من معركة الحصار إلى ميادين الإنتاج.. ثورة 21 سبتمبر تفتح آفاق الاقتصاد الزراعي وتهامة تقفز بصادراتها إلى 40.9 مليار ريال

صنعاء سيتي | تقرير 

 

في مشهد يعكس اتساع مسار النهوض الزراعي والاقتصادي في اليمن، تواصل تهامة ترسيخ موقعها كإحدى أهم الركائز الإنتاجية للبلاد، مسجلة قفزة لافتة في صادراتها الزراعية التي ارتفعت من 5.8 مليارات ريال في العام 1442هـ إلى 40.9 مليار ريال في العام 1447هـ، بنمو يقارب 600 بالمائة، بالتوازي مع زيادة الكميات المصدرة من 36 ألفاً و735 طناً إلى 177 ألفاً و308 أطنان مترية، واتساع قائمة المنتجات والأسواق الخارجية المستقبلة لها.

ولا تقتصر دلالات هذه القفزة على ارتفاع قيمة المحاصيل اليمنية الموجهة إلى الخارج، بل تمتد إلى التحولات التي شهدتها منظومة الإنتاج والتسويق والتصدير، من تنامي عدد المزارعين والمصدرين المستفيدين من النشاط الزراعي، إلى توحيد الإجراءات، وتحسين عمليات التجهيز والتعبئة، وتوسيع الوجهات التصديرية، وخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، بما يعزز مكانة القطاع الزراعي في معركة بناء الاقتصاد الوطني وتخفيف الاعتماد على الخارج.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية مضاعفة في ظل ما يواجهه اليمن من تداعيات العدوان والحصار، وما فرضاه من تحديات اقتصادية ومعيشية ولوجستية، إذ تبرز تنمية الإنتاج المحلي واستثمار الموارد الزراعية بوصفهما مسارين أساسيين لتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع مصادر الدخل، وتوفير فرص العمل، وتحويل الإمكانات الطبيعية إلى قيمة اقتصادية تعود بالنفع على المواطنين والاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، تتصل النهضة الزراعية في تهامة بالتحول الذي دشّنته ثورة 21 سبتمبر المجيدة عام 2014م، حين استعاد اليمن قراره الوطني وخرج من عباءة الوصاية الخارجية، لتصبح معركة بناء القدرات الذاتية وتعزيز الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي من القضايا المرتبطة باستقلال القرار والسيادة الوطنية.

فالدولة التي تسعى إلى امتلاك قرارها تحتاج إلى اقتصاد منتج، وغذاء تنتجه أرضها، وموارد تستثمرها بقدراتها، ومنظومة اقتصادية تجعل خدمة المواطنين وتخفيف أعبائهم في صدارة الأولويات.

قفزة تصديرية تكشف اتساع قاعدة الإنتاج

تكشف بيانات الهيئة العامة لتطوير تهامة عن مسار تصاعدي واضح في أداء الصادرات الزراعية خلال الفترة من العام 1442هـ إلى العام 1447هـ، إذ ارتفعت القيمة الإجمالية من 5.8 مليارات ريال إلى 40.9 مليار ريال، فيما صعدت الكميات المصدرة من 36 ألفاً و735 طناً إلى 177 ألفاً و308 أطنان مترية.

وبحسب البيانات، بلغت الزيادة في الكميات المصدرة 382.7 بالمائة، في حين تجاوزت الزيادة في القيمة 600 بالمائة وفقاً للمؤشرات المعلنة، وهو ما يعكس اتساع النشاط التصديري وتنامي القيمة الاقتصادية للمنتجات الزراعية التهامية، مدفوعاً بزيادة الإنتاج وتنوع الأصناف وتحسن عمليات التسويق والتجهيز.

ولم يتحقق هذا النمو في قفزة واحدة، بل جاء نتيجة مسار متتابع من الارتفاعات السنوية؛ ففي العام 1443هـ بلغت الكميات المصدرة 53 ألفاً و445 طناً، بزيادة 45.5 بالمائة عن عام الأساس، ثم ارتفعت في العام 1444هـ إلى 91 ألفاً و836 طناً، بنمو بلغ 72 بالمائة، بالتزامن مع وصول عدد الأصناف المصدرة إلى 25 صنفاً.

وفي العام 1445هـ، واصلت الصادرات ارتفاعها لتبلغ 108 آلاف و112 طناً، بزيادة 17.7 بالمائة، قبل أن تقفز في العام 1446هـ إلى 154 ألفاً و872 طناً، بنمو 43.3 بالمائة، مدفوعة بصورة رئيسية بتوسع صادرات المانجو.

