اندحار الغطرسة الأمريكية من العراق: انتصار إرادة المقاومة وتدشين عصر الانحسار العسكري لقوى الاستكبار

صنعاء سيتي | تقرير

يُمثّل المشهد الميداني اليوم في بلاد الرافدين لحظة تاريخية فارقة، تتجرع فيها واشنطن هزيمة عسكرية وسياسية مدوية مع استكمال طرد آخر جنود الاحتلال الأمريكي وتفكيك قواعده العسكرية؛ في انتصار حاسم صاغته فوهات بنادق المقاومة ودماء الشهداء. لم يخرج الغازي الأمريكي بتفاهمات ناعمة أو رغبة طوعية، بل انتُزع هذا الجلاء انتزاعاً بعد 23 عاماً من الصمود الأسطوري والمواجهة الدؤوبة التي خاضتها فصائل المقاومة الإسلامية وتشكيلات الحشد الشعبي، مُسقطةً جبروت البنتاغون في الوحل، ومُعلنةً تدشين عصر الانحسار العسكري المباشر لقوى الاستكبار الغربي في المنطقة بأسرها.

في قلب هذا المشهد التحرري، جاء بيان وزارة الخارجية والمغتربين في الجمهورية اليمنية بالعاصمة صنعاء ليضع هذا الحدث في مساره الاستراتيجي؛ مباركاً للشعب العراقي ومقاومته المجاهدة هذا الإنجاز، ومؤكداً أن وحدة الساحات وتكامل جبهات محور القدس والمقاومة فرضت معادلتها الحتمية. وكما طردت صنعاء قوات “المارينز” الأمريكية وسفارات الوصاية الغربية في 11 فبراير 2015 وكسرت عربدة أساطيل واشنطن وحاملات طائراتها في البحر الأحمر وباب المندب، فإن سواعد مجاهدي العراق تقتلع اليوم صنم القواعد العسكرية الأجنبية على الأرض، في مشهد يربط البحر بالبر ويكرس نهاية أوهام البقاء الاستعماري.

 خديعة الغزو وسقوط الذرائع

دشنت الإدارة الأمريكية غزوها للعراق في 20 مارس 2003 استناداً إلى كذبة كبرى روجتها استخباراتها بشأن “أسلحة الدمار الشامل”؛ وهي الفرية التي فندتها لجان التفتيش الدولية وأقر التقرير النهائي لمجموعة مسح العراق (تقرير دولفر 2004) بزيفها المطلق، كاشفاً أن الهدف الحقيقي تمثل في شن حرب استعمارية لتدمير الدولة وتمزيق الهوية الحضارية لبلاد الرافدين وإخضاع مقدراتها الوطنية.

باشر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر تنفيذ استراتيجية التفتيت بإصدار الأمرين التشريعيين (1) و(2) بحل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية، وتسريح أكثر من 400,000 عسكري وضابط، لافتعال فراغ أمني واجتماعي مدمر وممنهج، مهد الطريق لتمرير الأمر رقم (39) القاضي بنهب وتفكيك 200 منشأة ومؤسسة وطنية لصالح كارتيلات النفط والشركات الاحتكارية الغربية.

استنزف الاحتلال مقدرات البلاد عبر السيطرة على صندوق تنمية العراق (DFI)، حيث وثق المفتش العام الأمريكي ستيوارت بوين تبديد وهدر ما يربو على 8.7 مليار دولار من عائدات النفط المودعة قسراً لدى البنك الفيدرالي في نيويورك، في عملية قرصنة ممنهجة حوّلت بلداً عائماً على بحار من الطاقة إلى ساحة أزمات معيشية خانقة خاضعة لابتزاز الدولار، تماماً كما جرى محاصرة الشعب اليمني في لقمة عيشه ونقل وظائف بنكه المركزي لتركيعه اقتصادياً.

كان المخطط الأمريكي يستهدف اتخاذ بغداد قاعدة انطلاق مركزية لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” لحماية أمن الكيان الصهيوني وتطويق قوى الرفض؛ غير أن هذا المخطط اصطدم بوعي ثوري مبكر أطلق شرارة الكفاح المسلح، محولاً معسكرات الغزاة إلى أهداف استنزاف دائمة كبّدت الخزينة الأمريكية تريليونات الدولارات ومزقت أوهام استقرارها الدائم فوق تراب العراق الطاهر.

