القضية الفلسطينية تكلّفُ إيران أثمانًا باهظة
صنعاء سيتي | مقالات |علي عبدالمغني
قبل “طوفان الأقصى”، شهدت المدن والمستوطنات الصهيونية المحتلّة احتجاجاتٍ عارمةً على حكومة نتنياهو الإجرامية؛ لتدخُّلِه في قرار “المحكمة العليا”، وتعديل الدستور، وتجنيد الحريديم، وغيرها.
خرج المستوطنون الصهاينة بمئات الآلاف في كافة المدن والمستوطنات المغتصبة، واستمروا في احتجاجاتهم لفترة طويلة، دون أن نسمعَ نظامًا أَو جماعةً أَو قناةً عربية تستبشرُ بزوال كَيان الاحتلال الصهيوني الغاصب، أَو سقوط حكومته الإرهابية المتطرفة.
وتعاملت هذه الأنظمةُ والجماعاتُ والقنوات العربية مع هذه الاحتجاجات الصهيونية ببرودة عالية، واعتبرتها شؤونًا داخلية.
وكنا نتمنى أن تقفَ هذا الموقف من الاحتجاجات التي شهدتها وتشهدها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكنها للأسف غطت هذه الاحتجاجات وتفاعلت معها أكثر من القنوات الصهيونية والأمريكية، وعبرت عن فرحتها وسعادتها بهذه الاحتجاجات، ولا نعلم ما هي مصلحتها في ذلك.
سيقولُ السفهاءُ والمغفلون والحمقى من الناس إنها تدخَّلت في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهي بلا شك تدخَّلت في هذه الدول، لكن السؤال الصحيح هو: لمصلحة من تدخلت إيران في هذه البلدان؟ وهل هناك دولة عربية أَو إسلامية أُخرى أطلقت صاروخًا واحدًا على كَيان الاحتلال الصهيوني، أَو قدمت طلقة واحدة للمقاومة الفلسطينية غير هذه الدول؟
لم تعمل الجمهورية الإسلامية يومًا لتوسيع نفوذها في المنطقة، وكل ما عملته منذ انتصار الثورة الإسلامية حتى اليوم هو لصالح القضية المركزية للعرب والمسلمين جميعًا.
فقبل قيام الثورة الإسلامية كان شاه إيران الحليف الأول لِكيان الاحتلال في المنطقة، وكانت السعوديّة ودول الخليج خَاصَّة، وبعض الأنظمة العربية الأُخرى، تدين له بالولاء والطاعة، وكان النظام العراقي والسعوديّ والمصري وغيره يقبلون يدي الشاه ورجليه، ويطلبون شفاعته لدى النظام الأمريكي وكَيان الاحتلال الصهيوني.
وكانت إيران منفتحة ومفتوحةً للعالم، وفي ليلة وضحاها صارت إيران لدى الأنظمة والحكومات والأحزاب والجماعات والمواقع والقنوات العربية، خَاصَّة، شيعية ومجوسية وخطيرة على المنطقة.
لم ينتظر العرب حتى تستقر الثورة الإسلامية في إيران، بل أعلنوا عليها الحرب مباشرة، ودفعوا مئاتِ المليارات من الدولارات للنظام العراقي البائد لمواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجمعوا له مقاتلين من كافة الدول العربية، واشتروا له معدات من كافة دول العالم.
ذنبُها الوحيدُ أنها بعدَ قيام الثورة بقيادة الإمام الخميني الراحل، سلَّمت سفارة كَيان الاحتلال في طهران لمندوب فلسطين، وأغلقت السفارة الأمريكية واعتقلت موظفيها.
هذه الحرب التي استمرت تسعَ سنوات تقريبًا، ودفع خلالها العرب مئات المليارات من الدولارات، وعشرات الآلاف من المقاتلين، كانت حربًا أمريكيةً صهيونية على إيران.
للأسف، لا توجدُ شعوبٌ عربية تحاكم هذه الأنظمة العميلة التي تطوَّعت بأموالهم وجنودهم لمقاتلة شعب مسلم تسع سنوات نيابةً عن الأمريكيين والصهاينة.
هذه الثورة الإسلامية كانت بقيادة إمام عادل من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكانت في حالة دفاع عن النفس، ولذلك انتصرت، وأصبحت إيران بعد الثورة أكبر قوة في المنطقة.