أما في العام 1447هـ، فقد ارتفعت الكميات المصدرة مجدداً بنسبة 14.5 بالمائة، لتصل إلى 177 ألفاً و308 أطنان مترية، في امتداد لمسار النمو الذي سجل معدل نمو سنوي مركباً بلغ نحو 37 بالمائة، ومتوسط زيادة سنوية يقدر بنحو 28 ألفاً و100 طن.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن تهامة لا تكتفي بزيادة إنتاج المحاصيل، بل تعمل على توسيع الجزء الموجه منها إلى الأسواق الخارجية، بما يفتح المجال أمام المزارعين لتوسيع نشاطهم، ويعزز حركة التسويق الزراعي، ويزيد الطلب على خدمات النقل والتخزين والتعبئة والتجهيز.

المانجو تتصدر المشهد.. ومحاصيل جديدة توسع العائد الاقتصادي

تتصدر المانجو قائمة المنتجات الزراعية المصدرة من سهل تهامة، مستفيدة من ملاءمة الظروف الزراعية والمناخية لزراعتها، واتساع قاعدة الإنتاج، والطلب عليها في الأسواق الخارجية.

ووفقاً لبيانات الهيئة العامة لتطوير تهامة، ارتفعت كميات المانجو المصدرة من 24 ألفاً و994 طناً في العام 1442هـ إلى 119 ألفاً و682 طناً في العام 1447هـ، فيما قفزت قيمتها من أربعة مليارات ريال إلى 25.4 مليار ريال.

وبلغ معدل نمو صادرات المانجو كمياً 379 بالمائة، وقيمياً 535 بالمائة، لتستحوذ على نحو 67.5 بالمائة من إجمالي قيمة الصادرات الزراعية التهامية. وتبرز هذه الأرقام حجم الدور الذي يؤديه هذا المحصول في رفد العائدات التصديرية، كما تؤكد أهمية مواصلة تطوير أساليب إنتاجه وفرزه وتدريجه وتعبئته ونقله، للحفاظ على جودته وتعزيز قدرته التنافسية.

ولم يقتصر النمو على المانجو، إذ سجلت صادرات الحبحب ارتفاعاً لافتاً، لتبلغ 25 ألفاً و99 طناً في العام 1447هـ، مقارنة بنحو 9 آلاف و200 طن في العام السابق، و4 آلاف و630 طناً في عام الأساس، بنمو تراكمي بلغ 442 بالمائة.

كما وصلت صادرات الشمام إلى 7 آلاف و69 طناً، في حين ارتفعت صادرات الحناء من 182.5 طناً إلى 3 آلاف و187 طناً، محققة نمواً بلغ 1646 بالمائة، وهو ما يبرز الإمكانات المتاحة أمام المحاصيل ذات القيمة التسويقية المتخصصة.

وشملت الصادرات كذلك السمسم بكمية بلغت ألفين و83 طناً، وزيت السمسم بنحو 854 طناً، إلى جانب الذرة الحمراء والبصل ومحاصيل أخرى، بما يعكس تنوعاً متنامياً في المنتجات التي تصل إلى الأسواق الخارجية.

ويحمل هذا التنوع أهمية اقتصادية تتجاوز زيادة أرقام الصادرات، إذ يتيح فرصاً لتوزيع العوائد على نطاق أوسع من المحاصيل والمزارعين، ويقلل من الاعتماد على منتج واحد، ويفتح المجال أمام تطوير صناعات تحويلية تستفيد من الإنتاج الزراعي المحلي، وترفع القيمة المضافة قبل وصول المنتجات إلى المستهلكين.

من 13 صنفاً إلى 45.. تهامة توسع خريطة منتجاتها التصديرية

من أبرز التحولات التي شهدتها الصادرات الزراعية في تهامة اتساع قاعدة المنتجات المصدرة من 13 صنفاً إلى 45 صنفاً، بزيادة بلغت 246 بالمائة، بالتوازي مع ارتفاع عدد المصدرين المسجلين من عشرة إلى 112 مصدراً.

ويعكس هذا التطور انتقال النشاط التصديري نحو قاعدة أكثر تنوعاً من المنتجات والجهات العاملة فيه، الأمر الذي يعزز فرص التسويق ويتيح الاستفادة من اختلاف مواسم الإنتاج واحتياجات الأسواق الخارجية.