 شواهد التوحش وذاكرة الإبادة

خلّف الاحتلال الأمريكي سجلاً أسود حافلاً بجرائم الحرب والإبادة الجماعية الموثقة؛ وتصدرت فظائع سجن “أبو غريب” عام 2004، التي استشهد بها بيان خارجية صنعاء، لائحة الإدانات كشاهد حي على سادية المحتل ونهجه الممنهج في انتهاك الكرامة الإنسانية عبر التعذيب الجسدي والجنسي واستخدام الكلاب البوليسية والصعق الكهربائي بحق آلاف المعتقلين العزل لكسر شوكة إرادتهم الحرة.

حوّلت الآلة العسكرية الأمريكية مدناً بأكملها إلى حقول رماية لأسلحتها المحرمة دولياً؛ حيث أمطرت الفلوجة عام 2004 بأطنان من الفوسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، ما أسفر عن تدمير 70% من أحيائها السكنية، وخلف كارثة بيولوجية مستمرة قفزت بمعدلات السرطان وتشوهات المواليد إلى مستويات قياسية فاقت آثار كارثة هيروشيما وفق أبحاث بيئية دولية، وهي ذات الجرائم التي اختبرها الشعب اليمني عبر آلاف الأطنان من القنابل المحرمة والذكية الأمريكية التي ألقيت على قراه ومدنه.

استباحت الشركات الأمنية دماء المواطنين تحت غطاء الحصانة التي فرضها القرار (17) لسلطة الاحتلال؛ وبرزت مجزرة ساحة النسور في سبتمبر 2007 حين قتل مرتزقة “بلاك ووتر” 17 مدنياً بدم بارد، قبل أن يمنحهم البيت الأبيض عفواً رئاسياً، بالتوازي مع جريمة الغدر الجبانة مطلع عام 2020 على طريق مطار بغداد، باغتيال قادة النصر الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

وتتجسد أبشع معالم هذا التوحش الأمريكي الممنهج في محطات موثقة لا تسقط بالتقادم:

* **مجزرة حديثة (2005):** إعدام 24 مدنياً بينهم أطفال ونساء داخل منازلهم برصاص المارينز.

* **مأساة المحمودية (2006):** اغتصاب وقتل الطفلة عبير الجنابي وإبادة أسرتها وإحراق جثامينهم.

* **سجون الظل السرية:** مراكز احتجاز غير خاضعة للرقابة شهدت تصفية مئات المقاومين قسراً تحت التعذيب.

* **اغتيال قادة النصر (2020):** اعتداء إرهابي غادر استهدف رموز معركة التحرير وفجّر قرار طرد القوات الأجنبية.

 كارثة التدمير وصناعة الإرهاب

تُظهر البيانات والمسوح الميدانية الحجم الفلكي للكارثة التي ألحقها الاحتلال بالعراق؛ إذ وثق مشروع “تكاليف الحرب” بجامعة براون ومسوح مجلة “ذا لانسيت” استشهاد ومقتل ما يربو على مليون عراقي بشكل مباشر وغير مباشر، نتيجة العمليات الحربية وتدمير المستشفيات وتفشي الأوبئة وسوء التغذية تحت وطأة الحصار والدمار الممنهج على مدار عقدين كاملين.

تسبب الغزو في تشريد أكثر من 4 ملايين مواطن داخل العراق وخارجه وفق إحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تزامناً مع انهيار تام في قطاع الطاقة وشبكات الصرف الصحي، وحرمان 40% من العراقيين من الوصول لمياه الشرب النظيفة بحسب اليونيسف، في إطار سياسة تجويع وإفقار ممنهجة تماثل الحصار الخانق المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية لحرمان الشعوب من مقومات الحياة الكريمة.

عمدت واشنطن إلى هندسة نظام المحاصصة الطائفية لإضعاف التماسك المجتمعي، وهيأت مناخاً لولادة التنظيمات التكفيرية، بدءاً من القاعدة وصولاً إلى تنظيم “داعش” الإجرامي عام 2014، الذي كشفت وثيقة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) لعام 2012 توظيف البنتاغون له كفزاعة لإعادة احتلال المدن؛ وهو ذات السيناريو الاستخباري الخبيث الذي واجهته اليمن حين استُخدمت القاعدة وداعش كأدوات وظيفية لاستهداف الجيش واللجان الشعبية وتبرير التدخلات الأجنبية.

