غزة في قبضة الإبادة الصهيونية.. تهدئة بلا حماية وحصار يفتك بالحياة

صنعاء سيتي | تقرير خاص

بينما يُفترض أن يشكّل “وقف إطلاق النار” مساحة أمان للمدنيين في غزة، تكشف الوقائع اليومية أن الحرب لم تتوقف، بل أعادت تشكيل أدواتها. فإلى جانب القتل المباشر، تتقدّم سياسات الحصار، ومنع الدواء، وإغلاق المعابر، وانهيار المنظومة الصحية، لتصنع واقعًا أقسى من القصف وحده. في غزة اليوم، تتواصل الإبادة بصوت خافت، لكن أثرها أعمق، وتداعياتها تمتد إلى مستقبل الحياة نفسها.

حصيلة ترتفع.. ومعاناة بلا نهاية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 71,439 شهيدًا وأكثر من 171,324 مصابًا. وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، استقبلت المستشفيات 15 شهيدًا، بينهم شهيدان جديدان و13 شهيدًا جرى انتشالهم من تحت الأنقاض، في وقت لا يزال فيه عدد كبير من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، وسط عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب الدمار والمخاطر الميدانية.
ومنذ بدء العمل باتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، سُجّل 449 شهيدًا و1,246 مصابًا بنيران جيش الاحتلال، إضافة إلى 710 شهداء تم انتشال جثامينهم، ما يؤكد أن التهدئة لم تتحول إلى حماية فعلية للمدنيين.

خروقات ميدانية ودم مستمر

على الأرض، تتواصل خروقات العدو الإسرائيلي للاتفاق، حيث استشهد المواطن فادي يوسف أحمد برصاص جيش الاحتلال شرقي خان يونس، فيما استُشهد الممرض حاتم إبراهيم أبو صالح في المنطقة ذاتها، إلى جانب قصف مدفعي استهدف شرق مخيم البريج.
هذه الوقائع الميدانية تعكس حقيقة أن “وقف النار” ما يزال هشًا، وأن المدنيين، بمن فيهم العاملون في القطاع الصحي، لا يزالون في دائرة الاستهداف المباشر.

“القتل البطيء”.. حرب على الرَّحم الفلسطيني

المدير العام لوزارة الصحة في غزة، منير البرش، وصف ما يجري بأنه سياسة قتل بطيء لا تعتمد على القصف وحده، بل على منع الدواء والغذاء الحقيقي وإغراق الأسواق بمواد غير نافعة، في ظل انتشار أمراض موسمية ومتحورات جديدة.
وبيّن البرش أن هذه السياسة انعكست بشكل خطير على الصحة العامة، خصوصًا بين الأمهات والأطفال، حيث سجّل عام 2025 أرقامًا صادمة:

  • 48,500 حالة ولادة نتج عنها 49,180 مولودًا،

  • نحو 4,900 طفل بأوزان غير طبيعية،

  • قرابة 4,000 حالة ولادة مبكرة،

  • 315 طفلًا بتشوهات خلقية،

  • 616 حالة وفاة داخل الرحم،

  • نحو 5,000 حالة إجهاض مبكر،

  • ووفاة 450 طفلًا خلال أسبوعهم الأول بعد الولادة.
    هذه المؤشرات، بحسب البرش، تشكّل شهادة دامغة على حرب ممنهجة تستهدف الحياة الفلسطينية في بدايتها، وتحاول ضرب القدرة على البقاء والاستمرار.

معبر رفح.. بوابة مغلقة وأرواح تنتظر

مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أكد أن كيان الاحتلال يستخدم معبر رفح كورقة ابتزاز سياسي، في ظل تعمّد المماطلة وغياب أي التزام فعلي بفتحه.
وأوضح أن أكثر من 22 ألف مريض وجريح يحتاجون إلى السفر العاجل للعلاج خارج القطاع، بينهم مرضى سرطان وأمراض قلب وحالات إصابات خطيرة، إلا أن إغلاق المعبر يحرمهم من هذا الحق، ما أدى إلى وفاة آلاف المرضى نتيجة حرمانهم من العلاج في الوقت المناسب.
وأضاف أن هذا السلوك يمثل جريمة صامتة يتحمل الاحتلال مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الكاملة، مطالبًا بضغط دولي جاد لإجباره على فتح المعبر فورًا ودون شروط.

انتشال الشهداء.. والجرح المفتوح

في حي الدرج وسط مدينة غزة، أعلنت طواقم الدفاع المدني انتشال 37 جثمانًا من داخل أرض “أهل”، أحدهم مجهول الهوية، في مشهد يعيد التذكير بأن آلاف العائلات ما تزال تعيش مع فاجعة الفقد، حتى بعد مرور أشهر طويلة على القصف، فيما تتحول عمليات الانتشال إلى شاهد دائم على حجم الدمار وعمق المأساة الإنسانية.

شتاء قاسٍ.. ومعابر مغلقة

جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وصفت الأوضاع في القطاع بأنها كارثية بكل المقاييس، مع استمرار المنخفضات الجوية التي تسببت بانجراف الخيام وتضرر آلاف النازحين.
وأكدت أن الاحتياجات الإنسانية تتزايد بشكل خطير، وتشمل الغذاء والمياه والعلاج ووسائل التدفئة، في وقت تشهد فيه المخيمات انتشارًا متسارعًا للأمراض بسبب البرد وسوء الصرف الصحي.
ومنذ دخول فصل الشتاء، استشهد 7 فلسطينيين بسبب البرد، و24 آخرون نتيجة انهيارات المنازل، فيما انجرفت نحو 7 آلاف خيمة خلال يومين، بحسب بيانات رسمية، ما يكشف حجم الكارثة المتفاقمة مع كل منخفض جوي جديد.

تهديدات بإعادة الاحتلال.. وتحذيرات حقوقية

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين حذّرت من أن تهديدات العدو الإسرائيلي بإعادة احتلال ما تبقى من غزة ليست مجرد تصريحات، بل جزء من مسار عملي لتقويض الاتفاق والعودة إلى الحرب المفتوحة.
وفي السياق ذاته، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من مخطط “المدينة الخضراء” الذي تروج له سلطات كيان الاحتلال، معتبرًا أنه نموذج خطير لـإعادة هندسة المكان والسكان عبر نقل قسري للفلسطينيين إلى مناطق تخضع لإدارة عسكرية مباشرة، في انتهاك صارخ للحقوق الأساسية.

أونروا: الشتاء يهدد من نجا من القنابل

وكالة الأونروا جددت تحذيرها من مخاطر الشتاء على النازحين في غزة، مؤكدة أن الخيام باتت الملجأ الوحيد لعائلات نجت من القصف والجوع، لكنها اليوم تواجه خطر البرد والفيضانات.
وشددت الوكالة على أن الوضع الإنساني يزداد سوءًا، وأن هناك حاجة عاجلة لتوفير وصول آمن للمساعدات، في ظل استمرار منع دخول غالبية الإمدادات الإنسانية، خصوصًا تلك المقدمة من الأونروا.

تهدئة بلا حماية

غزة اليوم تقف على حافة كارثة ممتدة، حيث تتكامل أدوات الإبادة: قتل مباشر، حصار خانق، منع علاج، إغلاق معابر، وشتاء قاسٍ يحاصر الخيام.. وبينما يُفترض أن تمهّد التهدئة لمرحلة إنسانية جديدة، تكشف الوقائع أنها ما تزال تهدئة بلا حماية، في ظل صمت دولي يضاعف المأساة، ويترك المدنيين وحدهم في مواجهة مصير مفتوح على كل أشكال الخطر.

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.