وتتوزع المحفظة التصديرية الزراعية على الفواكه الاستوائية التي تستحوذ على 73.4 بالمائة، والحبوب بنسبة 16 بالمائة، والمحاصيل الصناعية بنسبة 10.3 بالمائة، والخضروات بنسبة 0.3 بالمائة.

كما شهدت قائمة المنتجات المصدرة دخول أصناف جديدة، من بينها البن اليمني الفاخر، والذرة الرفيعة البيضاء، والتمور، والعتر، والتين، والقطن، إلى جانب المنتجات المصنعة، وفي مقدمتها زيت السمسم.

ويمنح إدخال هذه المنتجات آفاقاً أوسع لتطوير الصادرات، ولا سيما أن التوجه نحو تصدير المنتجات المصنعة يتيح الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل البلاد، بدلاً من الاقتصار على بيع المحاصيل في صورتها الأولية.

وفي مؤشر إضافي على التحسن في القيمة التسويقية، ارتفع متوسط سعر الكيلوغرام من المنتجات المصدرة من 159 ريالاً إلى 230.66 ريالاً، بزيادة بلغت 45 بالمائة. ويرتبط ذلك بتنوع المنتجات واختلاف قيمتها السوقية، إلى جانب تطور عمليات الفرز والتجهيز والتعبئة، وهي مراحل تكتسب أهمية متزايدة في تعزيز جودة المنتجات وقدرتها على المنافسة.

وحدة الصادرات.. نافذة واحدة أنهت تشتت الإجراءات

لم يكن اتساع الإنتاج الزراعي وحده كافياً لتحقيق هذه النتائج؛ فالتصدير يحتاج إلى منظومة تنظيمية قادرة على تسهيل المعاملات، وتقليل الوقت والتكاليف، وتحسين التنسيق بين الجهات الرسمية والمصدرين. ومن هنا برز إنشاء وحدة صادرات تهامة بوصفه أحد التحولات المؤسسية المهمة في تطوير حركة التصدير.

ففي السابق، كانت إجراءات التصدير تفتقر إلى التنظيم والتنسيق الكافي، ولم يتجاوز عدد المصدرين النشطين أقل من عشرة، فيما كان المصدرون يواجهون صعوبات في استكمال التراخيص، نتيجة توزع الجهات المعنية بالإجراءات في مواقع مختلفة، وما يترتب على ذلك من تنقل وإهدار للوقت والجهد.

ومع تولي الهيئة العامة لتطوير تهامة مهامها، اتجهت إلى تنظيم العملية من خلال إنشاء وحدة متخصصة، واختيار مقر قريب من تجمع مراكز الصادرات، والعمل على جمع مكاتب الجهات الرسمية المعنية بإصدار التراخيص واستكمال معاملات التصدير في مكان واحد.

وقد وفرت الهيئة للوحدة الدعم المالي والكادر الوظيفي والإمكانات اللازمة لتشغيلها على مدار العام، بنظام عمل متواصل على مدار 24 ساعة، بما يساعد على مواكبة احتياجات المصدرين ومواعيد تجهيز الشحنات وتصديرها.

وبذلك أصبح بإمكان المصدر إنجاز معاملاته والحصول على التراخيص اللازمة من خلال نافذة واحدة، بدلاً من التنقل بين مقرات الجهات المختلفة، وهو ما أسهم في تسهيل الإجراءات وتقليل الوقت والجهد والتكاليف المرتبطة بها، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية.

وتبرز أهمية هذه الخطوة في أنها تعالج أحد العوائق التي قد تحد من قدرة المنتج المحلي على الوصول إلى الأسواق الخارجية؛ فكلما أصبحت إجراءات التصدير أكثر وضوحاً وانسيابية، ازدادت قدرة المصدرين على التخطيط للشحنات، وضبط مواعيدها، والاستفادة من الفرص التسويقية، خصوصاً في المحاصيل سريعة التلف التي تتطلب سرعة في التجهيز والنقل.

وهكذا يتكامل تطوير الإجراءات مع نمو الإنتاج، ليشكلا معاً قاعدة لازمة لاستدامة النشاط التصديري وتحويل الزيادة الزراعية إلى عائد اقتصادي فعلي.

تكامل مؤسسي يربط الإنتاج بالتسويق والتصدير

في إطار تطوير منظومة التسويق الزراعي، أوضح وكيل وزارة الزراعة لقطاع التسويق الزراعي، محسن عاطف، أن استحداث القطاع ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة عزز التنسيق المؤسسي في تسويق المنتجات الزراعية وتنظيم صادراتها، وفتح مجالاً أوسع لتوحيد الجهود بين الجهات المعنية بما يواكب نمو الإنتاج واتساع حركة التصدير.

