11 أكتوبر.. يومٌ تتكرر فيه جرائم السعودية عبر الأعوام، من استهداف المدنيين إلى ضرب شرايين الحياة والاقتصاد اليمني

صنعاء سيتي | تقرير 

 

لم تكن المجازر اليومية التي ارتكبها تحالف العدوان الأمريكي السعودي مجرد انزلاقات ميدانية أو «أضرار جانبية» معزولة، بل نُفذت ضمن عقيدة عسكرية ممنهجة قوامها العقاب الجماعي وسحق الحاضنة الشعبية لفرض الاستسلام القسري. إن قراءة السجل الجنائي الموثق لدى المراكز الحقوقية الرسمية في العاصمة صنعاء — وفي مقدمتها «مركز عين الإنسانية للحقوق والتنمية» وبيانات وزارة الصحة العامة والسكان — في مثل هذا اليوم، الحادي عشر من أكتوبر عبر الأعوام (2015–2020)، تبرهن أن بنك الأهداف المعادي استند إلى تكتيك استئصال مقومات الحياة وإبادة المكان؛ حيث توزعت الضربات بين تدمير البنية السكنية، ونسف مصادر الإنتاج الزراعي، واستهداف منافذ الإمداد التمويني والمؤسسات التعليمية.

هذا التوحش المنظم لا يمكن فصله عن أصله الاستراتيجي؛ فالرياض لم تكن سوى أداة تنفيذية وممولة لعدوان تديره واشنطن تخطيطاً وتسليحاً وتوجيهاً عبر غرف العمليات المشتركة وبإشراف ضباط أمريكيين وبريطانيين. لقد أثبتت شظايا القنابل الموجهة بالأقمار الصناعية (GPS) في مدن صعدة والحديدة وتعز أن شركات الموت الغربية — وعلى رأسها «رايثيون» و«لوكهيد مارتن» و«بوينغ» — هي الشريك المباشر في سفك الدم اليمني. وأمام هذه الحقائق الدامغة، سقطت منظومة النفاق الدولي ومؤسساتها الأممية التي عطلت لجان التحقيق الدولية المستقلة وتاجرت بالمواثيق الإنسانية مقابل صفقات التسليح وتدفقات البترودولار، لتمنح القتلة حصانة سياسية زائفة يدحضها الرصد التوثيقي الميداني.

صعدة: تجريف الحياة وجرائم الإبادة

مثلت محافظة صعدة النموذج الأبرز لسياسة الأرض المحروقة وجرائم الحرب المكتملة الأركان وفق المادتين (51) و(52) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف؛ إذ تعامل معها طيران العدوان الأمريكي كمسرح إبادة مفتوح. ففي 11 أكتوبر 2015، شنت مقاتلات (F-15) أمريكية الصنع سلسلة غارات عنيفة على التجمعات السكنية وسط مدينة صعدة، مسقطة حممها التدميرية على منازل المدنيين والمساجد والمحال التجارية، ما أسفر عن ارتقاء وجرح مدنيين عزل وتسوية دور عبادة بالأرض، في محاولة لإلغاء المظاهر الحضرية وتدمير الرموز الدينية للأهالي.

وانتقلت دائرة القصف إلى ضرب الأمن الغذائي الريفي في 11 أكتوبر 2017، عندما استهدفت الغارات الجوية مزارع ومنازل المواطنين في مديرية باقم الحدودية بقنابل انشطارية وحارقة محرمة دولياً؛ ما أدى إلى استشهاد وجرح عدد من المزارعين واحتراق محاصيلهم الزراعية بالكامل. إن تعمد تدمير الأراضي الخصبة والآبار الارتوازية يعكس خطة خبيثة لقطع مصادر العيش وتجويع المجتمعات المحلية ودفعها قسراً نحو النزوح الإجباري.

وتتويجاً لهذا النهج الاستئصالي، ارتكب طيران العدوان في 11 أكتوبر 2020 مجزرة دموية بحق أبناء مديرية منبه الحدودية، بعدما أمطر بيوت الفلاحين ومزارعهم الجبلية بالصواريخ الموجهة، ما تسبب في استشهاد وإصابة مواطنين جلهم من الأطفال والنساء. لم تكن هذه المنازل سوى مساكن لمواطنين يمارسون رعي الماشية والزراعة، إلا أن القيادة العسكرية للعدوان صبت جام حقدها الانتقامي لتعويض عجزها وفشلها الاستخباري في الجبهات العسكرية.

