الرياض تخسر رهاناتها الجوية أمام صنعاء.. الأباتشي تسقط والتايفون تُصاب.. فهل بات التفوق الجوي السعودي عبئًا استراتيجيًا بدلًا من كونه ورقة حسم؟
صنعاء سيتي | تقرير
تشهد مسارح العمليات العسكرية اليمنية تحولاً استراتيجياً نوعياً أعاد صياغة موازين المعركة الجوية، كاسراً عقوداً من رهان تحالف العدوان السعودي والأمريكي على السيادة الجوية المطلقة لاحتلال الأرض وقصف المدنيين والبنى التحتية. إن العمليات الدفاعية المتزامنة خلال أسبوع واحد، والممتدة من إصابة مقاتلة نفاثة غربية وإسقاط مروحية قتالية في نجران إلى تحييد طائرات الاستطلاع المسلح في مأرب، لا تمثل مجرد نجاحات ظرفية، بل تعكس تكاملاً عقائدياً وتقنياً لمنظومات الدفاع الجوي التابعة للقوات المسلحة، التي حوّلت السماء اليمنية من مسرح رماية مفتوح للعدو إلى بيئة إنكار عملياتي واستنزاف غير متكافئ تحكم الخناق على أحدث أسلحة الترسانة الغربية.
يستند هذا الصعود الدفاعي إلى حماية المكتسبات العملياتية الكبرى التي تراكمت في جبهات المواجهة، وفي مقدمتها معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس” إسناداً لغزة؛ حيث يؤدي تحييد طيران العدوان وراداراته التجسسية إلى تأمين منصات إطلاق الصواريخ الباليستية والمسيّرات التي تفرض الحصار البحري على الملاحة الصهيونية وتدك عمق الكيان الغاصب. إن التزامن بين ملاحقة الطائرات المعادية في الداخل وإحباط بنك أهداف العدوان الخارجي ينقل صنعاء من موقع امتصاص الغارات إلى موقع فرض كلفة مالية واستراتيجية باهظة تُربك غرف القيادة والسيطرة المشتركة في الرياض وواشنطن.
اختراق جدار السيادة الجوية النفاثة
شكّل استهداف مقاتلة “تايفون” (Typhoon) في أجواء محافظة صعدة—بصاروخ أرض-جو أصابها إصابة مباشرة بعد إقلاعها من قاعدة الطائف الجوية—ضربة دقيقة للعمود الفقري لسلاح الجو الملكي السعودي. وتعد “التايفون” فخر الصناعات الجوية العسكرية الأوروبية وأغلاها كلفة، إذ تتجاوز قيمة الطائرة الواحدة 110 ملايين دولار، وتناهز كلفة ساعة تحليقها الواحدة عشرات الآلاف من الدولارات. وقد أثبتت الضربة اليمنية فشل منظومة “Praetorian” الخاصة بالحرب الإلكترونية والحماية الذاتية في تضليل الصاروخ اليمني الاعتراضي أو التشويش على بصمته الرادارية والحرارية.
يكشف هذا الاستهداف عن قفزة تقنية أحرزتها هيئة التصنيع العسكري في خوارزميات التتبع والاعتراض السلبي (Passive Tracking) الكهروبصري والحراري، التي تتفوق على أجهزة الاستشعار الغربية وشراك الإنذار المبكر المحمولة جواً. هذا النمط من الاشتباك الناري يجرّد المقاتلات النفاثة من ميزة الارتفاعات العالية والسرعات الفوق-صوتية، محولاً طلعات العدوان الاستعراضية إلى عمليات محفوفة بمخاطر السقوط والاحتراق، مما ينسف هالة التفوق التي روجت لها الشركات العسكرية الغربية الموردة للرياض.
أحدثت هذه الضربة ارتباكاً ميدانياً لدى قيادة القوات الجوية المعادية، ما اضطر طياري العدوان إلى اللجوء لمناورات تفادٍ متطرفة والإلقاء العشوائي لحمولاتهم من مسافات بعيدة تفتقر للدقة التكتيكية خشية الوقوع في كمائن الدفاع الجوي. هذا التحول التكتيكي يترجم عجز الترسانة الجوية المستوردة بمليارات الدولارات أمام صواريخ محلية الصنع كلفة تصنيعها لا تقارن بقيمة الهدف، لتكرس صنعاء بذلك معادلة استنزاف مالي وعسكري فادح للعدو السعودي.