وأشار إلى أن العلاقة بين القطاع والهيئة العامة لتطوير تهامة تقوم على التعاون المستمر وتبادل المعلومات والتنسيق في الجوانب المرتبطة بتسويق المحاصيل وتنظيم الصادرات، بما يربط العمل الميداني في تهامة بالتوجهات والخطط المركزية للوزارة.

وأكد أهمية التكامل في تنظيم إجراءات التصدير ومتابعة حركة المنتجات الزراعية، وتحديد احتياجات الأسواق، وتحسين انسيابية المعاملات، ورفع كفاءة العمل التصديري، بما يخدم المزارعين والمصدرين ويوسع فرص وصول المنتجات اليمنية إلى الخارج.

ويعكس هذا المسار أهمية الانتقال من الجهود المتفرقة إلى منظومة متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين الجهات الحكومية والمؤسسات الزراعية والمزارعين والمصدرين، بحيث يبدأ العمل من التخطيط للإنتاج، ويمر بالتسويق والتجهيز والتعبئة، وينتهي بوصول المنتج إلى السوق المستهدفة بالجودة والتكلفة المناسبتين.

فالتوسع المستدام في الصادرات لا يعتمد على وفرة المحاصيل فقط، بل يتطلب أيضاً معلومات دقيقة عن احتياجات الأسواق، وتنسيقاً بين مواعيد الحصاد والتجهيز والشحن، وآليات واضحة لتنظيم حركة المنتجات.

تهامة.. سلة غذائية ورافعة للاقتصاد الوطني

تتمتع تهامة بمقومات زراعية تجعلها إحدى الركائز الأساسية للإنتاج الغذائي في اليمن، بما تمتلكه من أراضٍ زراعية واسعة ومناخ ملائم لإنتاج محاصيل متنوعة على مدار العام، وفي مقدمتها المانجو والحبحب والشمام والحبوب والمحاصيل النقدية.

وأوضح نائب مدير المنطقة الزراعية الوسطى، رئيس قسم التسويق والصادرات الزراعية، يحيى حاتم، أن هذه المقومات تمنح تهامة قدرة كبيرة على تعزيز الإنتاج الزراعي، ورفد الأسواق المحلية، وتوسيع حضور المنتجات اليمنية في الأسواق الخارجية.

ولفت إلى أن تطوير الصادرات يبدأ من تنظيم الإنتاج والتسويق، والتنسيق بين المزارعين والمصدرين لتحديد الكميات المتاحة ومواعيد الحصاد والتجهيز، بما يساعد على انتظام تدفق المنتجات من مناطق الإنتاج إلى منافذ التصدير، والحد من الفاقد، والحفاظ على جودة المحاصيل.

وأكد أهمية تطوير عمليات الفرز والتدريج والتعبئة والتبريد، وتحسين خدمات النقل والتخزين، باعتبارها عوامل أساسية في المحافظة على جودة المنتجات الزراعية وتعزيز قدرتها التنافسية، ولا سيما المحاصيل سريعة التلف التي تتطلب سرعة في التجهيز والشحن.

وتكشف هذه المتطلبات أن توسيع الإنتاج الزراعي ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع تطوير البنية التحتية والخدمات المساندة؛ فزيادة الكميات المنتجة والمصدرة لن تحقق كامل مردودها إذا لم تتوافر مرافق كافية للتخزين والتبريد والتعبئة، ووسائل نقل ملائمة، وإجراءات تضمن وصول المحاصيل إلى وجهاتها في الوقت المناسب.

ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في سلسلة القيمة الزراعية بكامل مراحلها، من الحقل إلى السوق، باعتبارها الطريق الأنجع لتعظيم العائد من الموارد المتاحة، وتحسين دخل المزارعين، وتوسيع فرص العمل في الريف.

ثورة 21 سبتمبر.. تحرير القرار وبناء الاقتصاد المنتج

لا تنفصل معركة النهوض الزراعي عن التحولات الوطنية التي أطلقتها ثورة 21 سبتمبر المجيدة، كونها محطة مفصلية في استعادة القرار اليمني والتحرر من الوصاية الخارجية، وإعادة توجيه الاهتمام نحو قضايا السيادة والاستقلال وبناء القدرات الذاتية.

فاستقلال القرار السياسي لا يكتمل دون امتلاك مقومات الاستقلال الاقتصادي، وفي مقدمتها القدرة على إنتاج الغذاء، وتطوير الزراعة، وتنمية الموارد المحلية، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وخلق فرص عمل تتيح للمواطنين المشاركة في بناء الاقتصاد الوطني.