  • 11 أكتوبر 2015: غارات أمريكية تسوي منازل ومساجد صعدة بالأرض مخلفة شهداء وجرحى.
  • 11 أكتوبر 2017: قصف جوي تجريفي يحرق مزارع باقم ويقوض مقومات عيش المزارعين.
  • 11 أكتوبر 2020: استهداف مباشر لمنازل منبه الحدودية يسفك دماء النساء والأطفال.
تعز: استهداف التموين والمنشآت التعليمية

في محافظة تعز، انتهج التحالف المشترك استراتيجية استهداف البنى الخدمية والحيوية لشل الحياة اليومية وخلق أزمات تموينية خانقة. ففي 11 أكتوبر 2015، أقدم طيران العدوان على قصف مجمع لمحلات بيع وتوزيع أسطوانات الغاز المنزلي وسط أحياء سكنية بالمدينة؛ وهو ما أحدث انفجارات متسلسلة أحرقت المنازل المجاورة وقتلت وأصابت العديد من المدنيين، في جريمة حرب استهدفت شرياناً تموينياً رئيسياً لتعميق الحصار الاقتصادي وقطع مادة الغاز الأساسية عن حياة المواطنين.

وبالتوازي مع الضربات الجوية، تولت فصائل المرتزقة على الأرض تنفيذ أعمال الإبادة بالقصف العشوائي والقنص المركز؛ كما وثقته جريمة 11 أكتوبر 2016 باستهداف سوق «سوفتيل» الشعبي المكتظ بالمدنيين بالقذائف الثقيلة، محولين بسطات الباعة ومتاجرهم إلى ساحة دامية. ولم يكتفِ المرتزقة بذلك، بل صعّدوا في 11 أكتوبر 2020 بقصف مدرسة «22 مايو» ومنازل المواطنين في مديرية صالة بالمدفعية الثقيلة؛ متسببين بمجزرة في صفوف الطلاب والأطفال، في انتهاك صارخ للمنشآت التعليمية المحمية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.

  • 11 أكتوبر 2015: قصف جوي لمحلات أسطوانات الغاز يعطل الإمداد ويحرق الأحياء السكنية.
  • 11 أكتوبر 2016: مدفعية المرتزقة تمطر سوق سوفتيل المكتظ وتسفك دماء المتسوقين والباعة.
  • 11 أكتوبر 2020: قذائف الارتزاق تدمر فصول مدرسة «22 مايو» وتستهدف التلاميذ بصالة.
الحديدة: نسف التهدئة وخنق الاقتصاد

شكّل الساحل الغربي هدفاً استراتيجياً لمخطط الحصار المفروض على الميناء الحيوي الذي يغذي غالبية المحافظات اليمنية. ففي 11 أكتوبر 2018، تعرضت مديرية التحيتا لعدوان مركب نسق فيه الطيران المعادي ضرباته مع القصف الصاروخي والمدفعي، مستهدفاً منازل الفلاحين ومزارع النخيل والخضروات، ما أسفر عن استشهاد وجرح عدد من المواطنين بينهم أطفال، وتدمير كامل للممتلكات في مسعى لتعطيل السلة الغذائية التهامية وتهجير ساكنيها.

وفي 11 أكتوبر 2019، نقل مرتزقة الاحتلال (ما تسمى القوات المشتركة) عمليات التدمير إلى القاعدة الإنتاجية لمدينة الحديدة؛ عبر قصف مدفعي وصاروخي مكثف استهدف مصانع وهناجر التخزين في منطقة «كيلو 16»، ما أشعل حرائق هائلة أتلفت خطوط الإنتاج والسلع الأساسية والمخازن التابعة للقطاع الخاص، في استهداف مباشر للبنية الصناعية المتبقية بهدف شل الدورة الاقتصادية الوطنية.

وقد نُفذت هذه الاعتداءات في ظل سريان «اتفاق ستوكهولم»، وتحت مرأى ومسمع بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA)، التي مارست صمتاً مريباً بلغ حد التواطؤ الفاضح؛ حيث وفرت تقاريرها المائعة غطاءً سياسياً للمرتزقة لمواصلة نسف التهدئة واستهداف خطوط الإمداد والمصانع المدنية، دون إصدار إدانة صريحة للطرف المعتدي أو تحميله المسؤولية القانونية المترتبة على خرق الالتزامات الدولية.

