﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.

ينطلق تخليد ذكرى الشهداء من هذا الوعد الإلهي العظيم، ليكون ترسيخاً لثقافة الحياة الأبية التي لا تُوهَب إلا لمن يرخص دماءه في سبيل الله والوطن؛ إنهم قادة وأبطال عظماء شقوا بصدورهم عتمة الخنوع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

لقد تجسدت مكانة هؤلاء العظماء، وارتقى الشهداء ليملأوا الدنيا بحضورهم المعنوي، محولين الشهادة إلى إرادة تاريخية متجددة تصنع الانتصارات جيلاً بعد جيل.

في طليعة هذا المقام الطاهر، يبرز الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، الذي لم يقدم روحه فحسب، بل قدم مشروعاً قرآنياً متكاملاً أضاء به الطريق للأمة في أحلك لحظات صمتها. لقد أدرك ببصيرته الثاقبة أن الكرامة تُنتَزع ولا تُوهَب، تاركاً كلماته الخالدة منهجاً للأجيال حين أكد أن الأمة التي تعشق الشهادة لا يمكن أن تُقهَر؛ فقد صدع بكلمة الحق في وجه الاستكبار، وجعل من جبال مران نقطة انطلاق لثورة وعي استنهضت الهمم، مجسداً بدمه أبلغ معاني التضحية ورفض الهيمنة.

ولأن هذه المسيرة تُعُمِّدَت بدماء قادتها قبل جندها، فقد تجسدت أعظم معاني الفداء في شخصية الرئيس الشهيد صالح الصماد، الذي خلد في وجدان الشعب مقولته الشهيرة ومشروعه الوطني:”يد تبني ويد تحمي”. لم يكن رئيساً يختبئ خلف الأسوار، بل كان قائداً يعيش آلام شعبه، ويتحرك في الساحات والجبهات بحكمة رجل الدولة وتواضع المؤمن. لقد روى بدمائه الطاهرة تراب الوطن ليثبت للعالم أجمع أن قادة هذا البلد هم أول من يتقدمون الصفوف دفاعاً عن أرضه وعرضه، وكأن لسان حاله يردد:

سَأَحْمِلُ رُوحِي عَلَى رَاحَتِي … وَأُلْقِي بِهَا فِي مَهَاوِي الرَّدَى

فَإِمَّا حَيَاةٌ تَسُرُّ الصَّدِيقَ … وَإِمَّا مَمَاتٌ يَغِيظُ العِدَى

وتتصل سلسلة المجد بقادة الميدان وصناع الملاحم، حيث يلمع اسم الشهيد اللواء محمد عبد الكريم الغماري الذي تجسدت فيه القيادة العسكرية والشجاعة المنقطعة النظير؛ فقد كان مهندساً للانتصارات في أصعب الجبهات، يتنقل بين المتاريس كواحد من الأفراد، يزرع الثبات في قلوب المرابطين، مؤمناً بأن الأوسمة الحقيقية هي تلك التي تُنَال عند الله في ميادين الشرف.

وإلى جانب هؤلاء القادة، تشرق تضحيات آلاف الشهداء من أبناء الشعب الصامد الذين خرجوا متسلحين بإيمان لا يتزعزع، تاركين خلفهم أسرًا تحتسب فلذات أكبادها في سبيل قضية أسمى؛ ستبقى ذكراهم حية تنبض في عروق الوطن، ومدرسة تستلهم منها الأجيال القادمة دروس الإباء والعزة.

وتتجلى أبهى صور الوفاء في حرص اليمنيين على إحياء هذه الذكرى العظيمة، حيث تتقاطر الجموع لزيارة أضرحة وروضات الشهداء لتتحول تلك الرياض إلى محطات إيمانية ومزارات وطنية. إن وقوف أبناء الشعب أمام تلك الأضرحة الطاهرة هو تجديد للعهد واستلهام لروح البذل والعطاء، حيث تتشابك أيدي الآباء والأبناء في مشهد مهيب يؤكد أن دماء الشهداء قد أثمرت وعياً لا ينضب، وعزيمة لا تلين.

عهداً ووفاءً منا لكل قطرة دم زكية سقطت في سبيل الله والوطن، أن نبقى على العهد الذي قطعوه، وأن نصون الأمانة التي تركوها في أعناقنا. نعاهد الله ونعاهدهم أن نستمر في درب البذل والجهاد والمقاومة، لا نحيد ولا نميل، وأن تظل مواقفنا ثابتة وبنادقنا موجهة في وجه أعداء الله والوطن، حتى يتحقق النصر الذي حلموا به. إننا على خطاهم سائرون، وبدمائهم مستنيرون، لن نساوم على كرامة دفعوا أرواحهم ثمناً لها، ولن نفرط في سيادة روتها دماؤهم الطاهرة، ليبقى هذا الوطن عزيزاً منيعاً، وتمضي راية الحق خفاقة نحو السيادة والاستقلال التام.