ومن هذا المنطلق، يمثل تطوير الإنتاج الزراعي والتوسع في تسويق المنتجات المحلية أحد المسارات المهمة لترجمة توجهات الثورة إلى نتائج تنموية تمس حياة المواطنين، وتربط السيادة الوطنية بالقدرة على الإنتاج وتوفير الاحتياجات وتعزيز مصادر الدخل.

وقد فرض العدوان والحصار تحديات واسعة على الاقتصاد اليمني، وأظهرا مدى خطورة الاعتماد المفرط على الخارج في توفير الاحتياجات الأساسية. وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية التوجه نحو استثمار الأراضي الزراعية، وتوسيع قاعدة المحاصيل، وتحسين أساليب الإنتاج والتسويق، وتطوير الصناعات المرتبطة بالمنتجات المحلية.

وتأتي المؤشرات المتصاعدة لصادرات تهامة في سياق التوجهات الداعمة للثورة الزراعية التي ترعاها القيادة الثورية والمجلس السياسي الأعلى والحكومة، وما توليه من اهتمام بتطوير الإنتاج المحلي وتعزيز الاكتفاء الذاتي وتحسين آليات التسويق والتصدير.

فالزراعة هنا ليست نشاطاً اقتصادياً محدوداً، بل ركيزة من ركائز الأمن الغذائي، وأداة لتعزيز الصمود الاقتصادي، ومجال لتوليد فرص العمل، ووسيلة لزيادة العائد من الموارد الوطنية. وكلما ارتفعت قدرة اليمن على إنتاج احتياجاته وتسويق فائضه، اتسعت خياراته الاقتصادية وتراجعت مواطن هشاشته أمام الضغوط الخارجية.

وتقدم تجربة تهامة مؤشرات مهمة على الإمكانات التي يمكن أن يحققها الاستثمار المنظم في الإنتاج والتسويق والتصدير، مع بقاء الحاجة قائمة إلى مواصلة تطوير البنية التحتية، وتوسيع الخدمات الزراعية، وتعزيز التنسيق المؤسسي، وتحويل النمو المحقق إلى مسار مستدام يشمل مختلف المناطق والمحاصيل.

إن جوهر هذا التوجه يتمثل في الانتقال من اقتصاد يعتمد على الخارج في جانب من احتياجاته إلى اقتصاد يعزز الإنتاج المحلي، ويستثمر موارده، ويوسع قدراته التصديرية، بما يجعل التنمية الزراعية جزءاً أصيلاً من معركة الاستقلال الاقتصادي التي تتكامل مع استقلال القرار الوطني الذي استعادته ثورة 21 سبتمبر المباركة.

11 سوقاً خارجية.. اتساع حضور المنتج الزراعي اليمني

بالتوازي مع نمو الكميات والقيمة وتنوع المنتجات، توسعت الوجهات الخارجية للصادرات الزراعية التهامية من أربعة أسواق في العام 1442هـ إلى 11 سوقاً في العام 1447هـ، بزيادة بلغت 175 بالمائة.

ويعكس هذا التوسع تنامي قدرة المنتجات الزراعية في تهامة على الوصول إلى أسواق متعددة، ويوفر للمزارعين والمصدرين فرصاً أوسع لتسويق محاصيلهم والاستفادة من الطلب الخارجي، بما يعزز العائد الاقتصادي للصادرات.

كما أن تعدد الوجهات التصديرية يتيح مجالاً أوسع لتسويق المنتجات وفق اختلاف احتياجات الأسواق ومواسم الطلب، ويعزز فرص الاستفادة من تنوع المحاصيل الزراعية في المنطقة.

وتتجه خطط التطوير المقبلة إلى تنويع الأسواق وفتح وجهات جديدة في شرق آسيا وأوروبا، بالتوازي مع تحسين جودة المنتجات وتطوير خدمات التعبئة والتبريد والنقل، بما يعزز تنافسية الصادرات الزراعية اليمنية ويرفع قيمتها التسويقية.

غير أن توسيع الحضور الخارجي يتطلب أيضاً الاستعداد لمتطلبات الأسواق المستهدفة، من حيث جودة المنتجات ومواصفات التعبئة والتغليف والتتبع والشهادات المعتمدة، وهي جوانب تتضمنها خطط التطوير الرامية إلى تعزيز قدرة المصدرين على النفاذ إلى أسواق أكثر تنوعاً.