  • 11 أكتوبر 2018: قصف صاروخي وجوي يلتهم مزارع التحيتا ويوقع ضحايا من أطفال تهامة.
  • 11 أكتوبر 2019: إحراق مصانع وهناجر «كيلو 16» بالمدفعية لتعطيل الإنتاج والاستيراد.
  • تواطؤ أممي فاضح: نسف اتفاق ستوكهولم تحت أعين بعثة «أونمها» المعطلة رقابياً.
التواطؤ الغربي: تربح السلاح والحصانة

تؤكد المعطيات الفنية والتسليحية لهذه الوقائع أن الدم اليمني تحول إلى وقود لأرباح مجمعات الصناعات الحربية الغربية؛ إذ تُظهر الأرقام أن شركات مثل «رايثيون» و«لوكهيد مارتن» الأمريكية، و«بي إيه إي سيستمز» البريطانية، باعت للنظامين السعودي والإماراتي مئات الآلاف من القنابل الذكية والصواريخ الموجهة بدقة (من فئتي Paveway وJDAM)، والتي استخدمت مباشرة ضد الأعيان المدنية في صعدة وتعز والحديدة لتسوية المنازل والمساجد والمصانع بالأرض.

إن المسؤولية الجنائية تمتد إلى واشنطن ولندن كشريكين أصيلين في قرار العدوان وإدارته؛ فالطلعات الجوية التي دمرت المدارس ومخازن الغاز انطلقت بتنسيق من ضباط اتصال أمريكيين وبريطانيين متواجدين في مقر القيادة بالرياض، وبدعم من طائرات التزود بالوقود جواً والاستطلاع الإلكتروني عبر الأقمار الصناعية، ما يجعل تصنيف هذه الجرائم وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية جرائم حرب واشتراكاً مباشراً في الإبادة.

كما كشف هذا المشهد انهيار السردية الغربية حول «حقوق الإنسان» وزيف العدالة الدولية؛ حيث مارس الحلفاء الغربيون ضغوطاً سياسية وابتزازاً مالياً في مجلس حقوق الإنسان بجنيف لشطب فريق الخبراء الدوليين والإقليميين البارزين (GEE) عام 2021 بعد توثيقهم انتهاكات التحالف، فضلاً عن المقارنة الفاضحة بين الصمت المخزي عن جرائم اليمن مقابل الاستنفار الدبلوماسي والقضائي الغربي الفوري تجاه أزمات أخرى، مما يسقط أي شرعية أخلاقية للمنظومة الغربية.

معادلة الردع وسقوط التقادم

إن استقراء دلالات 11 أكتوبر يثبت أن استراتيجية الصدمة والترويع عبر مذابح المدنيين فشلت في كسر الإرادة اليمنية؛ فالدم المسفوك في صعدة والحديدة وتعز تحول بمرور السنوات إلى طاقة إنتاجية وعسكرية هائلة صنعت معادلة الردع الاستراتيجي، ونقلت اليمن من تلقي الضربات إلى فرض قواعد اشتباك توازن الرعب؛ حيث أصبحت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة قادرة على ضرب عمق العدو وموانئه ومنشآته النفطية ومحاصرته بحراً، لترد على قصف المنازل بحصار المعتدين واستهداف مصالحهم الحيوية.

إن هذه الجرائم الموثقة بالدم والأرقام والإحداثيات حق سيادي وتاريخي لا يسقط بالتقادم الجنائي، ولا يمكن شطبه أو المساومة عليه في أي تسويات سياسية أو مسارات تفاوضية؛ فملف استحقاقات الشعب اليمني في المحاسبة الدولية والتعويض وإعادة الإعمار يظل استحقاقاً حتمياً تفرضه قوة الردع الميدانية وثبات الموقف الشعبي والقيادي في صنعاء.

[ملحق توثيقي] كادر جنائي: جرائم لا تسقط بالتقادم
  • التكييف القانوني: انتهاك صريح لنصوص المواد (51، 52، 57) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977، والتي تحظر استهداف الأعيان المدنية والمناطق السكنية والمرافق التعليمية والاقتصادية وتلزم بالتمييز الصارم بين المقاتلين وغير المقاتلين.
  • التوصيف الدولي: جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية متكاملة الأركان تخضع للاختصاص القضائي الدولي وفقاً لنص المادة (8) والمادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
  • التوثيق المعتمد: صادر عن مركز عين الإنسانية للحقوق والتنمية، وتقارير وزارة الصحة العامة والسكان، واللجنة الوطنية لتوثيق جرائم العدوان.
  • الأرشيف الرقمي والمرئي: المواد التوثيقية التفاعلية (مقاطع الفيديو، المسح الجغرافي، وأقوال الشهود) محفوظة ومؤرشفة رقمياً ومتاحة عبر المنصات التوثيقية المعتمدة لجرائم العدوان الأمريكي السعودي.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.