-
اختراق أحدث أنظمة الحماية والحرب الإلكترونية لمقاتلة الجيل الرابع النفاثة “تايفون”.
-
نسف مظلة الأمان للارتفاعات الشاهقة فوق المحافظات الشمالية وجبهات الإسناد.
-
فرض استنزاف مالي غير متكافئ (صاروخ محلي الصنع مقابل طائرة بـ 110 ملايين دولار).
-
تقييد حركة القاذفات الاستراتيجية المنطلقة من القواعد الخلفية كقاعدة الطائف.
شل منظومات الإسناد الناري الحدودي
وجّه إسقاط مروحية “الأباتشي” (AH-64 Apache) الهجومية قبالة قطاع نجران ضربة مباشرة لأهم أذرع الإسناد الناري القريب لجيش العدو السعودي على طول الشريط الحدودي. وتعد “الأباتشي”، التي تتجاوز قيمتها 35 مليون دولار، ركيزة تكتيكية حاسمة يعتمد عليها العدو في تغطية تحركات مشاته المأزومة، وتأمين المواقع والرقابات العسكرية، وتنفيذ الرمايات الصاروخية الموجهة بدقة لمساندة حرس الحدود والمرتزقة في خطوط التماس.
أسقط السلاح الدفاعي المناسب الطائرة في ميدان نفوذها التكتيكي، كاسراً شبكة التهديف الكهروبصري والراداري المعقدة التي زُوّدت بها المروحية الأمريكية الصنع. هذا الإسقاط جرد تشكيلات المشاة التابعة للعدو من مظلتها النارية الوقائية، وفضح هشاشة الغطاء الجوي المباشر أمام مضادات صنعاء، ليجد جنود العدو أنفسهم مكشوفي الظهر في مواجهة نيران الجيش واللجان الشعبية على مشارف القواعد العسكرية الحدودية.
جاء توثيق الإعلام الحربي اليمني لمشاهد حطام الأباتشي وهي تهوي وتحترق ليوجه ضربة مدمرة لآلة الدعاية الحربية للعدو، التي لطالما حاولت التعتيم على خسائرها أو تبريرها بمزاعم “الخلل الفني”.
إن هذه المشاهد الموثقة لم تقتصر على فضح الإنكار السعودي، بل نسفت الروح المعنوية لدى جنود الجيش السعودي ومرتزقته في جبهات نجران، وعززت لدى المقاتل اليمني قناعة مطلقة بأن تفوق العدو التكنولوجي يتبدد أمام الإرادة واليقظة الدفاعية الميدانية.
تقويض التفوق الاستخباري غير المأهول
استهدف الاعتراض الدفاعي لطائرة الاستطلاع المسلح الصينية الصنع من نوع “وينق لونق 2” (Wing Loong II) في أجواء محافظة مأرب الركيزة الاستخبارية المركزية لغرفة عمليات تحالف العدوان.
وتضطلع هذه المسيّرة بمهام الرصد البصري والراداري الشامل على مدار الساعة، وتقديم الإحداثيات المباشرة لمدفعية العدوان وطائراته النفاثة، بالإضافة إلى قدرتها الذاتية على تنفيذ اغتيالات وضربات موجهة باستخدام صواريخها الدقيقة من ارتفاعات متوسطة.
عطل إسقاط هذه الطائرة منظومة الجمع الاستخباري اللحظي للعدو، وحرمه من التغذية التكتيكية لمسارات المواجهة المشتعلة في مأرب.
وتكمن الدلالة العملياتية لهذا النجاح في قدرة الصواريخ اليمنية على اكتشاف وتتبع الأهداف الجوية ذات المقطع الراداري الصغير والبصمة الحرارية الخافتة والتعامل معها بدقة متناهية، وهو ما يثبت امتلاك الدفاع الجوي مرونة تغطية شاملة تمتد من المقاتلات الضخمة وحتى المسيّرات التجسسية المتخفية.
-
حرمان غرف عمليات العدوان من الرصد البصري والراداري اللحظي فوق جبهات مأرب.
-
إبطال شبكة التوجيه الناري الدقيق للمدفعية والصواريخ التكتيكية المعادية.