65.4 مليار ريال أثراً اقتصادياً ونحو 35 ألف فرصة عمل

تتجاوز آثار نمو الصادرات الزراعية قيمة المنتجات التي تغادر مناطق الإنتاج إلى الأسواق الخارجية، إذ تنعكس الحركة التصديرية على سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالزراعة والتعبئة والتغليف والنقل والخدمات اللوجستية والتسويق والمبيعات.

ووفقاً لمؤشرات تقرير الهيئة العامة لتطوير تهامة، ارتفع الأثر الاقتصادي الكلي المقدر إلى 65.4 مليار ريال في العام 1447هـ، مقارنة بنحو 9.3 مليارات ريال في العام 1442هـ.

ويقدر التقرير أن كل ريال من عائدات الصادرات يولد نحو 60 هللة إضافية في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، فيما بلغ الناتج الاقتصادي المرتبط بقطاعات الخدمات واللوجستيات نحو 24.5 مليار ريال، بما يعكس اتساع نطاق النشاط المصاحب لحركة المنتجات الزراعية.

وتبرز أهمية هذه المؤشرات في أن مردود الصادرات لا يقتصر على عائدات بيع المحاصيل، بل يمتد إلى حركة النقل والتخزين والتعبئة والتغليف والخدمات الفنية والتسويقية، وهي أنشطة تستفيد من توسع الإنتاج وتزيد من دوران النشاط الاقتصادي في المناطق الزراعية وما يرتبط بها من أسواق ومراكز خدمية.

وفي جانب فرص العمل، ارتفع عدد الوظائف الريفية المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالقطاع إلى نحو 35 ألف وظيفة في العام 1447هـ، مقارنة بـ10 آلاف و680 وظيفة في العام 1443هـ، بزيادة بلغت 228 بالمائة.

وتوزعت هذه الوظائف على الإنتاج الزراعي بنحو 18 ألف وظيفة، والتعبئة والتغليف بستة آلاف و500 وظيفة، والنقل والخدمات اللوجستية بأربعة آلاف و800 وظيفة، والتسويق والمبيعات بثلاثة آلاف و200 وظيفة، والخدمات الفنية المساندة بألفين و500 وظيفة، إلى جانب تنامي فرص عمل المرأة الريفية في أنشطة الفرز والتعبئة.

ويؤكد هذا التوزيع أن الزراعة قادرة على توفير فرص عمل تتجاوز الحقل نفسه، إذ تمتد إلى مختلف حلقات الإنتاج والتجهيز والتسويق، بما يفتح مجالات أوسع أمام القوى العاملة في الريف، ويعزز فرص تحسين دخل الأسر، ويوسع النشاط الاقتصادي المحلي.

كما يبرز نمو فرص العمل أهمية ربط تنمية الإنتاج الزراعي بالتدريب والتأهيل، وتحسين ظروف العمل، وتطوير مهارات العاملين في عمليات التعبئة والتغليف والتسويق والخدمات اللوجستية، بما يرفع كفاءة القطاع ويزيد من قدرته على استيعاب فرص عمل جديدة.

التنظيم والنقل والتحول الرقمي.. محركات إضافية للنمو

يربط تقرير الهيئة العامة لتطوير تهامة جانباً من الزيادة في الأثر الاقتصادي بأربعة محركات رئيسية، أضافت مجتمعة نحو 23 مليار ريال، شملت تثبيت أسعار النقل وضبط أسعار الشاحنات والبرادات، وتسهيل الإجراءات، وتحسين التنظيم المؤسسي، والتحول الرقمي.

وجاء تثبيت أسعار النقل وضبط أسعار الشاحنات والبرادات في المقدمة، بقيمة ثمانية مليارات ريال، وبنسبة 34.8 بالمائة، فيما أسهم تسهيل الإجراءات عبر البوابة الإلكترونية بقيمة ستة مليارات ريال، وبنسبة 26.1 بالمائة.

كما شمل الأثر تحسين التنظيم المؤسسي بقيمة خمسة مليارات ريال، وبنسبة 21.7 بالمائة، والتحول الرقمي وتوظيف أدوات الذكاء الاقتصادي بقيمة أربعة مليارات ريال، وبنسبة 17.4 بالمائة، وفقاً للتقديرات الواردة في التقرير.

وتكشف هذه المؤشرات أهمية العوامل التنظيمية واللوجستية في رفع كفاءة القطاع الزراعي، إذ لا يتوقف نجاح التصدير على حجم المحصول وحده، بل يتأثر كذلك بتكاليف نقله، وسرعة إنجاز معاملاته، وكفاءة التنسيق بين الجهات المعنية، والقدرة على توفير المعلومات التي تساعد في اتخاذ القرارات التسويقية.