ولم تسلم الهوية الحضارية من التدمير؛ إذ رعت قوات الغزو سرقة أكثر من 15,000 قطعة أثرية من المتحف الوطني العراقي في نيسان 2003، وحرقت دار الكتب والوثائق التاريخية، في مسعى مدروس لطمس الذاكرة التاريخية لمهد الحضارات وتجريد الشعب من جذوره الثقافية لفرض التبعية والاستلاب الحضاري.

فوهات البنادق تكسر الهيمنة

لم يكن الاندحار الأمريكي وليد تسوية سياسية، بل فرضته الضربات الميدانية المركزة التي شنتها فصائل المقاومة الإسلامية في العراق — وفي طليعتها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وسيد الشهداء — التي حوّلت عبر تكتيكات العبوات الخارقة (EFPs) وحروب الاستنزاف القواعد الأمريكية في “عين الأسد” و”الحرير” إلى مصائد موت، موقعةً أكثر من 4,500 قتيل عسكري ونحو 32,000 جريح باعتراف سجلات البنتاغون الرسمية.

مثّل تأسيس الحشد الشعبي بفتوى المرجعية الدينية العليا الركيزة الأساسية في إسقاط الاستراتيجية الأمريكية؛ إذ أجهضت هذه القوة العقائدية مشروع “داعش” وحررت الأرض، ليتكامل هذا الإنجاز مع تصعيد المقاومة لعملياتها بالطيران المسير والصواريخ الباليستية، كاسرةً هيبة منظومات الدفاع الجوي الغربية “باتريوت” و”سيرام”، في تماهٍ كامل مع إسقاط الدفاعات الجوية اليمنية لأحدث طائرات التجسس الأمريكية المسيرة من طراز (MQ-9) في سماء اليمن.

تلاقت نيران المقاومة في العراق مع الضربات الصاروخية والبحرية اليمنية في البحرين الأحمر والعربي ضمن استراتيجية “وحدة الساحات” لنصرة غزة؛ حيث وجد البنتاغون نفسه محاصراً في كماشة حقيقية تستنزف قواعده البرية في بلاد الرافدين وتذل أساطيله البحرية في مضيق باب المندب، مما أثمر معادلات ميدانية استراتيجية تمثلت في:

* شل حركة خطوط الإمداد العسكري للتحالف الأمريكي على الطرق البرية العراقية.

* إبطال فاعلية التفوق الجوي والتقني لمنظومات الدفاع الأمريكية تحت كثافة المسيرات والصواريخ.

* فتح وتأمين ممر جغرافي تحرري متصل لمحور المقاومة يمتد من صنعاء وطهران إلى دمشق وبيروت والقدس.

* تجريد الكيان الصهيوني من مظلة الإنذار والحماية العسكرية المتقدمة التي وفرتها القواعد الأمريكية في العراق.

فجر السيادة ووعي المؤامرة

يدشن طرد القواعد الأمريكية من العراق فجراً إقليمياً جديداً يُعلن بصورة قاطعة سقوط أحادية القطب وانحسار الوجود العسكري للولايات المتحدة في غرب آسيا والبحر الأحمر؛ مبرهناً أن خيار المقاومة هو السبيل الوحيد المضمون لاسترداد السيادة وحماية الثروات الوطنية. إن النصر الذي سطره العراق يتقاطع عضوياً مع الصمود اليمني المظفر، ليؤكد أن معادلات القوة انتقلت بالكامل إلى أيدي شعوب المنطقة التواقة للحرية، وأن زمن الوصاية العسكرية الأجنبية قد طُوي إلى غير رجعة.

ومع اكتمال الاندحار العسكري الأمريكي، تفرض المسؤولية على الوعي الوطني العراقي وقوى محور القدس والجهاد التنبه إلى أن واشنطن المهزومة في الميدان ستلجأ إلى أساليب “الحرب الناعمة”، والحصار المالي، واستخدام البنك الفيدرالي لابتزاز العملة المحلية، فضلاً عن إعادة تحريك الخلايا التكفيرية النائمة. إن اليقظة الأمنية وتماسك الجبهة الداخلية، متكئةً على سواعد مجاهدي الحشد الشعبي والمقاومة، هي الضمانة الأكيدة لحماية ثمار دماء الشهداء وإفشال المؤامرات القادمة حتى التحرير الشامل لكل شبر من الأراضي والمياه والمقدسات المحتلة.

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.