غزة.. تهدئة زائفة ومجازر يومية وشتاء يحاصر الحياة
صنعاء سيتي | تقرير خاص
في الوقت الذي يُفترض فيه أن يسود “وقف إطلاق النار”، يعيش قطاع غزة واحدة من أقسى مراحل الإبادة الصامتة في تاريخه الحديث.. القتل لا يتوقف، والخرق اليومي للاتفاق تحوّل إلى سياسة ثابتة ينتهجها العدو الإسرائيلي، فيما يشتدّ الحصار، ويأتي الشتاء ليضيف إلى الجراح جرحًا جديدًا، فتغدو الخيام المقصوفة والبيوت المتصدعة ساحات أخرى للموت البطيء.. غزة اليوم لا تواجه عدواناً عسكرياً فقط، بل منظومة متكاملة من القتل والتجويع والتشريد وكسر مقومات الحياة.
منذ ساعات الصباح الأولى اليوم السبت، استشهد ستة فلسطينيين وأُصيب آخرون في مناطق متفرقة من قطاع غزة، جراء اعتداءات متواصلة نفذتها قوات العدو الإسرائيلي، في انتهاك جديد لاتفاق وقف إطلاق النار.
ففي خان يونس، ارتقى شهيد وأُصيب آخر إثر قصف طائرة مسيّرة محيط دوار بني سهيلا، بينما استشهد اثنان بنيران الآليات شرق حي الزيتون بمدينة غزة. كما استُهدف مدنيون قرب مدخل مخيم المغازي وسط القطاع، واستشهد الشاب يوسف محمود الحرازين (26 عامًا) قرب مفترق السكة شرق مدينة غزة.
وترافقت هذه الاعتداءات مع قصف مدفعي وجوي طال رفح، ومناطق في شمال القطاع، وإطلاق نار مكثف من الطيران المروحي “الأباتشي” شرق جباليا، إلى جانب استهدافات متكررة لمخيم البريج وأحياء التفاح والزيتون.
بحسب معطيات رسمية فلسطينية، بلغ عدد الشهداء منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي 439 شهيدًا، إضافة إلى 1,223 مصابًا، في مؤشر صارخ على أن التهدئة لم تتحول إلى حماية للمدنيين، بل إلى غطاء سياسي لاستمرار القتل.
وقد وثّق المكتب الإعلامي الحكومي 1,193 خرقًا للاتفاق خلال 90 يومًا، شملت إطلاق نار مباشرًا على المدنيين، وتوغلات عسكرية، وقصفًا للمنازل، وعمليات نسف وتدمير، أسفرت عن 484 شهيدًا و1,206 مصابين و50 حالة اعتقال.
وفي هذا السياق، أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن قوات الاحتلال قتلت بمعدل خمسة فلسطينيين يوميًا منذ بدء التهدئة، بينهم عشرات الأطفال والنساء، معتبرًا أن ما يجري هو إدامة لجريمة الإبادة بأدوات جديدة.
لم يعد الخطر في غزة قادمًا من القصف وحده، بل من البرد أيضًا. فقد توفي رضيع فلسطيني عمره سبعة أيام في مدينة دير البلح، بسبب البرد القارس داخل الخيام، ليرتفع عدد ضحايا البرد بين الأطفال إلى أربعة، إضافة إلى عشرات الضحايا جراء انهيار المباني المتضررة.
وتحذيرات الدفاع المدني تؤكد أن آلاف الخيام تضررت أو تطايرت بفعل الرياح، فيما يعيش النازحون داخل ملاجئ مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الأمان، مع استمرار منع إدخال البيوت المتنقلة ومواد الإيواء.
وأكد الناطق باسم الدفاع المدني أن كل منخفض جوي جديد يتحول إلى كارثة إنسانية حقيقية في ظل تعطيل إعادة الإعمار، ومنع إدخال مواد البناء، وغياب أي حلول إغاثية مستدامة.
في بعد آخر من أبعاد الإبادة، يواصل العدو الإسرائيلي توسيع ما يُعرف بـ“المنطقة الصفراء”، عبر قضم مساحات جديدة من أراضي قطاع غزة، خاصة في مخيم جباليا وشرقي خان يونس، وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة.
ويحذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من أن هذه السياسة تحاصر أكثر من 2.2 مليون إنسان في أقل من 40% من مساحة القطاع، في واحدة من أخطر عمليات الخنق الجغرافي للسكان المدنيين.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر في هذه المعادلة القاتمة. فقد حذّرت وكالة “أونروا” من أن أطفال غزة محرومون من أبسط حقوقهم في الدفء والغذاء والأمان، مؤكدة أن التأخير في إدخال المساعدات يضاعف المخاطر الصحية والنفسية والاجتماعية عليهم.
كما جدّدت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز دعوتها لوقف الإبادة الجماعية، مؤكدة أن ما يجري في غزة لم يعد يحتمل بيانات القلق، بل يحتاج إلى إجراءات ملموسة توقف الجريمة المستمرة منذ أكثر من عامين.
بين القتل اليومي، والخرق المنهجي للتهدئة، والحصار الخانق، والبرد الذي يحاصر الخيام، تتكشّف صورة غزة كأرض تُستهدف فيها الحياة بكل أشكالها. ليست القضية اليوم في عدد الغارات أو البيانات، بل في منظومة إبادة متكاملة: رصاص، حصار، تجويع، تشريد، وترك المدنيين فريسة للبرد والخوف.
وغزة، رغم كل ذلك، ما تزال تقف شاهدًا حيًا على واحدة من أقسى الجرائم في زمن يفترض أنه زمن القوانين والمواثيق الدولية.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.