ويمثل التحول الرقمي أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في اختصار الوقت وتسهيل المعاملات وتحسين متابعة حركة الصادرات، فيما يتيح توظيف أدوات التحليل الاقتصادي فهماً أفضل لاتجاهات السوق واحتياجاته، بما يساعد على تنظيم الإنتاج والتسويق وفق معطيات أكثر دقة.

وتبرز هذه الجوانب أهمية بناء منظومة تصديرية تجمع بين الإنتاج الجيد والإجراءات الميسرة والخدمات اللوجستية الفاعلة، بحيث لا تتحول التكاليف الإضافية أو التعقيدات الإدارية إلى عائق أمام المزارع والمصدر، وبما يعزز قدرة المنتج اليمني على المنافسة في الأسواق الخارجية.

خطة طموحة لتجاوز 230 ألف طن و53 مليار ريال

في إطار التوجه نحو تعزيز النمو المحقق وتوسيع نطاق الصادرات الزراعية، أوضح مدير عام الهيئة العامة لتطوير تهامة، المهندس فواز العذري، أن مؤشرات نمو الصادرات تعكس تطور العمل الميداني في سلاسل القيمة الزراعية والتسويق والجودة، مشيراً إلى تركيز الهيئة على تعزيز قدرات المزارعين والجمعيات الزراعية، وتحسين عمليات الفرز والتدريج والتعبئة، ورفع كفاءة وصول المنتجات إلى الأسواق الخارجية.

ولفت إلى أن الخطط المستقبلية تستهدف رفع الصادرات الزراعية إلى أكثر من 230 ألف طن، بقيمة تتجاوز 53 مليار ريال بحلول العام 1450هـ، مع توقع وصول الأثر الاقتصادي الكلي إلى 88.4 مليار ريال خلال السنوات الثلاث القادمة.

وتتضمن الخطط تنويع الأسواق التصديرية باتجاه شرق آسيا وأوروبا، وإنشاء خمسة مرافق للتصنيع الغذائي تشمل إنتاج العصائر ومركزات الفواكه وتجفيفها، وتصنيع الطحينة، وتعبئة الحناء، بما يتيح الاستفادة من المحاصيل المحلية في إنتاج سلع ذات قيمة مضافة أعلى، ويعزز فرص التسويق والتشغيل.

كما تستهدف الخطط رفع متوسط سعر الكيلوغرام إلى 400 ريال، عبر تطوير جودة المنتجات وتعزيز التصنيع الغذائي وتنويع الأصناف المصدرة، بما يتيح تحقيق عائد أكبر من الكميات المنتجة، ويعزز الاستفادة الاقتصادية من الموارد الزراعية.

وتشمل الخطط أيضاً إدخال محاصيل صيفية وخريفية، وإنشاء ثلاثة مراكز للتعبئة والتبريد، وتأهيل البنية التحتية لميناء الحديدة بما يستهدف تقليص تكاليف الخدمات اللوجستية بنسبة 25 بالمائة.

وفي جانب الجودة، تتضمن البرامج تدريب المصدرين على متطلبات شهادات الجودة الدولية، ومنها ISO وGAP وHACCP، إلى جانب تطوير أنظمة الربط والتتبع الرقمي، بما يعزز الاستعداد لدخول أسواق جديدة والالتزام بمتطلبات تداول المنتجات الزراعية وتصديرها.

وتشكل هذه التوجهات امتداداً للمسار الذي شهدته تهامة خلال الأعوام الماضية، لكنها تضع أمام الجهات المعنية مسؤولية مواصلة العمل على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، من خلال تطوير البنية التحتية، وتوفير خدمات التبريد والنقل، وتحسين جودة الإنتاج، وتوسيع قاعدة الأسواق، ودعم المزارعين والمصدرين.

من نمو الصادرات إلى توطين الصناعات وتعزيز الاكتفاء الذاتي

تفتح النتائج التي حققتها الصادرات الزراعية في تهامة الباب أمام مرحلة تتجاوز زيادة الكميات المصدرة، نحو تعظيم الاستفادة من الإنتاج المحلي عبر التصنيع الغذائي وتطوير سلاسل القيمة وربط الزراعة بالصناعات التحويلية.