-
إثبات كفاءة الصواريخ اليمنية في اصطياد الأهداف ذات البصمة الرادارية والحرارية الخافتة.
-
فرض تعتيم استخباري كامل يعيق تحركات مرتزقة العدو الميدانية.
نهضة التصنيع العسكري ودروس المواجهة
تعود جذور هذه المعجزة الدفاعية إلى ملحمة وطنية قادتها هيئة التصنيع العسكري؛ فبعد أن أقدم النظام السابق بضغوط وإشراف أمريكي مباشر على تدمير منظومات الدفاع الجوي الوطنية (من طراز “سام”) وإتلاف الصواريخ المحمولة على الكتف لترك سماء اليمن مستباحة، انطلقت الكوادر الوطنية من تحت ركام الغارات لإعادة إحياء وتطوير تلك المنظومات بالهندسة العكسية والابتكار الذاتي الكامل، وصولاً إلى تدشين أجيال متقدمة من منظومات “فاطر” و”ثاقب” و”ميعراج” وغيرها من الصواريخ الاعتراضية التي صُنعت بأيادٍ
وعقول يمنية خالصة داخل ورش التصنيع العسكري في ظل أعتى حصار اقتصادي وتقني.
تجلت كفاءة هذا التصنيع العسكري المستقل بأبهى صورها التاريخية في خضم معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، حيث خاضت الدفاعات الجوية مواجهة نارية مباشرة وتاريخية ضد الترسانة الأمريكية المتطورة، وتمكنت من إسقاط أكثر من 20 طائرة استطلاع مسلح أمريكية من طراز “إم كيو 9” (MQ-9 Reaper) التي تناهز كلفة الواحدة منها 30 مليون دولار.
وقد شكّل هذا الحصاد المتواصل كابوساً تقنياً واستنزافاً مالياً باهظاً لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، بعدما تحولت درة التجسس والاغتيالات العالمية إلى ركام موثق بالصوت والصورة في صحاري وجبال مختلف المحافظات اليمنية.
يؤكد هذا السجل الحافل أن التصنيع الدفاعي اليمني فكك الشيفرات التكنولوجية لأعقد الأسلحة الغربية وأوجد حلولاً غير نمطية تعتمد على وسائط تتبع حرارية وكهروبصرية لا تتأثر بالتشويش الإلكتروني المتقدم.
إن امتلاك اليمن لتقنية التصنيع المستقل لا يمنحه حصانة استراتيجية ضد نفاد الذخائر فحسب، بل يمنح القيادة السياسية والعسكرية استقلالية كاملة في القرار السيادي، ويثبت للعالم أن التكنولوجيا العسكرية المستوردة بالمليارات تنهار حتماً أمام عقول حرة وإرادة ابتكار وطنية نابعة من مظلومية الشعب وصموده.
ترسيخ معادلة الردع الشامل
تختزل الوقائع الميدانية المتلاحقة في سماء اليمن حقيقة استراتيجية بالغة الدلالة: إن مرحلة استباحة الأجواء وفرض الإملاءات العسكرية عبر التفوق الجوي قد انتهت بغير رجعة. إن إسقاط “التايفون” والأباتشي ومسيرات الاستطلاع، وقبلها أسراب الـ “MQ-9” الأمريكية، لم يعد دفاعاً جغرافياً مجرداً، بل بات مظلة ردع تحمي خيارات اليمن الاستراتيجية وقراره السيادي، وتوفر الغطاء الصلب لمعاركه البحرية والبرية التي تكسر غطرسة العدو الصهيوني والأمريكي وأدواتهما في المنطقة.
إن معركة الأجواء الجارية تبرهن على أن التفوق العسكري الحقيقي تصنعه العقيدة الراسخة والإرادة الحرة والتصنيع المحلي المبتكر، لا العقود التسليحية المليارية ولا الاستجداء بالدعم الأجنبي. ومع كل حطام لطائرة معادية توثقه عدسات الإعلام الحربي وتتناقله شاشات العالم، تثبت القوات المسلحة اليمنية أنها فرضت واقعاً دفاعياً عصياً على الكسر، وأن استمرار العدوان والحصار لن يجلب للرياض وحلفائها سوى مزيد من الانكسارات التكتيكية والاستنزاف المالي والسياسي، حتى الإقرار الكامل بحرية اليمن وسيادته على كامل ترابه ومياهه وسمائه.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.