أدرك اليهودُ والنصارى وأدواتهم في المنطقة أن الجمهورية الإسلامية لا يمكن هزيمتُها بالقوة؛ فلجأوا إلى حصارها ومقاطعتها سياسيًّا واقتصاديًّا، ولم يفلحوا في ذلك أَيْـضًا، بل زاد ذلك الجمهورية الإسلامية إصرارًا على نصرة القضية الفلسطينية.
فشكلت قوة القدس في الحرس الثوري، وأطلق الإمامُ الخميني -رضوان الله عليه- يوم القدس العالمي، ودعا كافة شعوب العالم إلى إحياء هذا اليوم في آخر جمعة من رمضان كُـلّ عام، حتى لا تدخُلَ القضية الفلسطينية طي النسيان.
وبعد أن يئست الجمهورية الإسلامية من نصرة الأنظمة والحكومات العربية للقضية الفلسطينية، تبنت حركات المقاومة لمناهضة الاحتلال والهيمنة الأمريكية والصهيونية على المنطقة، بغض النظر عن مذاهبها الفكرية والعقدية.
فنقلت الأموال والأسلحة الإيرانية للنظام السوري السابق لإدخَالها لحزب الله في لبنان، وحركتَي حماس والجهاد في غزة.
هذا الدعم الإيراني السخي هو من مكَّن حزب الله من إخراج كَيان الاحتلال الصهيوني من بيروت عام 1982م، وهو من مكَّن حركتَي حماس والجهاد من إخراج كَيان الاحتلال الصهيوني أَيْـضًا من قطاع غزة عام 2005م، وهو من مكَّن الحشد الشعبي من إخراج القاعدة وداعش من العراق عام 2008م تقريبًا، وهو من مكَّن الشعب اليمني من الصمود عشرات الأعوام في وجه تحالف إقليمي بقيادة الأمريكيين والسعوديّة.
فإيران لم تتطفَّل على المنطقة، ولم تدخلها بمحض إرادتها لتوسيع سيطرتها ونفوذِها، بل دعتها الحاجة الملحة، دعتها الشعوب المقهورة المحتلّة، دعاها خِذلان الأنظمة العربية والإسلامية لهذه البلدان المستضعفة.
اليوم، كَيان الاحتلال الصهيوني والنظام الأمريكي والغرب الاستعماري الكافر يخشون من هذه الحركات الإسلامية التي نشأت في لبنان والعراق واليمن وفلسطين أكثر مما يخشون من اثنتين وخمسين دولة عربية وإسلامية.
ولا أدري ما هي مصلحةُ الأنظمة والحكومات والأحزاب والجماعات والمِنصات الإعلامية والقنوات العربية والإسلامية من معادَاة الجمهورية الإسلامية؟ وتشجيع العملاء والخونة فيها؟ ومتى تستفيق شعوب الأُمَّــة من غفلتها وسذاجتها وتبعيتها لهذه الأنظمة والجماعات والقنوات المتصهينة؟
وأنا على يقين أنه لولا وجودُ الجمهورية الإسلامية وهذه الحركات المقاومة في المنطقة، لكانت نصفُ الشعوب العربية قد هاجرت من بلدانها قبل فترة طويلة، والنصف الآخر اليوم عبيدًا للأمريكيين والصهاينة.
لن تبقى ثروة أَو سيادة أَو حرية أَو كرامة لأي شعب من الشعوب العربية.
ومخطّطاتُ ونوايا اليهود والنصارى ظاهرة ومعلَنة، وَإذَا خرجت إيران لا سمح الله من المعادلة الجارية، فلن تضيع فلسطين وحدها، بل ستضيع معها المنطقة كلها.
وقد بدأ هذا المخطّطُ بالتنفيذ من غزة ولبنان وسوريا، ولن يتوقف إلا إذَا وقفت الشعوبُ العربية وقفةً جادةً إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتحقت بشجاعة وعن قناعة تامة بحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن وغيرها.
اليوم، الشعوبُ العربية والإسلامية تمُرُّ بمرحلة تاريخية فاصلة، ومعركة وجودية خطيرة، إما أن تكون أَو لا تكون لا سمح الله، ومصيرها مرتبط بقرار شعوبها، وقرار شعوبها متعلق بوعي أبنائها.
التعليقات مغلقة.