الجوف.. من “خارطة الصراع” إلى “مخزن الغلال”: القمح اليمني يكتب فصلاً جديداً في معركة السيادة

صنعاء سيتي | متابعات

في الوقت الذي تُخاض فيه معارك الدفاع عن الحدود والسيادة، تمضي اليمن في مسار موازٍ لا يقل أهمية، متمثلاً في “معركة الأمعاء الخاوية” التي تهدف إلى كسر قيود الارتهان للخارج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

وفي هذا السياق، تبرز محافظة الجوف اليوم كقاطرة للاقتصاد الوطني المنتج، متحولة من ساحة للاستهداف والفوضى إلى سلة غذاء واعدة، تجسد بإنتاجها من القمح مفهوم “الاستقلال الاقتصادي”.

لم يعد الحديث عن الزراعة في الجوف مجرد خطط حبر على ورق، بل واقعاً تترجمه آلاف الهكتارات التي تكتسي باللون الأخضر. ففي الموسم الحالي، شهدت المحافظة حراكاً استثمارياً غير مسبوق، حيث جرى توزيع نحو 54 ألف كيس من بذور القمح، لتغطي مساحة زراعية شاسعة تقدر بـ 17,600 هكتار، معتمدة على تقنيات الري الحديثة (المحوري) إلى جانب الطرق التقليدية.

وفي هذا الصدد، تبرز تجارب استثمارية ملهمة، كقصة المستثمر مسفر صالح الشاعر، الذي استصلح نحو 60 هكتاراً. الشاعر أكد في حديثه الإعلامي أن الإنتاج شهد قفزات نوعية؛ فبعد أن كان الهكتار الواحد ينتج 3 أطنان في بداياته، ارتفع إلى 5 أطنان الموسم الماضي، مع توقعات طموحة بتجاوز 7 أطنان للهكتار الواحد هذا الموسم، بفضل استخدام البذور المحسنة وتطوير إدارة الموارد المائية.

رغم هذا التوسع، إلا أن المفاجأة تكمن في تصريحات مسؤول القطاع الزراعي بمحافظة الجوف، مهدي الضمين، الذي كشف أن ما تم استصلاحه حتى الآن لا يتجاوز 1% فقط من الأراضي القابلة للزراعة في المحافظة.

وأوضح الضمين أن الجوف تمتلك مقومات طبيعية هائلة تجعلها قادرة ليس فقط على إطعام اليمن، بل والوصول إلى مرحلة التصدير، حيث أن 75% من مساحة المحافظة (أكثر من مليوني هكتار) هي أراضٍ بكر وخصبة صالحة للاستصلاح الزراعي، وتتربع فوق مخزون مائي ضخم.

أشار التقرير إلى أن التحول الجذري في الجوف لم يكن ليتحقق لولا الاستقرار الأمني الذي صنعته “حكومة التغيير والبناء”، وهو ما أدى إلى قفزة في أعداد المستثمرين بنسبة وصلت إلى 200% مقارنة بالمواسم السابقة.

ويعمل القطاع الزراعي حالياً كجسر تواصل بين المستثمرين وملاك الأراضي، مع تقديم كافة التسهيلات الفنية واللوجستية لضمان نجاح المشاريع.

إن ما يحدث في صحارى وهضاب الجوف هو إعادة صياغة للمعادلة الوطنية؛ فالقمح اليمني اليوم ليس مجرد محصول غذائي، بل هو “رمز للسيادة” وسلاح فعال لمواجهة سياسات التجويع والحصار.

وإنها رسالة مفادها أن اليمن الذي صمد عسكرياً، يمتلك اليوم الإرادة والقدرة على أن يأكل مما يزرع، محولاً الأرض إلى خط دفاع أول عن القرار السياسي المستقل.

التعليقات مغلقة.