فإنتاج العصائر ومركزات الفواكه وتجفيفها، وتصنيع الطحينة، وتعبئة الحناء، وغيرها من الأنشطة المستهدفة، يمكن أن يتيح فرصاً للاستفادة من المحاصيل في مواسم الوفرة، والحد من فاقد المنتجات سريعة التلف، وتوسيع فرص التشغيل، وتوفير منتجات محلية ذات قيمة اقتصادية أعلى.

كما أن تطوير مراكز التعبئة والتبريد وتحسين خدمات النقل والتخزين يكتسب أهمية خاصة في تقليل الخسائر التي قد يتعرض لها الإنتاج قبل وصوله إلى الأسواق، وفي المحافظة على جودة المحاصيل، وتحسين العائد الذي يحصل عليه المزارعون.

وتتصل هذه الخطوات بهدف أوسع يتمثل في بناء اقتصاد وطني أكثر قدرة على تلبية احتياجات المجتمع من الإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة السلع المصنعة داخل البلاد، وتقليل الاعتماد على الاستيراد حيثما أمكن، مع الاستفادة من فرص التصدير لتحقيق موارد إضافية.

وفي هذا الإطار، تتكامل تنمية الصادرات مع مسار الاكتفاء الذاتي؛ فتعزيز الإنتاج المحلي وتطوير الصناعات المرتبطة به يرفعان قدرة الاقتصاد على توفير السلع، فيما يتيح تصدير الفائض الاستفادة من الأسواق الخارجية وتحقيق عائدات تدعم استمرار العملية الإنتاجية.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الزراعة لا ينحصر في زيادة المحاصيل، بل يشمل بناء منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من الأرض والمزارع، وتمتد إلى التصنيع والتعبئة والنقل والتسويق والتصدير، وتستهدف في نهاية المطاف تحسين معيشة المواطنين وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة التحديات الاقتصادية.

تهامة تقدم نموذجاً للإنتاج في مواجهة الحصار

تقدم تجربة الصادرات الزراعية في تهامة مؤشرات لافتة على الإمكانات التي يمكن أن يحققها الاستثمار في الإنتاج المحلي، حين يقترن بتطوير إجراءات التصدير، وتوسيع قاعدة المنتجات، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتعزيز التنسيق المؤسسي، وفتح أسواق جديدة أمام المحاصيل اليمنية.

فخلال الفترة من العام 1442هـ إلى العام 1447هـ، ارتفعت قيمة الصادرات الزراعية إلى 40.9 مليار ريال، ووصلت الكميات المصدرة إلى 177 ألفاً و308 أطنان مترية، واتسعت قاعدة الأصناف إلى 45 صنفاً، وعدد المصدرين المسجلين إلى 112 مصدراً، فيما بلغ الأثر الاقتصادي الكلي المقدر 65.4 مليار ريال، ووصلت فرص العمل الريفية المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالقطاع إلى نحو 35 ألف وظيفة.

وتكشف هذه النتائج أن الأرض اليمنية تختزن إمكانات إنتاجية واسعة، وأن تحويلها إلى عائد اقتصادي يتطلب استمرار الدعم الزراعي، وتطوير البنية التحتية، وتيسير الإجراءات، وتحسين جودة المنتجات، وتوسيع التصنيع الغذائي، وتعزيز قدرة المزارعين والمصدرين على الوصول إلى الأسواق.

وفي سياق ثورة 21 سبتمبر المجيدة، تتجاوز هذه الإنجازات دلالتها الرقمية لتلامس جوهر معركة الاستقلال الاقتصادي؛ فاستعادة القرار الوطني تكتمل ببناء اقتصاد منتج، وتوسيع الاعتماد على القدرات الذاتية، وتسخير الموارد لخدمة المواطنين، وجعل الزراعة والإنتاج المحلي ركيزتين للأمن الغذائي والتنمية.

وهكذا، فإن الرهان على تهامة ليس مجرد رهان على محصول المانجو أو ارتفاع عائدات التصدير، بل على قدرة اليمن على تحويل أرضه وموارده وخبرات أبنائه إلى قاعدة اقتصادية أكثر صلابة، ترفد الأسواق، وتخلق فرص العمل، وتوسع مصادر الدخل، وتدعم مسار الاكتفاء الذاتي.

ومع استمرار تطوير الإنتاج والتسويق والتصنيع والخدمات اللوجستية، تملك تهامة مقومات مهمة لمواصلة توسيع صادراتها وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني، بما يجعل من النهوض الزراعي أحد المسارات العملية لبناء اقتصاد يمني أكثر اعتماداً على الذات، وأقدر على الصمود في مواجهة العدوان والحصار وتحديات المرحلة المقبلة.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.