علم النفس يكشف كيف تعكس الوجوه ما تخفيه المشاعر
صنعاء سيتي | متابعات
يؤكد تقرير نشره موقع Psychology Today أن أهمية الوجه تتجاوز كونه سمة جسدية أو رمزاً ثقافياً، إذ يؤدي دوراً محورياً في التواصل الإنساني وتنظيم العلاقات الاجتماعية والانفعالية.
ويرى التقرير أن النقاشات المتعلقة بتغطية الوجه غالباً ما تُطرح من زوايا سياسية أو دينية أو ثقافية، بينما يغيب عنها البعد النفسي والعصبي المرتبط بكيفية تفاعل البشر وفهم بعضهم بعضاً.
الوجه بوابة اللقاء الإنساني
لطالما منح الفلاسفة الوجه مكانة خاصة في فهم العلاقة بين البشر. فقد اعتبر الفيلسوف إيمانويل ليفيناس في كتابه “الكلية واللانهاية” أن الوجه يمثل جوهر اللقاء الأخلاقي، لأنه يضع الإنسان أمام شخص آخر بصفته كائناً مستقلاً لا مجرد موضوع للتصنيف أو الحكم.
وتقاطع هذا التصور مع رؤية مارتن بوبر في كتابه “أنا وأنت”، حيث ميز بين العلاقات التي يُعامل فيها الآخر كأداة أو وظيفة، والعلاقات التي يُنظر فيها إليه كذات حية ذات مشاعر وتجارب خاصة.
ورغم أن رؤية الوجه لا تضمن تلقائياً نشوء علاقة إنسانية عميقة، فإنها تتيح قدراً أكبر من الحضور العاطفي، إذ تكشف الابتسامة والتردد والحزن والخجل والفرح، ما يجعل التواصل أكثر ثراءً من مجرد تبادل المعلومات.
كيف يقرأ الدماغ الوجوه؟
يتميز البشر بحساسية استثنائية تجاه الوجوه، فهم يفسرون باستمرار تعبيرات الوجه ونبرة الصوت ووضعية الجسد والإيماءات والسياق المحيط بهم. وغالباً ما يحدث ذلك تلقائياً ومن دون وعي.
فعند التفاعل مع الآخرين يقيّم الدماغ بصورة مستمرة أسئلة ضمنية مثل: هل هذا الشخص منفتح على التواصل؟ هل يستمع إلي؟ هل يبدو غاضباً أو خائفاً؟ وهل أشعر بالأمان بالقرب منه؟
ويظهر هذا بوضوح في العلاقات العلاجية؛ إذ قد يلتقط المريض تغيراً طفيفاً في ملامح المعالج أو صوته قبل أن يدركه بوعيه الكامل، كما يستطيع المعالج ملاحظة تبدلات دقيقة في تعابير وجه المريض قبل أن يعبّر عنها بالكلمات.
الوجه والجهاز العصبي
توضح “النظرية متعددة العصب المبهم” التي طورها الباحث ستيفن بورغيس أن تعابير الوجه ونبرة الصوت والانتباه والتنظيم الذاتي للجهاز العصبي تشكل معاً ما يسمى “نظام التفاعل الاجتماعي”.
فالبشر لا يستجيبون للكلمات وحدها، بل يراقبون أيضاً إشارات الوجه وإيقاع التنفس ونبرة الصوت واتجاه الانتباه. ومن هذا المنطلق يقول بورغيس: “نحن نكشف عما في قلوبنا عبر وجوهنا”.
وتعتمد هذه العملية على ما يعرف بـ”الإدراك العصبي”، حيث يقيّم الجهاز العصبي بسرعة ما إذا كان الموقف آمناً أو مهدداً حتى قبل أن يتدخل التفكير الواعي لتحليل التفاصيل.
الصدمة النفسية وأهمية الشعور بالأمان
يصبح الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات نفسية أكثر حساسية تجاه تعبيرات الآخرين وإشاراتهم غير اللفظية، بسبب اعتياد أجهزتهم العصبية على البحث عن مؤشرات الخطر. لذلك قد تؤدي نظرة أو نبرة صوت أو تعبير وجه إلى تعزيز شعورهم بالأمان أو، على العكس، إثارة التوتر لديهم.
ويشير التقرير إلى أن التعافي النفسي لا يحدث بمعزل عن الآخرين، بل يعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات الإنسانية. فالصوت الهادئ والحضور المتزن وتعبيرات الوجه الداعمة تساعد الأشخاص على تنظيم مشاعرهم واستعادة التوازن الانفعالي.
وبحسب علم النفس المعاصر، لا يمثل الوجه مجرد جزء مرئي من الجسد، بل يعد وسيلة أساسية لفهم الآخرين والتعاطف معهم وتقييم مدى استعدادهم للتواصل. ولذلك تلعب الوجوه دوراً محورياً في العلاقات بين الآباء والأبناء والمعلمين والطلاب والأصدقاء والأزواج والزملاء.
ويخلص التقرير إلى أن رؤية الوجوه ليست مجرد عادة اجتماعية أو عرف ثقافي، بل إحدى الآليات الأساسية التي يعتمد عليها البشر لبناء الثقة وتنظيم المشاعر وإقامة تواصل إنساني صحي ومستقر.
التعليقات مغلقة.