وجودية

لا يرحم التاريخ، وتظل ذاكرة الضحايا حية، تُعتبر حُكمًا قاطعًا على أفعال المتآمرين.

تمثل هذه الذاكرة مقاومة لطمس الجرائم على مر الزمن، وتكون بمثابة النور الذي يضيء الطريق وسط عتمة السياسة.

وفي خضم هذا الواقع المرير، تصبح المقاومة استجابة وجودية ترتقي إلى مستويات روحية؛ حَيثُ تمثل غزة روحًا تتحدى محاولات الإخضاع.

تعزز هذه الصورة أُسطورة المقاومة التي تتجاوز القدرات المادية، بحيث “كلما اشتدت المحن، يزداد صمودها”.

وبالتالي، تُعد المقاومة قدرًا وجوديًّا لا خيارًا.

التعليقات مغلقة.